بين حركة النهضة وحكومة الرئيس التونسي: هل ترفع المتاريس؟

نزار بولحية
حجم الخط
0

ما الذي جرى في الأيام الثلاثة التي فصلت بين الإعلان الاثنين الماضي عن تنصيب حكومة نجلاء بودن وبين خروج حركة النهضة ظهر الخميس الماضي بأول رد فعل رسمي على تلك الخطوة؟ هل حصلت محاولات من هذا الجانب أو من ذاك لجس النبض واختبار خطوط التواصل بين الطرفين ولم لا حتى التفاوض؟ وهل حاول النهضويون هنا بالاساس ان يقدموا عرضا ما قد يضفي على تلك الحكومة الشرعية الدستورية المطلوبة من جهة ويحفظ من الأخرى دورهم وموقعهم في العملية السياسية في تونس؟ حتى وان توقع البعض حدوث شيء من ذلك فإن الصيغة التي صدر بها بيان الحركة لم تكن توحي بنجاح أي مسعى في ذلك الاتجاه بعد ان أكد على «رفضها لمخالفة الصيغ والإجراءات الدستورية في عملية تشكيل الحكومة» ووصفها بـ»حكومة الأمر الواقع وحكومة الأمر مئة وسبعة عشر اللادستوري» بحسب ما جاء في نصه.
لكن هل يعني ذلك ان الباب المغلق بين الجانبين سيظل كذلك ولن تكون هناك أي امكانية أو فرصة لأن يوارب أو يشرع ولو بعض الشيء؟ معظم خصوم الحكومة التونسية تندروا بالتساؤل عن أي دستور أقسم الوزراء والوزيرات على احترامه؟ لكن فرضا انها ستعرض في وقت لاحق على مجلس نواب الشعب ألن يكون من شبه المؤكد حينها ان البرلمانيين ان حضروا جلسة التصويت سيتعجلون المصادقة عليها بغض النظر عن مواقفهم منها أو عن ملاحظاتهم أو تحفظاتهم حول هذا الوزير أو ذاك وقد يفعلون ذلك أيضا ولعدة أسباب بالإجماع؟ لكن أين هو ذلك البرلمان الذي يمكن ان يحصل فيه ذلك بعد ان حافظ الرئيس التونسي على وجوده على الورق وجمد في الوقت نفسه ومنذ الخامس والعشرين من تموز/يوليو الماضي كل نشاطاته وأعماله؟ من الواضح ان قيس سعيد لا يهتم على ما يبدو لذلك وبالنسبة له قد لا يبدو الأمر ضروريا جدا الآن على الأقل في ظل فهمه وتفسيره للتدابير الاستثنائية التي أقرها. ولأجل ذلك فلاشيء يدعوه للتفكير في تلك الفرضية. وهذا في حد ذاته واحد من الأسباب التي تبرر وجود أكثر من حاجز عال وسميك يفصل تلك الحكومة عن أكبر حزب في البلاد. لكن هل سيبقى ذلك الوضع قائما وثابتا على حاله؟ وهل انتهت علاقة حكومة بودن بالنهضة قبل ان تبدأ؟ أم ان الأمر سيكون قابلا للتعديل والتغيير بين يوم وآخر خصوصا ان لا أحد يعرف اليوم في تونس كم ستدوم عهدة الحكومة التونسية الجديدة بالضبط أو ما خططها أو برامجها للشهور القليلة المقبلة لانتشال تونس من كل أزماتها العميقة والمركبة وفي أي مناخ سياسي سيكون ذلك ممكنا؟ كما لا أحد يدري وبالمثل أيضا ان كانت حركة النهضة ستقدر في الظروف الحالية على العودة سريعا ومجددا إلى صدارة المشهد السياسي المحلي وان تفرض نفسها كطرف سياسي لا يمكن حجبه أو تجازوه أو غض الطرف عن وجوده؟
ربما عكس انقسام التونسيين حين تابعوا صباح الاثنين الماضي على شاشات التلفزيون الرسمي وقائع تنصيب حكومة نجلاء بودن في قصر قرطاج بين مرحب ومعارض أو حتى غير مبال أو مهتم بالحدث، طبيعة الظرف الذي ولدت فيه تلك الحكومة. غير انه وبعيدا عن الهواجس الاقتصادية والمالية التي قد تكون خامرت أذهانهم في ذلك الوقت فإن تكثف طبقة سميكة من الضباب الحاد في الأفق السياسي للبلاد بفعل حالة الغموض الشديدة التي تطغى على المشهد الحالي ولا تجعل أي أحد قادرا على ان يعرف إلى أي وقت يمكن ان تستمر تلك الإجراءات أو التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد منتصف تموز/يوليو الماضي وإلى أين ستفضي، وهل انها ستقود حتما إلى إقرار انتخابات مبكرة أو استفتاء شعبي حول تغيير النظام السياسي أو الدستور أم لا، هو ما يثير حيرة الكثيرين ويجعلهم يتخوفون مما قد تخبأه لهم الأيام المقبلة من تقلبات أو مفاجآت.

الحركة التصحيحية

ولعل ما قد ينضاف إلى ذلك كله هو انه لم يحصل وعلى امتداد عقد كامل من عمر تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس ان وجد أكبر حزب في البلاد وصاحب الكتلة الأكبر في برلمانها أي حزب حركة النهضة، نفسه مقصيا لا من المشاركة في الحكومة المعلنة من قصر قرطاج بل حتى من أي مشاورات أو اتفاقات حول تركيبتها أو برامجها. ومن المؤكد انها بالفعل حكومة الرئيس التي لطالما ثار الجدل والنقاش في الشهور الأولى التي تلت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت قبل عامين بين مناصر للفكرة ومعارض لها حول الحاجة إليها من عدمها. وفي الأصل فإن ما دعاه الرئيس التونسي بالحركة التصحيحية كان نوعا من الاستثمار البارع في مشاعر ومواقف جزء كبير من المهمشين والمنهكين من ثقل الأعباء المعيشية بعد ما تعرضوا لعمليات قصف إعلامي وتوجيه متواصل جعلت من ذلك الحزب بالذات يقدم على انه وحده المسؤول عن كل الكرب الذي حل بهم. لكن الآن مالذي ستفعله تلك الحكومة وهي تواجه من لحظة ولادتها إشكالا في دستوريتها؟ كل ما قالته نجلاء بودن الإثنين الماضي في حفل تنصيبها على رأس تلك الحكومة هو ان «استعادة الثقة في الدولة واستعادة ثقة الشباب في نفسه وهي ثقة لا تتحقق إلا بشعوره انه مواطن كامل الحقوق، واستعادة ثقة المواطن في الإدارة وفي المرفق العمومي واستعادة ثقة الأطراف الأجنبية في تونس» ستكون أولويات عملها في المرحلة المقبلة.
لكن السؤال هو ليس فقط مالذي تملكه بودن لتحقيق تلك الوعود، بل كيف يمكنها ان تجعل التونسيين يستعيدون الثقة في دولتهم ان بقيت جسور الحوار بين الرئاسة وهي صاحبة القرار الأول والأخير في البلاد وبين القوى السياسية والمدنية مقطوعة؟ ويبدو المشكل هنا مزدوجا، فهو قانوني من جانب وسياسي من الآخر. فالصلاحيات الممنوحة لرئيسة الحكومة محدودة جدا وهي تكاد تجعل من الفريق الحكومي مجرد أداة لتنفيذ قرارات الرئيس وسياساته. إذ وفقا للفصل السابع عشر من الأمر الرئاسي الذي أصدره الرئيس قيس سعيد في ايلول/سبتمبر الماضي حول التدابير الاستثنائية للحكومة فإن الأخيرة «تسهر على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية».
أما رئيس الحكومة فهو وكما جاء في الفصل التاسع عشر من ذلك الأمر الرئاسي «يسير الحكومة وينسق أعمالها ويتصرف في دواليب الإدارة لتنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية». وهذا بالطبع أبعد ما يكون عن الصلاحيات التي تمتعت بها الحكومات التونسية المتعاقبة في السنوات العشر الأخيرة. ولعل هذا الوضع الفريد من نوعه يعكس الجانب الآخر للمشكل أي وجهه السياسي. فالرئيس سعيد لا يبدو مستعدا لأي حوار مع من يصفهم بالفاسدين وباللصوص. وهو وان لم يضع حتى الآن وبشكل صريح جميع الأحزاب في سلة واحدة فإن خطاباته لا تدعو مجالا للشك في انه لا يتحمس كثيرا لان يكون الحوار الوطني الذي وعد بتنظيمه مباشرة بعد تنصيب الحكومة مفتوحا على الأحزاب الوطنية حتى بما فيها تلك التي وقفت معه وأيدت قراراته الأخيرة. والسؤال هنا مالمتوقع في ظل كل تلك العوامل من الحكومة الجديدة؟ وهل انها ستكون بالفعل مخلبا للرئيس في وجه خصومه وعلى رأسهم حركة النهضة؟

مزاج شعبي عام

ان استناد قيس سعيد إلى مزاج شعبي عام يميل بشدة إلى فتح كل الملفات ومحاسبة المسؤوليين عن السنوات العشر الأخيرة على ما يصفها هو وفي كثير من المرات بـ»الجرائم» و»عمليات التنكيل بالشعب التونسي» قد يدفعه في وقت ما لان يوجه لها الأوامر بإطلاق الصواريخ القانونية التي لطالما هدد بها. أما إلى أي مدى قد تصل تلك الصواريخ وهل انها ستؤدي بالنهاية إلى ضرب أكبر حزب في البلاد وإخراجه نهائيا من الساحة عبر إصدار قرار قضائي بحله مثلما يدعو البعض ويتمنى الآخر، ربما سيرتبط ذلك وإلى حد كبير بعدة عناصر لا داخلية فقط بل حتى خارجية. ومن الجانب الآخر فإن موجة الاستقالات الاخيرة من حركة النهضة والتي شملت الشهر الماضي أكثر من مئة قيادي من الصفوف الأولى قد تكون مؤشرا على مخاض جديد تعيشه الحركة بعد أكثر من أربعة عقود من ولادتها.
كما ان اكتفائها حتى الآن بإصدار بعض المواقف والبايانات وعدم دخولها في مواجهة مفتوحة مع الرئيس قد يحمل عدة تأويلات كأن تكون لديها الرغبة في عدم قطع شعرة معاوية تماما مع قصر قرطاج. غير انه من الواضح ان استعداد قيس سعيد وحكومته لتقبل أي إشارات أو رسائل إيجابية منها يبدو ضعيفا جدا وربما حتى منعدما. ولأجل ذلك فإن الحواجز والمتاريس ستبقى موجودة بين حكومة نجلاء بودن وحركة النهضة إلى ان يأتي ما يخالف ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية