بين ركام السياسة وإرث الفن: كيف يرى المثقف المصري ملامح 2024 الثقافية؟

القاهرة ـ «القدس العربي»: مع نهاية كل عام يتم رصد سمات المشهد الثقافي، سواء من خلال الأحداث أو الإصدارات، التي تتباين حسب وجهة نظر القارئ بالطبع. ورغم أن المشهد المصري العام والجو العام لا يبدو مختلفاً عن العام الماضي، بل ربما أسوأ ـ سياسياً واقتصادياً ـ إلا أن هذا لا يمنع من خروج بعض الأعمال الأدبية اللافتة، إضافة إلى بعض معارض الفن التشكيلي. وهي معظمها محاولات فردية للفنانين والأدباء بعيداً عن رعاية الدولة، المتمثلة في وزارة الثقافة. نستعرض هنا آراء بعض الأدباء والمثقفين المصريين عن أهم سمات وملامح العام الفائت، من وجهة نظرهم الشخصية بالطبع..

إرث متجدد في معترك التحولات

بداية يقول الشاعر والفنان التشكيلي سامح قاسم، إن المشهد الثقافي المصري أشبه بمسرح مترامي الأطراف، تتقاطع فوقه الأزمنة وتتلاقى على خشبته الأجيال، حاملاً على عاتقه إرثاً متيناً يمتد من عصور الفراعنة حتى يومنا هذا. هو مشهد يمزج بين الأصالة والتجديد، بين تراث عريق يحفظه النيل في ذاكرته، وحداثة تجتهد في البحث عن هوية تليق بتحديات الحاضر. لطالما كان المشهد الثقافي المصري حاضراً كقوة فاعلة، لا مجرد انعكاس لواقع المجتمع. في العصور الفرعونية، كانت الثقافة أداة لتوثيق الهوية عبر العمارة والنقوش والآداب. وفي العصر الإسلامي، تحولت إلى مزيج غني من فنون الخط والشعر والموسيقى، ما رسّخ مكانة مصر كمنارة علم ومعرفة. هذا الإرث ظل متوهجاً حتى عصر النهضة الحديثة، حيث كانت القاهرة مركزاً أدبياً وفنياً للعالم العربي. أسماء مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم ليست مجرد شخصيات، بل هي رموز لحقبة صنعت هوية ثقافية لا تنفصل عن نبض الشارع. اليوم، يقف المشهد الثقافي المصري عند مفترق طرق. من جهة، هناك محاولات جادة لإحياء التراث وتجديده، ومن جهة أخرى، تطرح العولمة تحديات قد تطمس الهوية، أو تُعيد تشكيلها بطرق لا يمكن التنبؤ بها. نرى مهرجانات السينما التي تحاول استعادة بريق الفن المصري، ونشهد انتشار دور النشر المستقلة، التي تتحدى هيمنة الأسماء الكبيرة، كما نلمح موجة من الكتاب الشباب الذين يكتبون بجرأة عن قضايا طالما كانت مسكوتاً عنها.
ويتساءل قاسم.. ولكن هل يستطيع هذا الحراك الثقافي أن يصل إلى أطراف البلاد، أم أنه يظل حبيس المدن الكبرى؟ كيف يمكن للمشهد الثقافي أن يُوازن بين الحفاظ على التراث والانفتاح على التجارب العالمية؟ رغم الصعوبات، يظل الإبداع المصري متألقاً. في الأدب، نجد روايات تحاول رسم صورة صادقة للمجتمع المعاصر، كما أن هناك موجة جديدة من الأفلام المستقلة التي تكسر التابوهات وتفتح آفاقاً للنقاش. أما المسرح، فيسعى جاهداً لاستعادة بريقه القديم عبر تقديم أعمال مستوحاة من التراث بأسلوب حديث. في الموسيقى، تنبثق تيارات تجمع بين الطابع الشعبي والتجريب، كما في حالة المهرجانات والفرق المستقلة مثل «مسار إجباري». وعلى مستوى الفن التشكيلي، تُقام معارض تسعى للتوفيق بين التعبير الفردي والجماعي، مستحضرةً روح الشارع المصري بتعقيداته وآماله. المشهد الثقافي المصري ليس جامداً؛ هو كيان حيّ يتنفس بأفكار أبنائه. التحديات قد تكون كثيرة، لكن التاريخ علمنا أن مصر لطالما استطاعت تحويل المحن إلى فرص. ربما يكمن المستقبل في تحقيق عدالة ثقافية تصل إلى الجميع، وربط الفنون بمشكلات المجتمع اليومية، وعدم الاكتفاء بالدور النخبوي للثقافة.

مشهد راكد ولا جديد

ويرى الكاتب والروائي حمدي البطران، أنه في نهاية كل عام ومطلع العام الجديد، تعوّد المثقفون على تقييم العام الماضي. وعلى الرغم من تعيين وزير جديد للثقافة من بين الفنانين، إلا أن المشهد الثقافي الرسمي لم يتغير عن الوضع في العام الماضي. ظل راكدا. ولا جديد فيه. حتى المشروعات الثقافية التي نادينا به ومعنا بعض مثقفي مصر، وهو إحياء مشروعي مكتبة الأسرة والقراءة للجميع. وهي وإن كانت قد تمت في عهد سابق، ولكنها أثرت الوسط الثقافي وأعادت للكتاب المصري قيمته، وبفضله أسس العديد من المثقفين مكتبات لهم في بيوتهم، وكان سعر الكتاب في متناول الجميع. وما زالت الأنشطة الهلامية تتصدر المشهد الثقافي، وما زالت معاناة المثقفين في الأقاليم مع أنشطة الثقافة ونوادي الأدب وعدم تمثيلهم وضآلة وتفاهة ما ينشر فيها على سبيل الترضية، ما أفقد تلك الكتب قيمتها. حتى أنها لا تطرح في الأسواق ولا يُقبل عليها أحد. مع أنها من الممكن أن تصبح منفذا راقيا لنشر الثقافة الراقية تفتخر بها الهيئة العامة لقصور الثقافية. يحتاج مشروع النشر الإقليمي الى مزيد من التطوير والرعاية. فضلا عن أن مؤتمرات الأقاليم هزيلة الإنفاق، وأصبحت تلك المؤتمرات عبئا ثقيلا على أفراد أمانتها لتدبير الاعتمادات التي تكفي تلك المؤتمرات من جيوب أعضاء الأمانة، وتصريحات المسؤولين بذلك, ومع ذلك لا أحد يهتم. أيضا ما زالت معاناة الكتاب الراغبين في النشر في الهيئات الرسمية يعانون من طول فترة انتظار كتبهم في قوائم النشر، ومع ذلك لا أحد ينكر جودة الطبع والموضوعات الراقية التي تنشر. واستمرارها في النشر رغم المعاناة الاقتصادية في التمويل الرسمي.
ويضيف البطران، أن هناك العديد من الإصدارات المتميزة، منها.. كتاب «كيف تصنع طفلاً ناجحا» للكاتب عمار كمال، عن دار نشر الهرم، وكتاب «حكايات أفلامنا» للناقد السينمائي ناجي فوزي، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكتاب «مواليد حديقة الحيوان» للكاتب أشرف العشماوي عن الدار المصرية اللبنانية.

مشهد ثري رغم غلاء أسعار الكتب

أما الروائي عمرو العادلي، فيرى أن أهم إصدارات هذا العام كانت رواية إنعام كجة جي «صيف سويسري»، ومجموعة الروايات القصيرة لأشرف العشماوي «مواليد حديقة الحيوان»، ورواية «ابنة الديكتاتور» لمصطفى عبيد. ويُضيف.. بالنسبة للمشهد الثقافي المصري فهو بخير، ربما غلاء أسعار الكتب أثر على قطاع ليس بالقليل من المشترين، أما عن الإصدارات فهناك دور نشر قدمت كتبا متنوعة بين أدب وأدب رحلات وكتب في التاريخ ساهمت في إثراء المشهد الأدبي بشكل جيد.

ربما هناك بارقة أمل

ومن جانبه يقول الشاعر والمترجم عبد الرحيم يوسف.. لا أزعم الإحاطة بكل ما يحدث في المشهد الثقافي المصري. أحاول قدر ما أستطيع المتابعة والمشاركة. ومثلما يبدو المشهد العالمي مضطربا ومليئا بالحروب والكوارث، ومثلما ننشغل اليوم بحادثة شائعة أو تريند ذائع ثم ننساه بعد قليل لننشغل بحادثة أخرى وتريند جديد، بينما في الخلفية يتردد اللحن المستمر لكارثة غزة وضرب لبنان واليمن وتحولات سوريا وحرب أوكرانيا، إلخ. يمتلئ المشهد الثقافي المصري بالحروب والتريندات والظواهر الزاعقة والعابرة. ومثلما تستمر الحياة على ظهر هذا الكوكب وتخرج من وقت لآخر أخبار سارة أو منجزات علمية وثقافية وفنية كبيرة، تزهر في المشهد الثقافي المصري من فينة لأخرى أعمال وكتب وأسماء جديدة وقديمة تحاول أن تنجز شيئا مختلفا ويحمل قيمة ما. قد نجد في استمرار معارض الكتاب ومحاولات بعض دور النشر للاستمرار أو ظهور دور نشر جديدة وواعدة وغير ذلك من فعاليات ثقافية تجاهد للوجود والتأثير وسط واقع صعب وغلبة معتادة للتفاهات والأعمال الرائجة، حملت قيمة ما أو لم تحمل، أقول قد نجد في ذلك بارقة أمل تشجعنا على استكمال الطريق والأمل في الغد حتى وإن كان أملا ضعيفا.
أما في ما يخص الإصدارات فيضيف يوسف.. ما قرأته وأعجبني من إصدارات هذا العام ونهايات العام الماضي: في الشعر «يا أعمى» لعماد أبو صالح، «متشابهون وهذا مخيف» لأسماء يس، «كأنها مغفرة» لهدى عمران، «أمطار خفيفة إلى متوسطة» لأمين حداد، طألواح أورفيوس» وهي مختارات شعرية قدمتها الناقدة ناهد راحيل للشاعر نوري الجراح، «سترة زرقاء لسجين وعامل وبحار» لأحمد عبد الجبار. في الرواية والقصة: «ديوك وكتاكيت» لنائل الطوخي، «حبة بازلاء تنبت في كفي» لدعاء إبراهيم، «السيرة قبل الأخيرة للبيوت» لمريم حسين، «كعكة الحمار الوحشي» لبلال حسني، وفي الكتابات الحرة: «ألعاب حسين عبد العليم» لإسراء النمر، «فن الشارع» لسيد عبد الحميد، «داود عبد السيد.. سينما الهموم الشخصية» لعلاء خالد.

عام الحزن

ونختتم برأي الشاعر والكاتب عربي كمال قائلاً.. المشهد الثقافي الآن يشبه المشهد السياسي رتيب، ونادراً ما تجد فيه إبداعاً يجعله فارقاً، ربما كانت السياسة سبباً مباشراً في ذلك، فالثقافي لا ينفصل عن السياسي والاجتماعي، هذا إن لم يكن وليدا لهما أو مبنيا عليهما، فأحداث غزة كانت أقوى من احتمال المثقف على أن يمارس عمله الإبداعي في جو هادئ، من الصعوبة على مبدع أن يكتب قصيدة مثلا، وعلى مرمى حجر منه رأس تطير وجسد يمزق وأزير الطائرات يطمس إيقاع الخليل بن أحمد وجماليات قصيدة النثر وحكايات الرواية.. هذا أظنه عام الحزن الإنساني قبل أن يكون عام الحزن والصمت الثقافي، وطبعا لا يخلو الأمر من إبداع، فقد صدرت أعمال مهمة منها ما راق لي مثل رواية «مقامرة على شرف الليدي ميتسي» لأحمد المرسي على سبيل المثال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية