بين نتنياهو وشامير… اتفاق في الأيديولوجيا واختلاف في السقوط

حجم الخط
0

في الآونة الأخيرة تمعنت في أعداد صحيفة “نيكودا” المحفوظة لدي، كانت صحيفة تنطق بلسان المستوطنات في يهودا والسامرة وقطاع غزة، صدرت على نحو متواصل على مدى 30 سنة، وحتى 2010 صدر منها أكثر من 300 عدد. أفضل الكُتّاب في الوسط الديني – القومي – الاستيطاني كتبوا في هذه المجلة النوعية التي حررت بمهنية وأثارت اهتماماً عظيماً. من مسافة السنين، مشوق أن نتذكر كل نبوءات الغضب وتلك الانتقادات التي وجدت تعبيرها على صفحاتها، ورؤية ما تحقق منها.

يجدر بالذكر أن الصحيفة كانت عهود حكم الليكود التي سادت فيها علاقات متبادلة بين قادة “أمانه” و”يشع” الاستيطانيتين وبين رئيسي الوزراء اليمينيين بيغن وشامير. من جهة، كانت أبواب مكتبيهما مفتوحة دوماً أمام “زمبيش” ورفاقه. ومن جهة أخرى، كانت توقعاتهم من زعيمي الليكود عالية ولم يستجيبا دوماً لأمانيهم. ووجدت الأمور تعبيراً حاداً لها في “نيكودا”. في استعراض إلى الوراء، لا يمكن ألا يعجب المرء بمقالات نقد للمحرر إسرائيل هرئيل، وكاتب الرأي ورجل الخليل الياكيم هعتسني، ود. إسرائيل الداد، وبني كتسوفار، وكثيرين آخرين، ضد إسحق شامير، الذي أحييت الأسبوع الماضي ذكرى سبع سنوات على وفاته. ما الذي لم ينتقدوه به؟ مانع لإقامة مستوطنات جديدة، مقيم لدولة فلسطينية، مستسلم لبوش وبيكر، لا يمكن الثقة به، ماذا حصل له وتعابير حادة أخرى تعبر عن عدم الثقة – بمن؟ برئيس الوزراء الأكثر يمينية، الأكثر أيديولوجية، الأكثر إخلاصاً لبلاد إسرائيل.

وهكذا إذِن تذكير مكتوب لمصدر الثوران السياسي ضده، الذي نشأ من حزبه ومن الأحزاب اليمينية الصغيرة. وهكذا ساعدت “نيكودا” غيئولا كوهن، ويوفال نئمان، ورحبعام زئيفي، ووموشيه لفينغر، في إسقاط حكم اليمين وبلا منطق صهيوني في 1992 ورفع اليسار وأوسلو إلى الحكم. فهل كان المستوطنون يتوقعون أن يقوم رئيس وزراء في إسرائيل أفضل من إسحق شامير ليكون مؤيداً للاستيطان؟ لقد أطيح بشامير من الحكم عندما كانت م.ت.ف في أسفل الدرك، وشطبت فكرة الدولة الفلسطينية وتجسدت على الأرض عشرات المستوطنات الجديدة. وكل ضغط دولي على إسرائيل واجه صخرة منيعة، لا تخترق.

في أواخر أيامه، حين بات خارج الحياة السياسية، كان لإسحق شامير انتقاد حاد على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقد عبر عنه في الأحاديث الخاصة وفي مقابلة صحافية صدرت عنه، بينما لم يكن هو في كامل وعيه. شامير، الذي قاد حملة التأييد لنتنياهو في 1996 سرعان ما خاب ظنه من أن بيبي “نسيه” وتجاهله، وبالأساس من مظاهر سلوكه الشخصي العليل الذي ألقى بظلاله على قدرته على القيادة. لم يكن لشامير ما يدعوه إلى عدم الثقة بنتنياهو في المجال الأيديولوجي. فقد شاهده في أثناء مؤتمر مدريد حين أثار مشاركة شامير في المؤتمر متطرفي المستوطنين. وليس كمناحم بيغن، كان شامير لا يتأثر بالانتقادات التي توجه إليه، سواء من اليمين أم اليسار. فقد كان يسير في طريقه ولا تهمه ردود الفعل غير العاطفة في الصحافة. كان مستعداً لأن يساوم في التكتيك، ولكن ليس في المبادئ والأيديولوجيا، وهذا ما لم يفهمه قادة أحزاب اليمين الصغرى وجملة أصحاب الرأي في “نيكودا”. لقد أنهى شامير طريقه في رئاسة الوزراء وهو ينظر إلى الوراء بفخار وإلى الأمام بقلق.

نتنياهو هو الآخر يتعرض لنقد شديد من اليسار في السنوات الأخيرة، وقد اكتسب جزءاً من النقد عن حق كما خاب ظن كثيرين من مؤيديه. ولولا لوائح الاتهام، ولولا بعض التصريحات غير المناسبة منه ومن مقربيه، ولولا التعهدات التي لا تتحقق، ولولا المناكفات اللفظية مع كارهيه في وسائل الإعلام، لكان يمكن إجمال حكمه الطويل كعهد الإنجازات الكبرى لدولة إسرائيل، بالازدهار الاقتصادي، والتعاظم الأمني، والمكانة الدولية غير المسبوقة. نتنياهو جدير بلا شك بالنقد، غير أن هذا تجاوز حدود الشرعية والذوق السلم. ولا يمكن ألا نعجب في برودة الأعصاب الشاميرية التي يبديها أمام منتقديه وكارهيه وهو في أواخر حكمه، يواصل قيادة حكومة مستحيلة في فترة مصيرية جداً.

حتى من يريد الإطاحة بنتنياهو ملزم بأن يستنكر حملة التشهير الفظيعة التي تجري ضد رئيس وزراء إسرائيل والتي يقودها أحد أسلافه في المنصب الذي خرج لتوه من السجن. ولكن ليس مثل سقوط حكومة شامير، لأن سقوط نتنياهو من الحكم قبل نهاية السنة والنصف المخصصة له في الاتفاق الائتلافي لن يكون بسبب اليمين المتطرف، بل لثلاثة أسباب: المحاكمة التي على الأبواب، والاقتصاد المنهار، والشارع المضطرب. للتفكير، بعد عقد من إغلاق مجلة “نيكودا”.

بقلميوسي أحيمئير

 معاريف 6/7/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية