جابِذُ الحبْل
«ديانا مع الظبية الواثبة»
تتوسط إحدى حدائق مدينة كولونيا/كولن غرب ألمانيا، تحفةٌ فنية، قدها من النحاس، في سنة 1916 النحات الألماني (فريتز بِين 1878 ـ 1970) تحت عنوان «ديانا مع الظبية الواثبة». كان بِين متأثراً للغاية بالطبيعة الافريقية وحيواناتها، حيث عبر، من خلال زياراته إلى افريقيا، في الكثير من أعماله الفنية، عن انطباعاته ومشاهداته للحيوانات هناك، مثل الأسود، الظباء، الفهود والنمور، الفيلة وغيرها.
في عمله المهم والأخاذ «ديانا مع الظبية الواثبة» يبدو بِين كأنه يصب فيه جل فكره النقدي، الساخط على المستعمرات.. هناك، حيث «يكون المرء إما سيداً أو لا شيء» وحيث لا توجد حقوق إنسان ولا مساواة ولا حرية ولا أخلاق. وهكذا، تتحول «ديانا» في منحوتته تلك، من «آلهة صيد» إلى «واثبة» مع ظبية واثبة. في محاولة بارعة من الفنان ربما لـ»قتل» السلطة، كون الآلهة سلطة. ثم تجريدها من سلاحها؛ لتبدأ رحلة (التحولات) في الهويات. تحول تلو التحول. تتحول آلهة الصيد «ديانا» إلى واثبة مع ظبية واثبة، وتنقلب ـ فنياً وجمالياً ـ الأدوار والأقدار، فالآلهة التي من شأنها صيد تلك الظبية، تلقي سلاح الصيد، لتتحول إلى عزلاء بهية، بيدين وذراعين لا تزالان تتخذان وضعية صياد يهم بصيد ضحيته بـ»النُشابِية» لكن دون نشابية. فقد دفعهما سِحرُ الظبية المنطلقة مع الريح، إلى التخلص منها؛ لتتحولا إلى ذراعين ممدودتيْن بحنان ويدين مبسوطتين بطيبة، كانبساط جسد الظبية، بأصابع رشيقة تجيد عزف موسيقى الوثب.. موسيقى الظبية.. الريح.. الطبيعة.. الحياة الحقيقية الشيقة الممهورة بالمغامرة على الأرض (التحت).
لقد غادرت «ديانا» عالمها العِلوي (الفوق) مرتع السلطة المحض، ولا شيء غير السلطة المملة، لتنزل إلى (التحت) حيث الطبيعة الغناء، المتكثفة في ظبية رشيقة جامحة؛ لتتحول ـ بهذا ـ هوية «ديانا» بوصفها آلهة صيد، والصيد: قتلٌ مع سبْق الإصرار والترصد، إلى هويةِ راقصةٍ انسيابية، والرقص: لغة الجسد في التعبير عن حب الحياة والإصرار على الانحياز إلى السلام فيها. تتحول هوية «ديانا» من هوية سيد يتربص بضحيته، مُريداً إخضاعه لسلطته كعبد ليس إلا؛ تتحول إلى هويةِ مُنقادةٍ باختيارٍ وإرادة، للجمال المتمثل في ظبية يُفترض أنها الفريسة/ الضحية، غير أنها تتحول ـ ههنا ـ إلى قائدة لمن يُفترض أنها آلهة صيد وأنها القائدة، قبل أن تتحول إلى راقصة خفيفة الظل منسابة مع الريح ومع الظبية الواثبة مع الريح. إنه إلقاء السلاح الفتاك والاستسلام الجميل للجمال والركون إليه، وعقْدِ صداقة حميمة معه، حتى إن الانسيابية تصل إلى أقصاها في عيني «ديانا» المغمضتين المستسلمتين فحسب لظبية واثبة تقودها بوصفها راقصة بجسد متناغم وموسيقى الطبيعة.. جسد تحول من جسد حربي قتالي إلى جسد راقص، تحول من وضعية صياد إلى وضعية عازف يرقص، وراقص يعزف.
ليس استسلام الآلهة الأنثى في هذا المقام، وإلقاء سلاحها، هو ذاك الاستسلام نفسه الذي طالما حاول النظام الذكوري الأبوي تكريسه بوصفه هوية مطلقة مغلقة للمرأة، التي «يجب» أن تظل ضعيفة وخاضعة خانعة. إنما هو كل نقيض للعنف وللسلطة العنيفة في أشكالها كافة، إنه الاستسلام السلمي المسالم الراقص القاهر الثائر الذي يقض مضجع السلطة المستبدة.
على سيرة القاهر: في مدينة كولونيا نفسها، ثمة تمثال لآلهة الحكمة والعقل والعدل. إنها الإلهة المصرية القديمة «إيزيس» التي حُفِرت على قاعدة تمثالها هذه الكلمات: «إيزيس التي لا تُقهر». هذا ما كانت قد ذكرتْه نوال السعداوي في كتابها (إيزيس).

ديانا مع الظبية الواثبة
«جابِذُ الحبْل»
على ضفة من ضفاف نهر «الراين» في مدينة كولونيا/كولن. النهر الذي يبدو أنه لا يمكنك أن تسبح فيه مرتين وتبقى أنت أنت، وهو هو. على ضفة هذا النهر العظيم، تنتصب منحوتة «جابذ الحبل 1908» الحجرية، للنحات الألماني المولود في كولونيا، نيكولاوس فريدريش 1865 ـ 1914. «جابذ الحبل» أو مجتذبه وساحبه وجاذبه، هو رجل، بجسد قوي.. مشدود.. متين.. متميز بعضلات بارزة مصقولة ومفتولة. يذكرنا، في معنى ما، بتلك الأجساد المثالية، التي طالما دأب الإغريق على نحْتها، وقدها في محاكاة لتصورهم لعالم مثالي تأملي لانهائي وخالد.
جسد «جابذ الحبل» يصعب تصور فنائه أو هلاكه، يعلوه رأس يبدو أن لديه هدفا واحدا وحيدا وأوحد، ألا وهو (الانتشال).
لقد اختار هذا الرجل المثالي أن ينتشل العالم عبر شده بحبله، بحيث يكون ذلك بالنسبة إليه بمثابة حياة أو موت. فإما أن يغلب وينتصر ثقل الأسفل، شاداً الرجل المثالي إليه، موقِعاً إياه من علوه، وإما أن يفوز «جابذ الحبل» الذي هو نفسه «ما ينبغي أن يكون» ويحرز الفوز الأعظم.
هدف تؤكد عليه ملامح الوجه التي تموج بالتحدي والإصرار، وبعينين صارمتين تحدقان في هدفها وتركزان عليه تركيزاً رهيباً. يرمي «الانتشال» عادة، إلى رفع شيء موجود في الأدنى، عبر شده إلى الأعلى. ومن ينتشل ينبغي أن يكون في حال من علو. وهكذا، لا بد لرجل «مثالي» كجابذ الحبل، أن يكون في الأعلى محاذياً الغيم، لكي يتمكن من تحقيق هدفه في الانتشال، انتشال ماذا؟ ربما انتشال سفينة أو قارب يوشك على الغرق، أو عالم، يشعر «جابذ الحبل» أنه مشارف على الانقراض من جراء الحروب.. من جراء الموت.. الأمراض والأوبئة والكوارث.. الضعف والهلاك.. الجرائم.. الفساد والانحلال الأخلاقي.. إمعان الشيخوخة والأقدار الكئيبة، جراء كل شر، وكل ما هو تحت، إنه عالم، يكافح «جابذ الحبل» من أجل إنقاذه، عبر سحبه إلى عالمه هو.. عالم شبابه القوي الخالد، القابع في الأفق، وفي الفوق دوماً.
قد يكون الحبل مِشنقة، وقد يكون لعبة لأطفال، يمسك بحديْه طفلان يلوحان به بشكل دائري، بينما يقفز طفل ثالث مع حرصه على عدم لمس قدميه الحبل.
أما أن يكون الحبل أداة انتشال، كمثْل انتشال دلوِ ماء من بئر عميقة؛ فهو ما قد يشكل المغزى والمعنى الحقيقي له، أي للحبل. فانتشال ماءٍ من أعمق الأعماق، منْعاً لنضوبه، وبغية جعْله خالداً كماهية خالدة للري والإرواء، هو الذي اختاره ـ على ما يبدو ـ هذا الرجل المثالي القوي الشجاع اللانهائي، لكي يكون معنى لوجوده، إنه «جابذ الحبل»!
لقد اختار هذا الرجل المثالي أن ينتشل العالم عبر شده بحبله، بحيث يكون ذلك بالنسبة إليه بمثابة حياة أو موت. فإما أن يغلب وينتصر ثقل الأسفل، شاداً الرجل المثالي إليه، موقِعاً إياه من علوه، وإما أن يفوز «جابذ الحبل» الذي هو نفسه «ما ينبغي أن يكون» ويحرز الفوز الأعظم.
منحوتة «جابذ الحبل» تصور الإنسان في علاقته مع ذاته، ومع الحياة والعالم، بوصفها علاقة تحد وصراع، فالإنسان محكوم بأقدار كثيرة عليه تحديها: محكوم بالمرض، وعليه تحديه بالمحافظة على الصحة/النعمة.. محكوم بالموت، وعليه تحديه في بقائه على قيد الحياة عبْر الإنجاز.. محكوم بالشيخوخة وعليه تحديها عبر الاشتغال الدائم على إبقاء شعلة الصبا صاحية بالعقل، بالقلب، بالروح، بالتطلع، بالحيوية النابضة التي لا تنضُب. محكوم هو الإنسان بالأقدار، لكنه مختارٌ لمعنى وجوده على هذه الأرض.. مختارٌ في انصياعه لثقل الأسفل، أو في محاولاته الشجاعة لانتشال هذا الأسفل بحبله، ثم رفعه إلى حيث «ما ينبغي أن يكون». و»ما ينبغي أن يكون» لا يمكن الوصول إليه، إذ ما إن يصل المرء إليه، حتى يتجدد ليصبح «ما ينبغي أن يكون» آخر جديد.. وهكذا.
جبْذُ الحبل، هو معركة الإنسان الدائمة مع نفسه، لانتشالها من قعرها.. من هاويتها كلما هوت. وجبذ الحبل هو رحلة متواصلة ومغامرة فردية حافلة ومحفوفة بالاكتشاف على طريق التسامي والصعود..
كاتبة سورية