بين سينما المقاومة وسينما الثورة محترف للصورة ومكمن للذخيرة من مملكة النمل إلى الصين !

كيف تعشقين مطاردا ؟ إنه مشروع شهيد قبل أن يكون مشروع أسير !
لا أفكر أبدا بهذه الطريقة، أنا وحبيبي منشغلون عن القلق بالحب، لا يهمنا سوى أن نحب، كي نحس بعظمة الحرية والقضية ….الحب يقبل القسمة على الإثنين !
كأنها كانت تقول ما قاله كارل بوبر يوما : «علينا التخطيط لحريتنا أولا، لأنها الشيء الوحيد الذي يجعلنا آمنين» .
الوطن أناني، وأنانيته هذه تحديدا هي التي تزيد الحبيبة أثرة له على نفسها، لأنها تحب بطله ،بالتالي تطمع بالمزيد من البطولة من خلال مضاعفة الإيثار، وقد أُسِرَتْ بحبيبين : الوطن والبطل ..
المعلومات الاستخباراتية بيد الشاباك قادتهم لاعتقالها خاصة أنها رفضت تزوديهم بأية معلومات عن الطريد، الذي استشهد وهي في الأسر بعد حصار انتهى بإطلاق النار عليه حتى الموت .
المشهد حقيقي، والحوار الصحافي كان مع أسيرة محررة هي خطيبة الشهيد، والشهيد هو أحمد سناقرة، من مخيم بلاطة في مدينة نابلس .

(شهرزاد سينمائية وسينما ماجرية) !

لو عدنا لنظرية المحلل النفسي غوستاف يونغ بتقسيم الذات الإنسانية إلى الأنيما والأنيموس، لوجدنا هذا التقسيم قائما على التكامل في قصة الشهيد والأسيرة، ضمن ذات كلية هي الوطن، وليس أدل على ذلك من قول درويش في أغنية زفاف: «وانتقلت إليك كما انتقل الفلكيون من كوكب نحو آخر / روحي تظل على جسدي من أصابعك العشر / خذني إليك»! هذا المقطع الشعري هو شعار التكامل العنصري في الذات الجامعة التي هي الأرض.
ومهما اختلفت العيون يبقى الدمع واحدا، لأن القصص تتشابه في فلسطين وتتقاطع فيما بينها بعدو مشترك وألم يتقاسمه أهلوها كالخبز والهواء، فإن طرقت باب أم عطا الله مثلا لتسألها كيف استشهد ابنها ستدلك على جارتها أم عرفات في الحارة المقابلة لتحكيا لك معا عن شهيدين رحلا في قصة واحدة …وهو ما يجعل من حبيبة سناقرة جليلة في سينما المقاومة الماجرية !
السينما شهرزاد هذا العصر، وعلى هذه الشهرزاد أن تتمتع بقدرة ساحرة على تخيل الواقع لكي تتمكن من إعادة إنتاج الذاكرة، بصيغة فنية تستعين بالحقيقة كرمز إيحائي على الحقيقة، وبين الحقيقتين هناك خفاء وراء ظاهر، تحطم به السينما الشكل الخارجي للحكاية الواقعية، وتعبث بالصورة المرئية لتشكل هندسة تكعيبية أو كولاجية في آن، بقص مشاهد أولية ولصقها على قماشة الفيلم السينمائي، بعد تهذيبها الرؤيوي للمشهد المرئي، كي تنجز حقيقة فيثاغورسية تحلل الواقع بإخضاعه لتقنيات هندسية تبحث عن زوايا جمالية تعبر عن الألم وتعيد تشكيله مجازيا ، كي لا تحصره في بعد ستاتيكي وبؤر ضوئية جامدة !
إنه الفن إذن … مزيج من مساقط الظل والضوء على أديم العين الثالثة (الكاميرا)، في فيلم المخرج التونسي شوقي الماجري «مملكة النمل».
الفيلم ينتمي لسينما المقاومة، وهو من بطولة عمالقة الدراما الأردنية والعربية الثنائي جميل وجولييت عواد، صبا مبارك ومنذر رياحنه بالإضافة للفنان السوري عابد فهد.
لقد تأخر الفيلم عن الواقع كثيرا، بفارق ثماني سنوات من عمر الانطلاقة، لأنه لم يجد إنتاجا عربيا يتبناه، في حين كانت العروض المتوفرة مقتصره على جهات خارجية، مما لم يرق للماجري الذي آثر التريث كي يضمن للفيلم ألفة العناصر المكونة له، ويظفر بخليط فني منسجم مع حقه التاريخي وهمه المشترك بإنجاز تصور ثقافي عربي متكامل وموحد يعمق أواصر الصلة والإبداع ..
(سينما المقاومة في سلة المهملات)
وأخيرا خرجت مملكة النمل إلى النور، محملة بانطباعات رمزية وإشارات استعارية، كثيرا ما تسم هذا النوع من الأعمال الأقرب إلى الأداء المسرحي المشبع بالنفس الفلسفي، منه إلى الخدع البصرية التي لا يمكن التقاطها سوى بكماشة سينمائية قادرة على اللعب مع الصورة أكثر من الإغراق بالسرد الإنشائي الذي يسم غالبا الأعمال المسرحية .
ربما يعود السبب للشعور بالواجب الفني اتجاه قضية تم التقصير في حقها لعقود طويلة على صعيد الإنتاج السينمائي، بالتالي الجنوح إلى الطقس الملحمي المشرب بقوة تأثيرية تدغدغ أولا مشاعر المشاهد العربي وتشبع حاجته العاطفية ثم تصدم المشاهد الغربي بحقيقة مغيبة عنه تغييبا قسريا، حتى في النشرات الإخبارية العابرة، فما بالك بإطار فني أكثر امتدادا وحساسية وأثرا ؟!
هذا تحديدا ما دفع مهرجان كان لرفض ضم الفيلم للمشاركه فيه تذرعا بالمشاهد الصادمة، ولكن ماذا عن مصاصي الدماء والفامبايرز والSin Cities ؟ هل هذه مجرد ألعاب دموية مثلا، لا تصدم المشاهد بعبثية الغرائز الشهوانية ونشدان فن الجريمة من أجل تحقيق الإثارة الصورية والأرباح التجارية بتحويل الدم إلى مادة استهلاكية بحتة لا تراعي القيم الأخلاقية بقدر ما تلهث وراء بورصة مزاد علني يربحه من يريق المزيد من الدماء ليخترق مؤشرات البورصة السينمائية ؟ ألا تكون أفلام مصاصي الدماء حينها مجرد محاكاة تهكمية ساخرة على واقع ملطخ بالدم والجثث، يعني هي مجرد «Parody» أو ما يمكن أن تطلق عليه سينما الباروديا !
إن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تشغل بال سينما دموية يصبح الدم فيها غواية دراكولية تخصب المخيلة الجرائمية لتشبع اللذائذ الحيوانية بمتعة يسيل لها لعاب الوحوش التي تستيقظ حين ينام العقل في لوحة الإسباني غويا !
فلماذا نستغرب إذن إحجام المنتجين العرب عن التحمس لقضية أصبحت مستهلكة في نشراتنا الإخبارية ولا يمكن أن تضيف إلى خزينة الإنتاج السينمائي أية عوائد مادية مقنعة أو محفزة، بقدر ما يمكن لها أن تملأ سلة مهملات إبداعية ليست هي الشغل الشاغل لصناع الإبداع ؟ فالواقع يفوق التصور الإبداعي الذي سيتضاءل أمام الكم الهائل من المشاهد المجانية ..ولكن لماذا يغامر شوقي الماجري بهذا الإصرار على السياق الفني المقاوم ؟
الرسالة السينماتية عند الماجري هي رسالة المتعة أيضا ولكن ليس من جانبها الإيلامي، إنما هي متعة القص الروائي، التي تستجيب طبيعيا لمتعة رديفة تغذي عين الكاميرا بصور متخيلة للواقع، ولكنها لما تتبلور سينمائيا يصبح السياق حمال مشاهد حميمة لا تحتملها الدراما، أو المسرح أو حتى النشرة، فيصبح الجذب مزدوجا، لأن الحب نضال أيضا كما النضال هو الحب، وقد لا تحتاج سوى لسؤال الشهيد سناقرة عن قلب حبيبته، ليدلك على مكمن ذخيرة البندقية ؟
الخشوع الفني في فيلم الماجري أمام لحظات الشهادة والأسر هو الأجمل على الإطلاق، لأنه أضمر الانفعالات الداخلية بصرخات مكبوتة، تجنبا للافتعال المبتذل، الذي ينتقص من عمق التأثير واحتراما لبلاغة الصمت في حضرة الملائكة !

سينما الثورة «من الصين نحدثكم» !
«أنا أول امرأة سيسفك دمها من أجل الثورة، دمعي مبارك، وموتي شهيد، سوف ييتمون أولادي، ولست أخاف ولا أبالي، لأن أولاد الأمهات الأخريات سيعيشون بسعادة وحرية حين أموت» !
بهذا المعنى تقريبا، بدأت الثورة !
من الشمس التي تخترق عين جمجمة، من فارس يركب خيله ويشق الرياح السوداء ومضارب الرصاص وهو يرفع البلاد على سارية العلم، فهل رأيتم ذياك الفارس ؟ هل تعرفون من يكون ؟
كأنه انحدر من شجرة نسب عربية تضرب جذورها في سيدي بوزيد، أو حلب، أو بنغازي، أو ميدان التحرير، أو كأنه خرج من عباءة صنعائية بلثام مقاوم من حي الشجاعية !
الفروسية عربية هنا والبطل صيني، إنه فقط جاكي شان … ونحن نتجه الآن نحو العام 1911، تحديدا نحن في الصين !
هي ثورة الحزب الثوري الصيني «ثورة شنهاي» على نظام الحكم الملكي، والتي جاء الفيلم ليحتفي بذكرى مرور مئة عام على اندلاعها، في ذات الوقت الذي يحتل فيه العمل الرقم مئة على قائمة أفلام جاكي شان طوال مسيرته الفنية التي بلغت ذروتها في ثمانينات القرن الماضي ..
شان مساعد مخرج إلى جانب تشانغ لي ومنتج منفذ وبطل ثوري، لثورة سينمائية بلغت تكلفتها ثلاثين مليون دولار، بينما كانت إيراداتها فقيرة لا ترقى لمستوى البذل والذكرى، لا بل إنها ووجهت برجم المواقع الالكترونية التقدية لها بصناديق الطماطم الفاسدة أو النسب المتدنية كموقعي rotten tomatoes، والميتاكريتيك الذي منحها فقط علامة سبع وثلاثين من مئة ! ورغم أن هذا الفيلم اختير لافتتاح الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان طوكيو للأفلام العالمية، في أكتوبر 2011، أي بعد ما يقارب شهرا على إطلاقه، إلا أن الردود الشعبية جاءت سلبية وإن نال تأييدا رسميا من الحكومة، إلا أنه ظل في نظر الأوساط الجماهيرية فيلما تحدث عن أشجع المراحل في التاريخ الصيني بلا شجاعة كافية، حيث تجنب عددا من المواضيع الحساسة كموضوع الإصلاحات التي قادت إلى ثورة 1911 .
«النيويرك تايمز» بدت متحيزة للقطات الحركية المثيرة، ومشاهد الأكشن التي اعتبرتها حيوية بحيث نجحت بجذب المشاهد إلى مستوياتها التطبيقية، وقواها الخدائعية، ثم عامل التدرج الضوئي من الأبيض والأسود إلى الملون، خدم وثبات الضوء والظلال، في محترف الصورة، بحيث بدت النتوءات التعبيرية مهضومة إلى حد ما، وقد يكون مشهد المدخل من أجمل مشاهد الفيلم على الإطلاق لأن التشريح النفسي للحظة التجلي السينمائية فيه كانت تعزز قيمة الثورة الأخلاقية، وتختصر في طلقة صورية مشحونة باكتظاظ الحسين الوجداني والفني فيها، كل أهداف الثورة والفيلم معا.
تبدأ الحكاية ثورة، ومع تطور الأحداث وتأرجح النتائج، تصبح انتفاضة، يتنافس فيها الطرفان «جيش الإمبراطورية، وقوات الحزب الثوري، على استقطاب الجانب البريطاني لأفكاره وأهدافه، فالحاكم يطلب قرضا، والدكتور سن يات سن، قائد الثوار، يحاول تعطيله، كي لا يتمكن جيش الحاكم من الحصول على الإمدادات التي يتصدى بها للثورة، يزور قائد الثوار أوروبا ويحضر وليمة جماعية تضم المستثمرين الغربيين وبطانة الحكم الملكي في الصين، يقوم بنفسه للمائدة كي يقتطع شرائح اللحم من الذبيحة ويوزعها على الحاضرين، قائلا: هذه هي الصين ! كل منكم يريد حصته منها ! بطريقة أو بأخرى يقتنع المستثمرون بالثورة و يستشرفون من خلال حديث قائدها صينا اقتصادية يمكن لها أن تنعش السوق العالمية، فيسقط القرض عن القصر والجيش الملكي .
بعد نجاح الجولة الحاسمة من الانتفاضات تنتصر الثورة ويتم تعيين سن قائدا مؤقتا لعام واحد، ثم يسقط الحكم الملكي تماما، وتقفل مشاهد الفيلم على النصر الأخير .
(العروة الوثقى بين شعلة الثورة ونجوم البحر)
وبين مشهد تلك المرأة التي ذهبت إلى المقصلة بعزيمة الأمل على تحقيق السعادة والحرية لشعبها الثائر، ثم مشاهد الأهالي وهم يبحثون عن جثة أكثر من سبعين ثائرا تم قتلهم ورميهم في البحر، ليخرجوا منهم ما يقارب الأربعين جثة، على وقع ظلال موسيقية رخيمة في خلفية الشاشة، تخض دمك وأنت تستحضر شهداء الثورات العربية المغدورة، بل ربما ترى أحدهم مستلقيا على أرضية الشاشة، فتهب منتفضا: هذا الشهيد العربي أعرفه، لقد كنت معه في ميدان التحرير، هذا دمنا، هذه أحزاننا، هو موتنا ياالله، هؤلاء نحن خلقنا قبل أن نكون واشتعلت ثورتنا قبل أن تنطفئ نجوم البحر، ثم تغمض عينيك وأنت تتابع الفيلم بمشاهد مستوحاة من نشرات إخبارية مفخخة، لترى العروة الوثقى بين سينما المقاومة وسينما الثورة معقودة بشرايين العروبة، فتستبدل الخلفية الموسيقية بأخرى على أنغام الشيخ إمام: شفت الولدات الشلبية، ليلة التحرير يا أسطى فاروقه / أهو دولا ولادنا وأكبادنا، وقلوبنا عليهم مشقوقة / يا سلام يا صلاة النبي أحسن، إلى حيل العلم يا مرزوقه / حلوين وحياتك يا بلدنا، يا أم الخيرات المسروقه /احنا اللي رمينا البذراية، وروينا الأرض المعزوقه / وحنحصد بكرة وحنغني، وعيون الخاين مخزوقه»

*كاتبة فلسطينية

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية