في الأسبوع المقبل ستبدأ في رأس الناقورة محادثات مباشرة بين مندوبين من لبنان وإسرائيل على ترسيم خط الحدود البحرية بين الدولتين. وسيسمح التوصل إلى اتفاق بترسيم خط الحدود للبنان البدء بالتنقيب عن حقول الغاز على شواطئه وإنتاج الغاز وبيعه، مثلما فعلت إسرائيل منذ زمن بعيد.
كان يمكن الشروع في المفاوضات على ترسيم خط الحدود قبل نحو عقد من الزمان عندما اكتشفت حقول غاز كبرى في مياه البحر المتوسط. غير أن اللبنانيين جروا الأرجل ورفضوا كل اتصال مع إسرائيل، كجزء من فكرة أن المفاوضات بين الدولتين فيها نوع من الاعتراف بل وإعطاء شرعية لإسرائيل. والخوف من أن تتهم بالخيانة شل إذن حكومة لبنان ومنعها من التقدم نحو الاتفاق، رغم أنها كان يمكن أن تكون هي الرابح الأساس منه. وهكذا أضر اللبنانيون بأنفسهم، وإسرائيل لم تنتظرهم، وبدأت تستخرج وتصدر الغاز من حقول الغاز على شواطئها التي على مقربة من الحدود اللبنانية.
غير أن لبنان وصل إلى شفا الانهيار التام. فالاقتصاد اللبناني ينهار، سواء بسبب العقوبات الحادة التي فرضتها الولايات المتحدة على حزب الله ومؤيديه، وعلى إيران وسوريا، أم بسبب أزمة كورونا. انفجار عبوة الأمونيا في مرفأ بيروت، الذي خلف وراءه قتلى وأضراراً بحجم مليارات الدولارات، كان مثابة المسمار الأخير في نعش الدولة والاقتصاد في لبنان.
وبينما كانت ظهور السياسيين في لبنان إلى الحائط فقد استسلموا في ضوء خطر الانهيار الذي يهدد الدولة، وحتى حزب الله اضطر لرفع العلم الأبيض. لقد وافق اللبنانيون على الشروع في مفاوضات مع إسرائيل، وهكذا يكونوا منحوها -رغم أنوفهم- الاعتراف والشرعية اللذين أخافاهم في الماضي واعترفوا بشكل غير مباشر بأن الطريق إلى الاستقرار والازدهار الاقتصادي يمر عبر الحوار مع إسرائيل.
واضح أن حزب الله يعيش ضغطاً حتى في أوساط مؤيديه. فالكشف عن مصانع الصواريخ لدى التنظيم في قلب منطقة سكنية في بيروت في خطاب رئيس الوزراء نتنياهو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، كان من هذه الناحية ضربة أخرى لصورة التنظيم دفعته للتنازل، إذ كان فيها ما يثبت مرة أخرى بأن طريقه يؤدي بلبنان إلى مأزق ويوقع عليه مصيبة.
وفي هذه الأثناء، علم من سوريا أن بشار الأسد هو الآخر يتحسس طريقه لاستئناف المفاوضات السلمية مع إسرائيل. ورغم النفي الذي جاء من دمشق، واضح أن بشار مستعد للقفز إلى عربة السلام على أن ينقذوه من الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها.
يتبين إذن أن ما لا تفعله الهزائم في ميدان المعركة يفعله الاقتصاد. فاتفاق السلام الذي وقعت عليه إسرائيل مع الإمارات والبحرين ليس اتفاقاً سياسياً أو أمنياً فحسب، بل تقبع في أساسه أيضاً اعتبارات اقتصادية؛ أي رغبة هاتين الدولتين في الاستمتاع والبناء من قوة إسرائيل الاقتصادية وتقدمها التكنولوجي. لا تزال هذه الحالة مع لبنان. ومع ذلك، إذا ما تحقق اتفاق وبدأ لبنان يستخرج الغاز من مياه البحر المتوسط، فستنحصر قدرة حزب الله على العمل أكثر فأكثر، إذ لن يغفر له أحد إذا ما جرّ لبنان إلى مواجهة ووضع حقول الغاز في خطر، وهو المصدر الجديد للأرباح، يعول عليه الكثير من اللبنانيين.
إسرائيل اليوم
بقلم: أيال زيسر