بين حفتر وسيف الإسلام.. هل تتجه العملية السياسية في ليبيا نحو الفشل؟

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس- “القدس العربي”: أسماء ليست جديدة طغت على الساحة التمهيدية لانتخابات ديسمبر المنتظرة في ليبيا. هذه الأسماء حملت متهمين في قضايا ضد حقوق الإنسان، ومتورطين في مجازر وقتل جماعي، واعتداءات على ممتلكات وسطو مسلح وسرقة، وتحريض.

الخريطة الجغرافية لليبيا، بات يختلف تقسيمها واقعيا عمّا رسم وحدد من حدود إدارية. فباتت المنطقة الشرقية منها واقعة تحت حكم حفتر، وحمل أهلها غصبا أفكاره ومعتقداته، وسيطر على كافة أصواتهم، وأخرسها. أما المنطقة الجنوبية، فرغم ادعاء حفتر سيطرته عليها، إلا أنه لم يتمكن من ذلك فعليا؛ بسبب العصابات التشادية التي تهيمن على المنطقة والت أدخلها هو بيده إلى ليبيا، ثم عجز عن كبح جماحها، ولازال يحاول حتى اللحظة أن يسيطر على أصوات أهل مناطق الجنوب بشكل أو بآخر.

المنطقة الغربية من ليبيا، حيث المناخ الديمقراطي، لا توجد سيطرة فعلية فيها إلا من قبل حكومة الوحدة الوطنية التي عجزت عن السيطرة على باقي بقاع البلاد، عدا المنطقة الغربية الممتدة من حدود تونس إلى مدينة سرت.

وفي إطار هذا التقسيم اللامنطقي، لن تخرج انتخابات ديسمبر عن إطار هذه السيطرة المحكمة. فقبل أن يخرج إطار فعلي لتقوم عليه الانتخابات، بدأ حفتر في حملته الانتخابية، وبدأ يحاول حشد الأصوات بطرق غير نزيهة، منها توزيع أوراق لجمع بيانات المواطنين وتسجيلهم في أحد المراكز الانتخابية، ومن ثم التصويت بأسمائهم له أو لأحد أبنائه.

المنافس لحفتر، والذي من الممكن أن يضع حملته الانتخابية في خطر كبير، هو سيف الإسلام القذافي الذي ظهر في وقت حرج، وفي وقت يأس فيه الليبيون من أي أسماء جديدة وتمنوا العودة لحكم القذافي الراحل رغم أن حالهم لم يكن أفضل بكثير، ورغم التكتيم والترهيب الذي كان يمارسه على كل صاحب صوت أو كلمة.

سيف الاسلام بدأ فعليا وضمن مناطق الجبل الغربي وسرت وبني وليد، أي المناطق التي تتوسط ليبيا، في حشد المؤيدين له من كتائب مسلحة ومواطنين. بل أظهرت مجموعة من مقاطع الفيديو قيام عدد من المواطنين بطباعة ملصقات لحملته الانتخابية.

وواقعيا، أثار ظهور سيف الإسلام موجة دعم شعبي من قبل فئة كبيرة من الشعب، رغم أن ظهوره كان غامضا وغير واضح، إلا أنه حرّك أصحاب الراية الخضراء الذين ركنوا أصواتهم جانبا ممتنعين عن تأييد أي أحد، وواقعيا يعتبر عددهم ليس بالقليل.

التحدي بين سيف الإسلام وحفنر يثير المخاوف من عدم قدرة مرشحي المنطقة الغربية والشخصيات الوطنية القيادية الجديدة من الخوض في هذه المعركة، خاصة مع استخدام سيف وحفتر، لطرق غير نزيهة لحشد الدعم الشعبي. فحفتر تشير كل الدلائل إلى عزمه تزوير الأصوات الانتخابية، أما سيف فيخشى البعض من تشكيل مسلح يدعمه.

كما أن حفتر بدأ فعليا في المحاولات لإلغاء وجود سيف الإسلام ومنعه من الدخول في معترك الانتخابات من خلال البرلمان المؤيد له، والذي وضعه منذ سنوات تحت ذراعه، حيث حمل المقترح الخاص بالقوانين الانتخابية منع المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية من الترشح للانتخابات.

ويحاول البرلمان أن يمهّد لدخول حفتر من خلال الانفراد بصياغة القوانين الانتخابية، ورفض إشراك المجلس الأعلى للدولة في كتابتها، مع علمه بموقف الأعلى للدولة ضد حفتر، وإصراره على ضرورة إقصائه، فانفرد البرلمان والمفوضية العليا للانتخابات التي شكك خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة في حياديتها، في أن يخلقوا قوانين أحادية، وأن يجعلوا البرلمان يصوت عليها بسرعة غير معهودة لدى البرلمان ورئيسه من القبة.

إصرار البرلمان هذا، دعا الكثيرين إلى وصفه بالمعرقل لانتخابات ديسمبر. حيث يعلم البرلمان جيدا أن اتخاده للقرارات الأحادية لن ينجحها، فقد كانت له محاولات سابقة في إتمام مواضيع بشكل فردي كالمناصب السيادية، ومنصب المحافظ تحديدا في وقت سابق، إلا أنه لم يستطع ذلك؛ بسبب رفض قرينه في الاتفاق السياسي. أي أن البرلمان يعلم أن كافة هذه الجهود لن تمرر، وستدخل البلاد في دوامة التأخير والتأجيل المعتاد.

هذه المؤشرات تدفعنا لتوقع حدوث أزمة وتعسر في العملية السياسية الليبية، الأزمة التي سينتج عنها تأجيل للانتخابات، ستخلق صراعا مسلحا جديد وتنقض كافة الهدن المتفق عليها، إلا أن الصراع لن يكون أخف وطأة ممّا سبقه، مع توقع دخول سيف الإسلام إلى أرض المعركة، وهو الذي توعد باسترداد ليبيا، وكأنها ملك له ولعائلته.

كما أن التقارير المسربة عن رغبة حفتر بتشكيل حكومة جديدة تحت إمرته، والصور التي باتت تظهر له وهو يحوي رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للبرلمان سابقا رغم عدم حيازته لأي صفة، تشير إلى مخطط بديل يضعه حفتر بحكومة وبسيطرة فعلية.

ورغم مراهنة البعض على الضغط الدولي، إلا أن في السياسة “لا شيء متوقع ولا شيء ثابت”، وكل شيء قابل للتغيير، خاصة مع استمرار دعم روسيا والإمارات ومصر لحفتر، وربما تدعم دول أخرى سيف الإسلام القذافي.

كما أن دولا وأجساما أخرى باتت تتهم بدعم حفتر وبتهيئة المناخ له، منهم البعثة الأممية التي وضعت تغييرات أربكت مسار ملتقى حوار جنيف، فضلا عن روما التي بات موقفها ضبابيا بعد تبني الاجتماع الأخير الذي خرج منه النواب بقوانين انتخابية دون أساس مرجعي، ودون شرعية كونها تبتعد عمّا نص عليه الاتفاق السياسي.

ناقوس خطر بدأ يهدد وبشدة التقدم الملموس الذي حقق لإنقاد ليبيا من شبح الانقسام والصراع المسلح. وكما ذكرت سابقا، لا شيء متوقع في السياسة والحرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية