دفع اكتشاف الكنوز الآثارية في العراق فن النحت إلى البحث عن خطابه وهويته كقوة تعبير اجتماعية، وكان لا بد للفن العراقي من طابع إنساني أشمل، ووجه وطني خاص يؤهلانه للبقاء والنماء والاستمرار والتطور، كما يذكر ذلك النحات الخالد جواد سليم.
لقد كانت تلك الاكتشافات الروافد الأولى ويقظة الفنان في الانفتاح على حقيقة حضارته التي تمثلت في الوعي التاريخي، بالحضارات الإنسانية، ثم الانطلاق المستقبلي الذي أخذ مداه يتضح أكثر فأكثر، ويتكامل في البعثات والزمالات التي أتيحت لطلبة الفن العراقي في الدراسة في معاهد الفنون الأوروبية.
كان النحت العراقي منذ خمسينيات القرن الماضي يلخص عودة النحاتين الرواد إلى الفن الرافديني القديم، إذ استلهموا منه عناصره الجمالية والتقنية، وأثرها المباشر في وعيهم، والمزاوجة مع التجارب المعاصرة ذات الأساليب المتباينة، فالنحاتون العراقيون يتميزون عن غيرهم في أنهم يحملون خزينهم التاريخي منذ سومر حتى آشور، هذا الإحساس بالثقل التاريخي يوازي إحساسهم بالمعاصرة، وفي الحالتين فإن بحث النحات العراقي عن هويته يلخص لنا سمات تجارب جواد سليم، خالد الرحال، محمد غني، إسماعيل فتاح، عبد الرحيم الوكيل، عبد الرحمن الگيلاني، صالح القره غولي. وما تلاهم من أجيال أخرى بمعنى، أن ثمة صلة مباشرة لازدهار النحت العراقي، في تأثر طلبة التشكيل بأساتذتهم في أوروبا، ولعل في مقدمة هؤلاء الأساتذة الفنان النحات الإنكليزي هنري مور(1898-1986) الذي يعد من أبرز نحاتي القرن العشرين، بفضل آثاره الفنية التجريدية الشكل التي نحتها من الحجر والبرونز.

هنري مور
تأثر مور بالنحت الفرعوني والآشوري، إذ كان لهما وقع شديد في أعماله، فهو يقول عن الفن الآشورى إنه متقن الصنعة إلى أبعد الحدود، وغالباً ما تفصح أعماله عن هذا التأثر، وأن ما توصل إليه من نتائج وقناعات وتحديد أسلوبه وشخصيته الفنية إنما يعود إلى مراقبته الدقيقة وتأمله العميق في مقتنيات فنون الشعوب في المتحف البريطاني، وتأثره بالفنون الافريقية منذ عام 1922، بعد ذلك بسنوات ظهر تأثره بالفنون الكولومبية القديمة، ولاسيما حضارة (المايا) وهي الحضارة التي بلغت ذروتها بين عامي 900- 250 قبل الميلاد، إذ طوّر شعب المايا نماذج مرموقة في فن العمارة وفنون الخزف والرسم والنحت، وتجدر الإشارة إلى أن الهنود الحمر هم امتداد لشعب المايا الموزعين على دول أمريكا الوسطى واللاتينية، وتشهد المواقع الأثرية في المكسيك وهندوراس على ضخامة إنجازات هذا الشعب الفنية، كما تفيد الأخبار بأنهم أسهموا في تصميم وبناء الأهرامات المصرية بالتعاون مع الفراعنة.
يؤكد هنري مور في أغلب أعماله على الجسد الأنثوي تحديداً، وبدوره أصبح موضوع النحات العراقي على الأغلب، وضمن هذا التوجه نفّذ مور العديد من أعماله، التي يبدو فيها الجسد متكئاً، أو مستلقياً، ضمن سلسلة مواضيع العائلة، (وضع الجلوس) حيث الأب والأم والطفل، وتبدو تأثيرات الفنون الرافدينية واضحة جداً على أسلوب تنفيذ حركة الأطراف (الأيدي، الأكف) الجذع، الكتف التي غالباَ ما يبدو فيها التركيز على التضخيم والتعمد في المبالغة لتشكل نوعاً من التضاد محور ارتكاز العمل الفني. والابتعاد عن تفاصيل الوجه، وبقيت الأصابع تحتفظ بتفاصيلها الانسيابية الواضحة، وبسهولة نقرأ العلاقة الحميمة التي تجمع مجموعة التماثيل من حركة التفاف بسيطة ليد أو تماس ركبة، أو ميلان رأس كذلك، عبر تكوينات نحتية ومنها الثنائية الشكل كمواضيع إنشائية تحمل سمات ودلالات لعلاقات تشكيلية، تعكس مفاهيم وأفكار النحات إزاء محيطه.
هنري مور في أعماله النحتية يثير المتلقي كي يدفعه للبحث عن الإجابات وحده، أمام زخم الأسئلة التي تطرحها تلك التكوينات. وفي مراجعة لأعمال النحاتين العراقيين يبدو واضحاً تأثر العديد منهم بأسلوب وموضوعات وتكوينات هنري مور التي يعالج فيها الكتلة الصلبة (الحجر والبرونز) في خلق الفجوات داخل الأجساد وبعلاقات متماثلة في الأشكال، تجسد هذا الأسلوب بمساحات واسعة قد يأخذ نصف التكوين، إنه يلعب بالفراغ والضوء الذي ينفذ منه عبر فتحات موزونة ومحسوبة بدقة، وهو ما يعرف بالفراغ الداخلي، والآخر الخارجي المحيط بالشكل، فهو يقوم بالحذف والتعديل ومعالجة السطوح، على أقصى درجة من شحن المعنى، لتظل العلاقة المتبادلة بين الشكلين الداخلي والخارجي، بين الكتلة والفراغ، متوازنة ومتكافئة، وبسبب من إدراكه أهمية الفراغ من الناحية التشكيلية في الكتلة النحتية، يقف مور في مقدمة النحاتين في العالم في تأكيد المعاني العضوية والإنسانية والجمالية.

يمكن القول إن تجارب لجواد سليم (تلميذ مور) ومحمد الحسني، (تأثر إلى حد ما) وعبد الرحيم الوكيل وصادق ربيع كانت تحمل قدراً من تقنيات مور، هي ليست خارجة عن مدرسته، فيما حاولت بيقظة جديدة أن تحقق التوازن بين الإيحاءات الغربية، وقلق البحث عن (الشخصية) التي تنسجم وروح العصر، واستيعاب صورة الإنسان العراقي عبر تحولاته الوجدانية والفكرية.
إن خلاصة جهود الرعيل الأول من النحاتين اشتغل على ما يحقق مفهومه للحداثة، وقد أثرى قدراته ومواهبه على التعبير النحتي، بما هو جوهري وإنساني، إن في أعمال هؤلاء معالجات جمالية دون شك تحتفظ بإيحاءاتها الثقافية والإنسانية، ضمن حدود المادة والغرض، وراح النحت العراقي يجسد مشكلات غاية في التداخل بين وظائف معلنة وأخرى جمالية، إنهم في واقع الأمر ينتمون لجذرهم الأول ويبحثون عن خطابهم المعاصر.
كاتب عراقي