اشتهر كارل فون كلاوزفتس، المُنظر والجنرال البروسي (1780 – 1831)، بقوله إن “الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. يكشف قول كلاوزفتس هذا ثلاثة مفاهيم: الأول، الحرب وسيلة وليست غاية. ثانياً، الحرب استمرار للسياسة، وليست انعطافة سياسية أو دليلاً على فشلها. ثالثاً، الحرب “وسيلة أخرى” – هي ليست وسيلة أخيرة، بعد أن انتهت كل الخيارات الأخرى واستنفدت. برأي كلاوزفتس، فإن الحرب كـ “وسيلة أخرى” و”استمرار للسياسة” لا تختلف عن كل مبادرة سياسية أخرى. فهي حيادية من ناحية أخلاقية. طالما كانت تخدم غاية الحكم، فإن الحرب وسيلة شرعية.
في عهد كلاوزفتس، قبل صعود الديمقراطية الحديثة وفكرة القومية، فإن الدافع للحروب كان إقليمياً وسياسياً، وليس أيديولوجياً. والمصلحة التي كانت تقبع في أساس الحرب سلطوية: المطالبة بضم مناطق لتعظيم مكانة الأمير أو الملك أو القيصر. وأديرت الحروب الإقليمية بين جيوش نظامية، في ميدان معركة “نقي”، سواء كانت حروب احتلال، أم حروب دفاع.
ولكن، مع صعود الديمقراطية الحديثة، تطور سلاح القتل الجماعي، وتحولت الحرب إلى شمولية، لم تعد الحرب “استمراراً للسياسة” و”وسيلة أخرى”. في الديمقراطيات الغربية، تقف الحرب على قدمين: الأولى، تقاتل الديمقراطيات حروباً دفاعية، ليس حروب احتلال. والدليل على ذلك هو أن الديمقراطية لم تشرع قط في حرب ضد ديمقراطية أخرى. كل الحروب التي تديرها الديمقراطيات هي حروب دفاعية ضد عدوان من أنظمة تسلطية. الثانية، الحرب وسيلة أخيرة للدفاع في وجه العدوان من الخارج، هي ليست وسيلة “أخرى”. فالديمقراطيات تقاتل حروب اللاخيار؛ وليست حروب الخيار.
وبالتالي، في عالم الصدام بين القيم الديمقراطية والقيم التسلطية، فإن استخدام مذهب كلاوزفتس وتبنيه كعنوان للحرب الحديثة، لا يتناسب إلا مع الأنظمة التسلطية. أما الديمقراطيات، من جهتها، فبحاجة إلى منظرين عسكريين خاصين.
في إسرائيل، الإستراتيجية العسكرية، حتى بما في ذلك حرب يوم الغفران، قامت على أساس الحرب بين جيوش نظامية ووقفت على عقيدة “الردع – الأخطار – الحسم”. ومع ذلك، من الثمانينيات فلاحقاً تغير طابع الحرب وانتقلت معارك إسرائيل إلى حرب غير متماثلة حيال منظمات الإرهاب. وأهملت عملياً عقيدة “الردع – الأخطار – الحسم”، إن لم يكن نظرياً، في صالح مفهومين، فاعل وسلبي.
المفهوم الفاعل، “الكلاوزفتسي” في جوهره، اعتقد أن هدف الحرب هو تحقيق هدف سياسي وليس الدفاع عن الوجود والأمن. فخطة “الصنوبر الكبير” حول لبنان، في 1982 استهدف إحداث تغيير للنظام وتسييد الأقلية المارونية برئاسة بشير الجميل على الدولة وعلى حساب جماعات سكانية مختلفة أخرى وميليشياتها العسكرية. بالنسبة لقطاع غزة، يعتقد مفهوم النائب افيغدور ليبرمان بإسقاط حكم حماس وتغييره بنظام ودي لإسرائيل. المفهوم السلبي، المتماثل في الوقت الراهن مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يعتقد باستمرار الوضع الراهن وإعادة الوضع إلى سابق عهده. ثلاث معارك مع حماس، “الرصاص المصبوب” (2009)، “عمود السحاب” (2012) و “الجرف الصامد” (2014)، انتهت بإبقاء حكم حماس على حاله وإعادة الوضع الراهن من “التفاهمات” والهدوء الأمني.
المفهومان – الفاعل والسلبي – فشلا. في لبنان، تكبدت الإستراتيجية الإسرائيلية فشلاً ذريعاً مع اغتيال الجميل وسقوط الكتائب. في غزة، لا يضمن إسقاط حماس في حملة عسكرية حكماً ودياً لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، فإن “التفاهمات” بين إسرائيل وحماس، المتحققة بين الحين والآخر بوساطة مصرية، تخترق بمنهاجية كلما قررت حماس تغيير السياسة والصدام مع إسرائيل.
اليوم، مع صعود إيران وفروعها، تلقى إسرائيل التحدي في كل الجبهات: حزب الله في لبنان وفي سوريا، الجيش السوري المعاد بناؤه ببطء، ميليشيات شيعية في العراق، حماس والجهاد الإسلامي في غزة، ومقدمة الرعاية إيران. ويولد تعقيد التهديدات ثلاثة سيناريوهات حربية متداخلة: حرب لبنان الثالثة، وحرب الشمال مع حزب الله وسوريا، وحرب شاملة مع إيران وفروعها. الجيش الإسرائيلي مطالب بالاستعداد في كل الجبهات لسيناريوهات مختلفة ومتنوعة، وذلك إضافة إلى الدفاع عن الجبهة الداخلية بكل عناصرها.
في واقع مركب وسائل بهذا القدر، يطرح السؤال: ما هي غايات الحرب لإسرائيل؟ النصر العسكري الموضوعي على نمط حرب الأيام الستة يبدو متعذراً. النصر الذاتي بتحقيق “صورة النصر” هو موضوع للعلاقات العامة والدعاية تجاه الرأي العام. بصفتها هدفاً “كلاوزفتسياً” لـ “إنجاز سياسي” فإن “صورة النصر” ليست غاية حرب مناسبة للديمقراطية المدافعة.
فضلاً عن ذلك، في الحرب غير المتماثلة كثيرة اللاعبين والتهديدات، عندما تكون إسرائيل معرضة للهجوم من كل صوب بآلاف الصواريخ وعرضة للإصابات في المنشآت الإستراتيجية والسكان المدنيين وشل الاقتصاد، فإن السعي إلى الحسم والنصر العسكري هو إستراتيجية مغلوطة، “مفهوم” يعود لعصر الحروب التقليدية في ميادين قتالية “نقية”.
في الحرب غير المتماثلة، في كل جبهة، هناك لإسرائيل غايتان للحرب فقط:
هاتان الغايتان تتواصلان الواحدة مع الأخرى. فمن أجل التقصير إلى الحد الأدنى لزمن الحرب وأضرارها، وتأجيل الحرب التالية لسنوات طويلة، مطلوب استعداد مسبق في مجالين: الدفاع والهجوم.
في مجال الدفاع، إضافة إلى “القبة الحديدية”، و”العصا السحرية” ومنظومة “حيتس” (سهم)، على إسرائيل أن تطور قدرة اعتراض للصواريخ فاعلة بأعداد كبيرة وبكلفة مخفضة. المجال الواعد هو اختراق في تطوير تكنولوجيا حديثة لسلاح موجه بالليزر، يسمح بإبادة آلاف الصواريخ في الزمن الحقيقي وبكلفة زهيدة قدر الإمكان. برأي اللواء احتياط اسحق بن إسرائيل، فإن اعتراض الليزر في الزمن الحقيقي ممكن حين يضع سرعة الضوء قبالة زمن طيران الصاروخ. النتيجة هي انتصار الزمن على المجال في نطاق الدفاع.
في نطاق الهجوم، على إسرائيل أن تستخدم قوة عسكرية غير مسبوقة في ظل الحرص على الضرر بالحد الأدنى “لغير المشاركين”. قوة كهذه ستحدث دمارا ماديا لقدرات عسكرية وبنى تحتية مدنية داعمة للقتال، اعادة بنائها يستغرق سنوات طويلة. وبوسع تخريب القدرات والبنى التحتية المكثف ان يتسبب بتغيير عميق في الوعي، مثلما احداث تدمير حي الضاحية، معقل حزب الله في بيروت في زمن حرب لبنان الثانية (صيف 2006). فاستخدام القوة العسكرية غير المسبوقة سيتسبب، مادياً وفي الوعي، إلى تأجيل الحرب التالية لسنوات طويلة. وهو سيحدث انتصاراً للزمن على المجال في نطاق الهجوم.
وبالتالي، فإن لغايتي الحرب قاسم مشترك: محور الزمن بخلاف محور المجال. في محور المجال يوجد لأعداء إسرائيل تفوق جغرافي وديمغرافي مطلق. فالمجال والديمغرافية الإيرانية – العراقية – السورية – اللبنانية حيال الجغرافيا والديمغرافيا الضيقة لإسرائيل. بالمقابل، في محور الزمن ليس لإيران وفروعها تفوق بنيوي على إسرائيل: دفاع ليزر، قبة حديدية، عصا سحرية ومنظومة حيتس كلها تقلص تفوق المجال الصاروخي للعدو؛ فإسرائيل كفيلة بأن توقع تفوقاً على تلك التي من شأن أعدائها أن يوقعوها.
إن صياغة غايات الحرب أعلاه معناه تعريف جديد لغايات الحرب الإسرائيلية: انتصار الزمن على المجال.
إن انتصار الزمن ليس انتصاراً عسكرياً أو إنجازاً سياسياً. ينبغي أن يلقى إلى سلة المهملات بكل الأوهام “الكلاوزفتسية” حول الإنجازات السياسية كغاية الحرب، مثلما السعي إلى الانتصارات العسكرية المكللة بالمجد. انتصار الزمن على المجال هو هدف الحد الأدنى للبقاء والدفاع عن الوجود، الأمن والسيادة في محيط معاد وعنيف. وهو يستهدف إكساب إسرائيل الهدوء والزمن لسنوات طويلة، ولا شيء أبعد من ذلك. لهذا فقط يوجد الجيش الإسرائيلي كجيش الدفاع الإسرائيلي.
من أجل تحقيق غايتي الحرب.. هناك حاجة لعقيدة استخدام للدفاع وللهجوم. في نطاق الدفاع، مطلوب تغطية لإسرائيل بمنظومات ليزر كثيرة وزهيدة الثمن لاعتراض الصواريخ، إضافة إلى القبة الحديدية والعصا السحرية ومنظومة حيتس. في نطاق الهجوم مطلوب استعداد متداخل، جوي – بحرب – بري، في ظل التهديد على ذخائر الحكم في كل واحدة من الدول التي تسمح للفروع الإيرانية بإطلاق الصواريخ والمقذوفات الصاروخية على إسرائيل. على حكومة إسرائيل أن تعد على عجل الرد الدفاعي والهجومي لتحقيق غايات الحرب لإسرائيل.
بقلم: شموئيل حرلف
نظرة عليا 30/7/2019