بين من رآها معبرة عن مطالب الحراك ومن اعتبرها تقهقراً:  قراءات متباينة حول مسودة الدستور الجزائري

رضا شنوف
حجم الخط
1

الجزائر ـ”القدس العربي”:تباينت آراء الخبراء في القانون الدستوري، حول مشروع التعديل الدستوري، الذي ينتظر أن يصوت عليه الجزائريون مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وتذهب بعض القراءات إلى أنه يشكل قفزة نوعية في مجال حماية الحريات، والفصل بين السلطات ودمقرطة الحياة السياسية، وقطع الطريق أمام الفساد والمفسدين، ويرى آخرون، أن ما يتضمنه من مواد لا يعدو أن يكون تقهقراً دستورياً، بالنظر إلى نقاط الظل العديدة التي حملها، وعدم فصله في المسائل الأساسية للدستور.

وبادر الرئيس عبد المجيد تبون بتعديل الدستور الذي وضعه من بين أولويات عهدته الرئاسية “باعتباره حجر الزاوية في تشييد الجمهورية الجديدة التي تصبو إلى تحقيق مطالب الشعب التي عبر عنها حراكه الأصيل” كما جاء في مبررات التعديل.

وحسب بوابة خصصت للتعديل الدستوري على موقع رئاسة الجمهورية على الإنترنت، أشارت إلى أنه “لا يمكن تحقيق تلك المطالب إلا بمراجعة دستورية معمقة بغرض تجديد أنماط الحوكمة على كافة مستويات المسؤولية، لاسيما على مستوى المؤسسات العليا للجمهورية”.

وأفادت رئاسة الجمهورية بأن مشروع تعديل الدستور النهائي المطروح للتصويت، قد شارك في تعديل وثيقته أكثر من 600 شخصية أكاديمية وسياسية وحزبية وثقافية، ومن المجتمع المدني بـ 2500 مقترح تعديل، وقدمتها على أنها “دستور توافقي ويكرس للجمهورية الجديدة”. واعتبرت السلطة أن المشروع “يُحدث القطيعة مع ممارسات النظام السابق، ويَحد من صلاحيات رئيس البلاد، ويتماشى مع التغيرات السياسية والاقتصادية الداخلية، ويواكب التطورات الحاصلة على الساحة الدولية”.

أهم التعديلات 

سعى المؤسس الدستوري من خلال الوثيقة إلى تحديد طبيعة الحكم، والفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، والحسم في بعض المسائل الحساسة من خلال تحديد العهدة الرئاسية بولايتين لمدة خمس سنوات، متصلتين، أو منفصلتين، غير قابلتين للتجديد. كما أشار إلى الأمازيغية ضمن المواد الصماء، أي غير القابلة للتعديل مستقبلاً، إلى جانب دين الدولة، وطابعها الجمهوري، واللغة العربية. كما تضمنت الوثيقة مواد، تخص استقلالية القضاء، وإنشاء الأحزاب والجمعيات، ووسائل الإعلام، وحلها، والأحزاب والجمعيات أو توقيف نشاطها “إلا بقرار قضائي” وليس عن طريق القرارات. ولأول مرة في تاريخ الجزائر  يتم دسترة “المهام الخارجية للجيش” في مهام مخصصة لحفظ السلم، وبعد انتهاء الحرب بقرار أممي أو أفريقي أو عربي، مع اشتراط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان.

واعتبر هذا التعديل من بين أبرز التعديلات والإضافات التي أدخلت على دستور شباط/فبراير 2016 والتي بلغ عددها أكثر من 160 تعديلا بين جذري ومحدود، ومن بينها أيضا “دسترة الحراك الشعبي ليوم 22 شباط/فبراير 2019” في ديباجته، إلى جانب الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي باعتبارهما حدثين مفصليين في تاريخ الجزائر. وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وإعادة توزيعها كما كان معمولاً به قبل 2016 للحكومة والبرلمان والقضاء.

وتضمنت في هذا السياق إنشاء محكمة دستورية تراقب قرارات السلطات الثلاث، والمعاهدات الدولية التي تصادق عليها الجزائر، وإسناد رئاسة الحكومة للأغلبية البرلمانية للمرة الأولى، وفي حال فاز حزب الرئيس إذا كان متحزباً، على عكس الرئيس الحالي فيعين رئيس الجمهورية وزيراً أولاً.

إشادات ومآخذ

يرى البروفيسور علاوة العايب الخبير الدستوري وأستاذ القانون الدولي بجامعة الجزائر، في تصريح لـ”القدس العربي” أن “مشروع الدستور يعبر إلى حد بعيد عن آمال الحراك، ويقف في تعليله عن حكمه عند عدة أمور أساسية تميز الدستور الجديد لم تكن موجودة من قبل على حد تعبيره، بدءاً من مرحلة الإعداد له من خلال “توزيع المسودة على الفاعلين السياسيين والأكاديميين والمجتمع المدني  للإثراء.. وكانت المشاورات واسعة جدا كما التزم بها الرئيس المنتخب نفسه” وكذا فيما يتعلق بالمحتوى نفسه “حيث كانت هناك أشياء كثيرة جديدة، أولا في دسترة الحراك الشعبي الأصيل الذي هو مصدر كل تغيير في الجزائر، ودسترة بيان أول تشرين الثاني/نوفمبر كذلك كمرجعية ثقافية وحضارية.. وأيضا نصوص جديدة في باب الحقوق والحريات الأساسية التي بلغت 43 مادة”.

 وذكر الخبير الدستوري أيضاً، بخصوص جديد دستور 2020 ما يتعلق بباب الفصل بين السلطات فيقف عند تحديد العهدات سواء بالنسبة للولاية الرئاسية أو البرلمانية أن لا تتعدى ولايتين سواء كانت متصلة أو منفصلة، وأيضا فيما يتعلق الجهاز التنفيذي برأسين، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والمادة 103 وما بعدها تفصل الحالات التي يتم فيها تعيين رئيس حكومة. وأوضح المتحدث في هذا السياق يصبح النظام السياسي في الجزائر أقرب إلى النظام البرلماني، لأن رئيس الحكومة تعينه الأغلبية البرلمانية في حال فوزها بالانتخابات التشريعية، أو وزيراً أولاً وهنا تكون الجزائر أقرب إلى النظام الرئاسي، حسبه، لأن الوزير الأول يعينه الرئيس في حال فاز حزبه في الانتخابات إذا كان متحزبا.

وأثنى الخبير الدستوري علاوة العايب على الآليات الجديدة الخاصة بالسلطة القضائية، خاصة “إنشاء المجلس الأعلى للقضاء بتشكيلته الجديدة باختصاصات جديدة .. فمعظم أعضائه منتخبين من طرف قضاة بجميع فئاتهم من المحاكم الابتدائية إلى المحكمة العليا، ومجلس الدولة والمحاكم الإدارية عبر التراب الجزائري، وذلك تحقيقا لعدالة أكثر” وأردف قائلا “وما يهمني أن رئيس نقابة القضاء صرح في كم من مرة بأنه راض عن هذه التشكيلة المكونة للمجلس الأعلى للقضاء والتي ستضمن حسبه استقلالية القاضي من كل الضغوط ومن عدالة الليل”. كما يقف البروفيسور علاوة العايب في تحليله لمسودة دستور 2020 عند المواد الخاصة بسلطة الرقابة، فتحدث عن مواد تتعلق “بالسلطة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات التي تمت دسترتها حيث تحولت إلى سلطة بعد ما كانت فقط هيئة في دستور 2016” وأيضا “إنشاء المحكمة الدستورية التي ستخلف المجلس الدستوري والتي سيغلب عليها الطابع القانوني والقضائي وليس الطابع السياسي كما كانت حالة المجلس الدستوري، وأيضا السلطة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته التي تمت دسترتها” وهذا حسب تقديره “مهم جدا لأن دائما المطلوب العمل في شفافية ومسؤولية، لأن الوضع الذي كانت عليه الجزائر من قبل ساعد على الفساد”.

وأبرز في عَدِه لمحاسن الوثيقة المعروضة للتصويت بأن “الدستور تكلم عن الشفافية ومكافحة والفساد والوقاية منه وهذه مطالب الحراك” الذي قال إن “المنتخبين مطعون في شرعيتهم، والرئيس قال إنه لن يعمل مع مؤسسات مطعون في شرعيتها وكان قد أعلن عن تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية جديدة وأيضا قانون الانتخابات الذي هو قيد الإعداد”.

في المقابل قال المتحدث بأنه “لا ننتظر أن يأتي مشروع الدستور بكل الأمور المثالية، أكيد فيه مناطق ظل، والتي سيتم الكشف عنها وتسليط الضوء عليها بموجب القوانين العضوية، ومن غير الممكن أن نكون في دستور مثالي وهذا أمر مفروغ منه”.

وبالحديث عن نقاط الظل في الدستور، سجل الخبير الدستوري الدكتور عامر رخيلة والعضو السابق في المجلس الدستوري، مآخذ ونقاط ظل في مواد التعديل الدستوري. وقال في حديثه مع “القدس العربي” إن الجزائر من خلال هذه المسودة تعيش “قهقرة دستورية، وليس تطوراً دستورياً” واستطرد: “كنا نأمل على الصعيد النظري أو على صعيد دسترة الحياة، ومن خلال الوعود التي تكرم بها رئيس الجمهورية، وأيضاً من خلال المتغيرات الحاصلة في المجتمع والانتقال القسري الذي أحدثه الحراك في النضال، أننا متجهون نحو دستور متوازن يضمن توازن السلطات، ويضمن مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقوم على مبدأ السلطة تحد السلطة، ويحدد طبيعة المؤسسات ويحدد طبيعة الدولة الجزائرية هل هي دولة ناظمة أو دولة متدخلة، ويحدد طبيعة النظام هل هو رئاسي أم رئساوي، لأنني استبعد النظام البرلماني لأننا غير مهيئين لذلك لأنه ليس لدينا طبقة سياسية أو تقاليد برلمانية حتى نتجه للنظام البرلماني”.

وفي تعرضه لتكييف منصب رئيس الجهاز التنفيذي حسب نتائج الانتخابات، أي بين رئيس حكومة أو وزير أول فاعتبر الدكتور عامر رخيلة هذه التوليفة “بدعة دستورية غير مسبوقة” كما تحدث عن “الإطناب في مواد الدستور حيث ان دستورا في القرن الواحد والعشرين فيه 225 مادة، وأيضا الإطناب في الحديث عن الحقوق وعن الحريات وهذا أمر مفخخ، لأنه غدا أي مواطن يطالب بحقوق انطلاقا من مواد دستورية”.

وتطرق الدكتور عمار رخيلة إلى ما وصفه بـ”بتضخيم للدستور وإثقاله بمواد لا ضرورة لها، ولم يفصل في القضايا الدستورية الرئيسية، وحتى في الإحالات سجلت أخطاء مرتكبة واطلعت على انه نشر تصويب لما صدر في الجريدة الرسمية فيما يخص الإحالة على المواد، وهذا نتيجة الارتجال ونتيجة عدم الدقة” مشيرا في الوقت نفسه إلى كون المسودة النهائية للدستور لم تأت “بعلاج للقضايا التي طرحها الحراك”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية