القاهرة ــ “القدس العربي”: تأتي صالونات الفن التشكيلي على اختلافها، والتي تقام من خلال وزارة الثقافة المصرية ــ وهي مجال احتفاء دائم بنشاط الوزارة ومسؤولياتها ــ فما بين الصالون العام، والذي لا يعدو أن يكون تكرارا لأعمال وأسماء بعينها من الفنانين المحسوبين على الساحة الفنية، دون تقديم أي جديد يُذكر منذ سنوات. كذلك صالون الشباب، وهو من المفترض أن يكون أهم هذه الصالونات، وأن الكثير من الآمال معقودة عليه، نظراً لما يمكن أن يكون مجالاً لاستعراض المواهب والأفكار الجديدة، الخارجة عن تكلس عقول الفنانين التقليديين، لكنه أيضاً أصبح لا يرقى للتجربة أو المرجو منها، وذلك لأن لجان التحكيم نفسها تتكون منهم، وتخضع هذه الأعمال لرؤاهم وذائقتهم الفنية التي تجاوزها الزمن، ناهيك عن احتفالية هنا وأخرى هناك، فلا يهم إلا التهليل في الصحف والتقاط صور افتتاح هذه الاحتفاليات، خاصة وأن وزير الثقافة ــ رجلا كان أو امرأة ــ يتصدر المشهد. أما بخلاف ذلك فلا شيء يهم.
وفي الآونة الأخيرة أقيم في قصر الفنون في دار الأوبرا المصرية في القاهرة “صالون النحت الثاني” تلاه “صالون الشباب الـ 29” وهذه نظرة سريعة عليهما.
صالون النحت الثاني
جاء صالون النحت الثاني مُحملاً بالعديد من الأفكار الجديدة ــ بغض النظر عن الجوائز التي مُنحت لبعض هذه الأعمال ومدى الجدل حولها ــ فالمعرض في مجمله محاولة لتجاوز الفكر الراكد والرؤية التقليدية، التي طالما أصابت فن النحت المصري، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك بعض الأعمال التي تقوم على تقليد أو استنساخ أعمال أخرى معروفة جيداً، مع بعض التحوير والتغيير في العمل المعروض، إضافة إلى عدة أعمال نجدها من قبل في معارض خاصة أقامها أصحابها، أو هي تكرار لأعمال سابقة والسير على المنوال نفسه، دون تجديد أو أي لمحة ابتكار. لكن ذلك لا ينفي وجود بعض التجارب اللافتة، والتي تبشر بقيمة هذا الفن ــ فن النحت ــ الذي يعد من أقدم الفنون المصرية، نذكر أعمال كل من الفنانين، أحمد عسقلاني، وإيهاب اللبان، وسيدة خليل، وعبد المنعم الحيوان، وياسر بكار، ونيفين فرغلي، وناثان دوس، وعمار شيحة. هذه الأعمال رغم اختلاف الخامات، حديد، وغرانيت، وبرونز تبدو طموحة وتبحث عن أفق آخر أرحب، دون التقيّد بمدارس سابقة أو أعمال فنانين أصبحوا حجر عثرة في طريقهم، هنا أيضاً يبدو الخيال والبحث من خلاله، وهو الأهم بالنسبة للفنان. ولكن ما نسبة هذه الأعمال مقارنة بعدد الأعمال المعروضة، وعلى أي أساس يتم اختيار الأعمال المُشاركة، هنا تكمن الأزمة، فهناك أعمال لا ترقى للعرض، سواء من حيث ضعف فكرة العمل وأسلوب الفنان، ورغم ذلك لا ننكر روحاً جديدة أنقذت صالون النحت الثاني، وللعلم لم تحصل هذه الأعمال على أي جوائز!
صالون الشباب الـ 29
تأتي فكرة “صالون الشباب” كمحاولة لكسر السائد في التشكيل المصري، وتشجيع شباب الفنانين على الابتكار والبحث عن رؤى جديدة وأساليب فنية تتجاوز ما هو كائن. ولكن صالون هذا العام ــ العام الفائت كانت الأعمال أكثر إدهاشاً ــ جاء متبنياً مقولات التجريب والتجاوز، لكنه اعتمد السهولة والتكرار لتجارب سابقة من فنانين أكبر سناً وخبرة وتجربة، فأي جديد يمكن تقديمه من خلال هذا الصالون. ورغم اختلاف المادة وتنوعها، تصوير، ونحت، وفيديو آرت، وتجهيز في الفراغ، وغرافيك، وفوتوغرافيا، وكل فروع وأشكال التشكيل، إلا ان الأعمال في مجملها جاءت في منتهى التهافت والسطحية، ناهيك عن الجوائز الممنوحة لبعض الأعمال، والتي توحي بأنها جاءت كيفما اتفق، مصادفة وانتفاء لأي معايير فنية. دائماً في مثل هذه الأعمال يكون التساؤل هو ما الجديد؟ ما جديد هؤلاء الفنانين، كيف يفكرون ويرون ويجسدون رؤيتهم هذه من خلال خاماتهم وأدواتهم؟ إلا أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تحصيل الحاصل. لا نستطيع أن نعمم ذلك على كل الأعمال، لكن المحصلة لا تنفي الخيبة، ولا نستطيع القول مع المهللين في الصحف وكتبة وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية المعهودين، بأنه تعبير عن الفن الرفيع، وتشجيع الشباب وكل هذه النشرات الاحتفائية المعهودة، وعبارات التفوق على النفس وامتلاك الأدوات، وكل هذه التخاريف التي أصبحت توسم بها الكثير من الأعمال ــ يسمونها تجريبا ــ فالتجريب بدوره لا يتم في فراغ، ولكنه يخضع لرؤية صارمة أكثر جدية من الأعمال التقليدية، وهو ما لم يحدث.
فبماذا يفكر هؤلاء الفنانين الجدد؟ نجد الكثير من التقليد والاستسهال والتكرار، ويظن هؤلاء أنها ابتكارات أو رؤية جديدة، لكنها بالفعل تم تجاوزها، ومن المفترض أن يكونوا الأكثر إطلاعاً ومشاهدة للأعمال والتجارب الفنية الجديدة، ليس داخل مصر بالطبع، فالأمر مخيّب تماماً. ماذا يهم هؤلاء وماذا يعانون وكيف يُعبّرون عما يشعرونه، ويريدون مشاركة المتلقي في ما يحملون من أفكار؟ فلا نجد سوى استعراضات فارغة وتهويمات باسم الفن. فالمهمة الأصعب تقع على عاتق هؤلاء من فناني الجيل الجديد، الذي هو الوحيد القادر على تجاوز الموروث التشكيلي بكل آفاته وجموده في الوقت نفسه. ويمكن على استحياء ــ مقارنة بباقي الأعمال المعروضة ــ استثناء البعض من هذه الظاهرة في صالون هذا العام، نذكر منها أعمال كل من الفنانين أمين فاضل، وأحمد مصطفى، ونسرين ممدوح، ومحمد عيد، ومحمد سعيد حسن، ومنى حنفي، ومصطفى سيف النصر. هؤلاء حاولوا أن يكون الصدق الفني معياراً لأعمالهم، دون صخب فارغ أو ادعاء، وهو سمة معظم الأعمال على اختلافها.
نعم هناك محاولات، لكنها للأسف غير مكتملة وتمت على استعجال، دون تأصيل للفكرة أو محاولة التأني في تنفيذها. سمة الإدهاش كانت مفقودة تماماً، وبالكاد يمكن التواصل مع هذا العمل أو ذاك، مقارنة بباقي الأعمال المعروضة. والأمر أيضاً سيرجع إلى لجنة الاختيار، فما الأسس والمعايير؟ لن نجد سوى الذائقة الشخصية أو معرفة مسبقة بهذا المُشارك أو ذاك، وهذا أبعد ما يكون عن الفن، أو رسالة الصالون التي يحرص عليها، وبالتأكيد هناك الكثير من الأعمال تم استبعادها كانت جديرة بالمشاركة، لكنها خضعت في النهاية للذوق المفقود لحراس الجهل الضروري.