يعدّ المعجم العربيّ من أغنى المعاجم في العالم من جهة عدد مفرداته وتعدّدها وثراء حقوله المعجميّة؛ وما يزال هذا المعجم يأخذ من اللغات المجاورة على قدر حاجته وأحيانا على أقلّ من ذلك القدر، لكنّه لا يأخذ في غالب الأحيان أكثر. أنا طبعا أتحدّث هنا عن معجم العربية المعيارية Standard Arabic التي تسمّى الفصحى. أمّا عن معاجمنا العامية اليومية، فهي تأخذ من اللغات الأخرى كما تريد، لأنّ المتكلم في هذه اللهجات براغماتي غير معياريّ، وليس على أخذه وتناوله حرَس مثلما هو الأمر في العربية المعيارية. ما زال الحرّاس لا يسمحون للعبارات الجديدة بالدخول حتى يستنفروا المجاميع، ويشعل الكرادلة دخانهم الأبيض.
معجم المساكن في العربية معجم محافظ، في أسمائه تاريخ من تنقل العربيّ بين البيوتات والمجمعات. ربّما كان الكهف السكن الأوّل للإنسان لكنّ المعاجم العربيّة حتى القديمة منها لا تسند إليه هذه الوظيفة فهو في النصوص القديمة عنوانُ حماية وقتيّة وليس عنوانَ سكن قارّ، وهذا ما نجده في القرآن في سورة الكهف، فعلى الرغم من لَبْثِ الفتية فيه ثلاثة قرون تقريبا فإنّه لم يُعدّ سكنا، بل كان مكانا يحمي المتديّنين الجدد. وبالطبع لم يحمل الكهف في الثقافة العربية ما حمله في الفلسفة الإغريقية من رمز الانغلاق والعزلة المعرفيّين، كما هو الحال في كهف أفلاطون الذي كان يجمع أناسا عيونهم لا على الكيانات، بل على ظلالها.
اضطلعت عبارة بيت وما تزال تضطلع بدورها في تعيين المسكن، بل وفي تعيين النسب العرقيّ. وكان بيت العربيّ الجاهلي الذي صالحته الحياة مع الترحال، من النسيج فهو يبنى في الحلّ ويُطوى في التَّرحال. ما زلنا إلى اليوم نرى هذا البيت ونسمّيه خيمة أو بيت شَعَر. ومنه استمدّت علوم مثل العروض والنقد والنحو شيئا من أسمائها، فما بيت الشعر بصدره وعجزه فيه إحالة على انقسام البيت البدوي قسمين وفي العروض نجد عبارات مستلهمة من أشياء البيت البدوي مثل الأسباب (الحبال) والأوتاد (ما يثبت في الأرض لدعم الخيمة). وفي النحو استعمل سيبويه لفظي المسند والمسند إليه وشرحهما شرحا يحيل على استعارته هذه التسميات من تساند أعمدة الخيمة التي تشدّها. الخيمة ما تزال إلى اليوم تأوي الرّحّل من الرعاة لكن أيضا الأثرياء مؤذنة عند هؤلاء وأولئك بحلقة دوريّة يبدأ فيها السكن من الخيمة اضطرارا، وينتهي إليها حلما وحنينا.
اشتغل البيت نظاميّا ولفترة في تقابل مع القصر فصنع هذا الزوج من العبارات تقابلا ثقافيا مهما بين نمطي حياة بدويّة وحضريّة. كانت ميسون بنت بحدل الكلبيّة زوجة بدويّة لمعاوية ويقال إنّها كانت أمّ ابنه يزيد معروفة بفائيّتها التي تقارن فيها بين حياة البيت وحياة القصر فتقول وفيها حنين إلى حياتها الأولى ( لَبَيْتٌ تَخْفُقُ الأرواحُ فيه // أحبُّ إليَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ). وما زلنا نسمع في أشعار البدو ومغانيهم إلى أيّامنا هذا المعنى فبعض المطربين العرب اليوم يغني بلسان حال ميسون فيقول: (لأهجر قصرك وارجع لبيت الشعر..). ينبغي أن لا نفهم أنّ في الأمر مفاضلة للمعمار فلا يقارن ما شيّد من شعر مع شمخ من حجر طبعا لكنّ المقارنة في الأخلاق والطباع أي في الثقافة التي نشأ عليها البدويّ.
كان البيت يعني الخيمة طويلا حتى في حياة القصور ويبدو أنّه لم يكن هناك من وسط بين البيت من الشعر والخيمة. البيت يحيل على نظام قبليّ، الإقامة فيه وقتيّة بينما يحيل القصر على نظام مدنيّ عرف السكان فيه القرار وثبات المسكن. كان البيت الذي يطوى سببا يدعو أصحابه لتجديد الجغرافيا وللاغتراب، الذي هو أصل الإقامة، اغتراب هو عنوان التجدّد وليس الانبتات.
المعجم العربيّ الذي كان يتابع ما يحدث على مستوى الخارج إذ أسند لتجمّعات البيوت أسماء مختلفة ولم يسند إلى تجمعات القصور تلك الأسماء، فإلى اليوم يمكن أن تحيل عبارة سلسلة القصور لا على تجمّع متقارب في المباني، بل على عدد متفرق منها قد يكون على ملك شخص واحد.
المعجم العربيّ الذي كان يتابع ما يحدث على مستوى الخارج إذ أسند لتجمّعات البيوت أسماء مختلفة ولم يسند إلى تجمعات القصور تلك الأسماء، فإلى اليوم يمكن أن تحيل عبارة سلسلة القصور لا على تجمّع متقارب في المباني، بل على عدد متفرق منها قد يكون على ملك شخص واحد. بينما تطلق عبارة «حيّ» على القبيلة التي تجتمع مضارب خيامها في مكان ما، وصار يطلق على تجمّع من المنازل في دائرة بلديّة أو غيرها. ولا تقول لنا معاجمنا القديمة شيئا عن مصدر هذه العبارة الدلاليّ أهو الحياة أم هو الحياء. يقول عروة بن الورد متحدّثا عن هذا المعنى: (وإن جارتي أَلْوَتْ رياحٌ ببيتها // تَغَافلْتُ حتّى يستر البيتَ جانبُه). ويقول عنترة في معنى الحياء نفسه وكون البيت ساترا (وأغضّ طرفي ما بَدَتْ لي جارتي// حتّى يُوارِي جارَتي مَأْوَاها).
المضرب اسم مكان من ضرب ويعني المكان الذي تضرب فيه أوتاد الخيمة، حين تبنى مؤذنة بالحلّ بعد ترحال، وأخذت العربية من اسم المكان هذا عبارة قريبة لتسمّي بها الفسطاط العظيم الذي يقال له مِضْرَب ولم تكن العرب محتاجة إلى لفظ الفسطاط حتى اكتشف الراحلون خارج مضاربهم أنّ هناك لدى الأمم الأخرى خياما عظيمة ربّما استخدموها في تنقّل الجيوش الكبيرة في الحروب العظيمة لذلك اقترضوا العبارة وربما العمارة معا.
لكن مع اهتمام العرب بتسمية بيوتهم وتجمعاتها خلعوا على الحيوان تسميات مشابهة فاستعملوا اسماء من نوع «جُحر» و»غار» و»بيت» و»خليّة» لمساكن بعض الحيوان والحشرات التي لم يألفها الإنسان ولم تألفه. ربّما استعارت شعوب كثيرة طرق أصحاب الجحور والأغوار في اعتماد ما حفر أو نقر في الصخر للسكن وربّما اهتموا بمساكن الطير أو الحشرات لقيمتها في غذائهم الذين يوفرونه بالصيد أو بالسلب كالذي يقع مع النحل. لكنّهم قاسوا غير النافع في الأسماء على النافع فسموا نسج العنكبوت بيتا مثلا، على الرغم من أنّه لا يحتاج إليه. ولئن سمّوا «حيّ النحل» خليّة فإنّهم لم يلتفتوا إلى مقرّ اجتماع النمل لأنّهم عدوا ذلك الاجتماع غير مفيد، وبالطبع لا يمكن أن نجد تسمية لبيوت العنكبوت المجتمعة، لأنّها بيوت مفردة لا تجتمع فهي تعيش على الصيد المفرد لا الجماعي. بيت العنكبوت هو بيت قدّ من نسيج أي بما قدّت به بيوت الشعر الأولى نفسها. في سورة العنكبوت (41) يقول تعالى: (وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) وفي القرآن أيضا تحدّث عن بيوت لكنّها بيوت لا تنسج بل تـتّخذ إذ قال تعالى في سورة النحل (68): (وأوْحَى ربُّكَ إلى النّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ) لكنّ لفظ بيوت في الاستعمالين ليس على حقيقته بالنسبة إلى البشر فالبيت جعل للسكن والحماية لكنّ بيت العنكبوت جعل لوظيفة غالبة هي الصيد، ولذلك فهو صلد من هذه الجهة إذ يصمد أمام الرياح العاتية ويمكن أن يمسك من الفرائس التي يعتاش منها العنكبوت ما لا يقدر معه على الفكاك، لذلك لا يمكن الحديث عن مجمّع لبيوت العنكبوت، بل عن مجمّع لبيوت النحل فهي خلية بالنظر إلى جزئياتها الوظيفية، وهي مملكة بالنظر إلى نظام إدارتها. ولا يمكن أن نقارن النحل بالنمل فللنمل «مساكن» على حدّ العبارة القرآنيّة (سورة النمل 18) يخزّن فيها زاده ولئن كان النحل مولّدا أو مُحوّلا أو منتجا بيته هو عبارة عن مصنع، فإنّ النمل ناقل لما يجتلبه من «حلالك أو حرامك» ولذلك فإنّ بيته مخزن لكلّ ما ينقله إليه. ليس النمل كالنحل ولا كان النمل كالعنكبوت هي كائنات راقية وربّما أضفى عليها الدين رموزا جعلتها في هرميّة. لقد ارتفع شأن العنكبوت في قصة هجرة الرسول مع أبي بكر الصدّيق، وارتفع شأن النمل في قصّة النبيّ سليمان، ولم يحتج النحل رفعة على رفعة فشهده شاهد على رفعة مسكنه.
كان هذا المقال تداعيا لغويّا لسماعي جملة حركت زنابير لغتي، إذ قالت مسافرة ونحن في القطار لمن تجالسها على كرسيّ مزدوج أمامي متحدّثة عن ثالثة لم تذكراها بخير: إنّها تسكن بين حيّ النّحل وحارة العناكب.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة