بيروت – «القدس العربي»: لا شك أن المرأة تشكل النموذج الساطع لحقوق الإنسان المنتهكة في المجتمعات النامية، وكذلك في تلك التي تتباهى بالمساواة بين الجنسين، وإن عبر أساليب أخرى وبنسب أقل.
ذكرت القائمة بالأعمال في السفارة السويسرية في لبنان أن مظاهرة نسائية شهدتها إحدى مناطق سويسرا طلباً لتحقيق المساواة. وقالت تلك الدبلوماسية الصريحة: لا يزال التمييز موجوداً في ما يتعلق بصحة النساء، أجورهن ونفسيتهن.
جاء ذلك خلال افتتاح الدورة الرابعة على التوالي من مهرجان أفلام حقوق الإنسان «كرامة – بيروت»، والذي حمل هذا العام عنوان «تكلم معها» بمناسبة السنة العالمية للنساء، فسويسرا دولة داعمة لهذا الحدث الثقافي، وشاركت في انتاج عدد من الأفلام.
مهرجان بدأ بالفيلم الروائي الطويل «بين بحرين» للمخرج المصري أنس طوبة. مسرح الفيلم جزيرة الذهب في القاهرة، وعناصره نساء من مختلف الأعمار، بدءاً من الطفولة إلى الجدة المسنّة. نماذج نسائية متعددة في مجتمع طابعة الفقر المدقع، ملتزم بالتقاليد وحريص على إلتزامها في الحياة العامة. المرأة في هذا المجتمع المُصغّر ضحية المرأة الأم وكذلك التقاليد. ترى الأم في زواج ابنتها سترها، وترى بعض الفتيات في الزواج تحرراً من «زعيق الأم». في هذا المجتمع نماذج مقدامة وطموحة. الطبيبة التي تجاوزت كافة طلبات الزواج واستهزاء القريبات المسنات «حتنفعك بأيه الماجستير والدكتوراه»؟ والمتزوجة الطامحة أن تنال الإعدادية مع إبنتيها.
يتابع الفيلم مساره الدرامي ويصل إلى ذروته بشكل غير متوقع. تخضع الطفلة شهد للختان بتواطؤ من والدها مع جدتها، وبعد إقصاء الأم عن المكان بحيلة.
تنزف وتموت تلك التي كان يناديها والدها «ستي الدكتورة». تُصدم الأم ولا تسامح طرفي الجريمة، ويفلت «التمرجي» من العقاب بمساعدة شهود الزور، رغم عدم نيله لرخصة عمل. تتابع الأم المفجوعة الدراسة وتصبح مُدرِّسة في جمعية تساعد النساء في العلم، محو الأمية وإيجاد مصدر رزق مستقل. ولافت أن تلك الجمعية يديرها الشيخ إسلام، ورثها عن والده رجل الدين المتنور. يحل رجل الدين الشاب بقرار رسمي مكان إمام الجامع المتسلط والجاهل، والذي يرى في زوجة ابنه خادمة لهما معاً وليس أكثر. تتمرد الزوجة على تعنيف زوجها، تهدده «إما توصلني ورقة الطلاق، وإلا والله لأخلعك». في زمن متقارب تحررت تلك المرأة من الرهان على امكانية أن يصبح زوجها بشراً في علاقته بها، وفي الرهان على شقيقها الغائب في الكويت منذ خمس سنوات. ذاك الولد العامل في الخليج استثمرت الأم «بعلامه» فصار مهندساً، وعاد لها بشال! والباقي سيشتري به أرضاً. وترك أمه تمضغ جوعها. فأنكرت تصرفه ولامت قلبها الذي ميزه عن شقيقته. يحفل سيناريو «بين بحرين» بالتفاصيل الإنسانية. نساء يتندرن بجفاء أمهاتهن العاطفي. تلك العاطفة المُخزّنة والمحفوظة للأولاد وليس للفتيات. يتندرن بحاجتهن للعلب، لركب المرجوحة وغير ذلك. هن نساء صلبات صنعهّن الوعي الداخلي والنظر الثاقب للأمور. ولا شك بوجود نماذج رجال متنورين كوالد الطبيبة وامام الجامع الشاب.
«بين بحرين» فيلم يكتسب أهمية في تكثيفه لعدد من القضايا المفصلية الكبيرة، وكذلك فيض التفاصيل. واصراره على تقديمها بتشويق وواقعية شبه مطلقة. فيلم ينتصر للحق يُبدّل في الأفكار النمطية، فضابط الشرطة يتخلى عن قناعاته يتزوج الطبيبة دون أن «يستتها» في البيت. وتفترق أم شهد عن زوجها الذي تواطأ دون نوايا خبيثة في قتل ابنته. ولا تسامح أم شهد والدتها على جريمتها لكنها تشفق على كبرها.
مهرجان أفلام حقوق الإنسان في دورته الرابعة يستمر إلى الخامس من الجاري. وفي افتتاحه قال مديره هيثم شمص إنه حلّ هذا العام فيما «العنصرية والكراهية تستشري في بيروت. عنصرية لن تطال النازحين والمهمشين بل الوطن بأكمله.. للنازيين الجدد نقول الحب أقوى من الكراهية». وتحدثت مديرة البرامج في المهرجان نجوى قندقجي عن «وجهة نظر حداثية للجندرة ترتكز على الإنجاز والإبتكار». ودعت لتكثيف العمل الفني في عرض مسائل عدم المساواة «عبر أدوات تعبير آسرة ومؤثرة».