تازة المغربية حاضرة تاريخية تقاوم النسيان

يوسف يعكوبي
حجم الخط
2

لطالما اشتُهرتْ مدينة فاس، العاصمة العِلمية للمملكة المغربية وإحدى أقدم حواضرها، بعراقتها الضاربة في تاريخ منطقة شمال افريقيا، إذ يشير المؤرّخون إلى أن عُمرها يتجاوز 12 قرناً، لكن إلى الشرق من فاس بحوالي 120 كلم، تقبع مدينةٌ جبلية الطابع، بارتفاع حوالي 600 متر عن مستوى سطح البحر، لا تقلّ قِدَماً وعراقة عن عاصمة الأدارسة في المغرب؛ إنها مدينة تازة التي تنوعتْ ألقابُها غيرَ أنها تظل بوابة شرق المغرب بامتياز. لا يمكنك الوصول برّاً إلى الجهة الشرقية التي تتخذ من مدينة وجدة عاصمة لها بدون المرور على تازة، فاستحقّتْ بذلك اسْمَها المشتق من اللفظ الأمازيغي “تيزي” كما تشير لذلك العديد من المصادر التاريخية – الذي يعني المَمرّ بين جَبليْن. مُعطىً لغوي تاريخي يجد تجسيده الواقعي في موقع المدينة الاستراتيجي، بين سلسلتيْن جبليتيْن تقتسِمان جغرافية المغرب، يتعلق الأمر بسلسلة جبال الريف شمال البلاد، وجبال الأطلس المتوسط.

ديموغرافياً، تُحصي مدينة تازة، التي اشتُهرت بقِسميْها العتيق (تازة العليا) والمدينة الجديدة (تازة السفلى) ساكنةً حضرية، تقتربُ من 150 ألف نسمة، حسب معطيات آخِر إحصاء عامّ للسكان أجريَ في المغرب سنة 2014 بينما تتوزّع هذه الساكنة على ثلاثِ قبائلَ شكّلت الروافد الرئيسية لأصول الذين أقاموا بهذه المدينة أو الذين هاجروا إليها من نواحيها، هي “غيّاثه” و”التْسُول” والبَرانس” فضلاً عن قبائل المنطقة الريف “اجْزناية” الجنوبية، “هْوّارة” و”بني وَراين”. وهو ما يرسُم خريطة قبَلية متنوعة تعايَشَت لقرون من الزمن في المكان نفسه.

وحسب أرقام الإحصاء ذاته، تُشكّل الفئة النشيطة البالغة بين 15 و60 عاماً، أكثر من 65 في المئة من ساكنة تازة، فيما تنتشر العديد من الأنشطة المهنية التي يمارسها التازيون، يظل القطاع الفلاحي وقطاع الخدمات أبرزَها، نظرًا إلى الطبيعة القروية للإقليم. لكن، خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض محاولات تحديث المدينة وتأهيلها صناعياً، من دون إغفال مشروع صيانة وتأهيل المدينة العتيقة (تازة العليا) وتصنيف مآثرها العديدة تراثياً وطنياً.

أهمّية سياسية

 

تاريخياً، تأسّست مدينة تازة بفضل الزوايا الدّينية التي أقامها الأمازيغ في القرن العاشر ميلادي، بينما هناك من يجعل تأسيسها خلال الحقبة الرومانية، علماً أنها تعدّ من أقدم المدن المغربية التي شهدت عمراناً بشرياً واستيطاناً.

على مرّ العصور، تعاقبت العديد من الدول على حُكم المغرب والمَسك بزمام تسيير شؤونه. ولا تأتي كتُب التاريخ ومصنّفاتُ المؤرّخين على ذكر تازة من دون ذِكر ما عاشته خلال فتراتٍ حاسمة من تاريخ المغرب؛ خصوصاً أيامَ حُكم الموحّدين، ثم مع المرينيّين (دولة بني مرين) ولاحقاً في عهد الدولة العلوية، خاصّة استعصاؤها على الاحتلال الفرنسي خلال فترة الحماية.

الموقعُ الجغرافي لها أكسَبَها أهمية تاريخية، جعلتْ منها نقطة وصْلٍ ومحطة عبور لا محيدَ عنها بين غرب المغرب وشرقه، كما بوّأها مكانة بالغة الأهمية في الصراعات التي توالتْ لحسم السلطة لطرف دون آخر. ولعلّ أهميتها تكمُن فيما جاء على لسان الجنرال الفرنسي ليوتي حين اعتبر “استحالة السيطرة على المغرب وتوطيد الوجود الفرنسي فيه من دون السيطرة على ممرّ تازة”.

من هنا، تبرز أهمية تازة استراتيجياً في التخطيط السياسي والعسكري لمختلف مَن تعاقبوا على دخولها، نظراً لتواجد المدينة عبر الممرّ الذي يصل المغرب الغربي بالشّرقي، حيث كان الهدف الأساسي لإنشائها منذ القدم، وحتى التاريخ المعاصر، لأغراض عسكريّة أمنيّة لحماية المنطقة الشرقيّة ومقدمة جبال الريف.

عموماً لطالما شكلت تازة محطّ مطامع عدة دول تعاقبت على حكم المغرب أو جاورته من جهة الشرق، فهي لم تسلم من التجاذبات السياسية بل كانت في قلبها. سيتجلّى ذلك في سنة 1074م حين دخلت المدينة تحت مظلة حكم المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين، قبل أن تنتقل عام 1132 إلى حكم الموحدين حيث جعلها عبد المومن عاصمة مؤقتة له. وبعد 50 سنة من حكم الموحدين، وبهدف التصدي لقبائل “زناتة” أحيطتْ المدينة بسور متين وشاهق تتخلّله بعض القلاع لصدّ المعتدين والغزاة من القبائل المجاورة. هذا السور الذي أعيدَ تقويَته في القرن الـ 14 كما شهد الأمر نفسه على يد السعديّين. وتضم المدينة العتيقة من خلال هذا السور سبعة أبواب هي: باب الرّيح، وباب الجُمعة، وباب الشريعة، وباب الزيتونة، وباب طيطي، وباب أحرّاش، وباب القبور.

مطلع القرن العشرين، وبالتحديد في عام 1902 قاد الجيلالي الزرهوني (المشتهِر تاريخياً بلقب بوحمارة أو الروكَي) تمرداً على الحكم المركزي للسلطان العلوي، متخذا من تازة مقراً ومنطلَق تحركاته، ودامت سيطرتُه عليها سبعة أعوام، قبل أن يثور عليه أمازيغ المنطقة بدافع المشاعر الوطنية والولاء لآل البيت المتمثّلين في الأسرة العلوية. وفي أيار/مايو 1914 ستخضع تازة، كما باقي مناطق المغرب، لحكم نظام الـحماية الفرنسية، لكن سلطات هذه الأخيرة لم تكن في نزهة بجبال تازة التي استعصتْ بصلابة وشدة بأس التازيّين، لتستمر المقاومة إلى غاية بداية الثلاثينات.

إشعاع ثقافي

لم يقتصر اهتمام البحث التاريخي على جانب الأهمية العسكرية لتازة الذي حسم التجاذبات السياسية في مختلف مراحل المغرب، بل انصبّ أيضاً على التأريخ للجانب العلمي المعرفي وتدقيق تراجِمِ العلماء الذين تخرّجوا من مدارس تازة العلمية.

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن تازة ازدهرت ثقافياً خلال العهد المريني، الذي شهد بناء ثلاث مدارسَ علمية، حسب ما أورده المؤرخ الباحث في تراث تازة، امَحمد العلوي الباهي، في كتابه “علماء تازة ومجالسُهم العلمية” (طبعة 2، 2018). وهذه المدارس هي: المدرسة اليوسفية أو مدرسة الجامع الكبير، التي بناها أبو يعقوب يوسف ثالثُ مُلوك المرينيين، وقد اعتنى بها المولى الرشيد (العلويين) بعد توحيده للمغرب انطلاقا من تازة حتى أصبحت تسمى مدرسة المولى الرشيد ثم المدرسة الحسنية التي بناها السلطان أبو الحسن علي (سابع ملوك بني مرين) في ساحة المِشور بتازة العليا، وصارت في عهده فرعاً تابعاً للقرويين. بينما ثالث المدارس هي العنانية، التي أسّسها أبو عنان فارس (ثامن ملوك بني مرين) في عين أنملي وراء أسوار المدينة خارج باب الجمعة التحتية.

ثريا المسجد الأعظم

 

ولا يمكن تخيُّل حركة علمية مزدهِرة حينها في مدينة تازة من دون مساجدَ وكتاتيبَ وآثار تاريخية ضمّت تراثها الذي صُنّف حديثاً تراثا وطنياً. حيث يعتبر “الجامع الكبير” (المسجد الأعظم) الذي شيّده الموحّدون، قبل أن يقوم بزخرفته وإعادة هيكلته المرينيّون، من أبرز المعالم التاريخية التي ظلت صامدة في وجه الزمن، تقاوم محاولات الاندثار والنسيان.

وقد زُيّن هذا المسجد بواحدة من التُحف الفنية البديعة التي توثّق لتميّز مدينة تازة وهي ثُرَيا المسجد الأعظم التي تعتبر فريدة من نوعها في العالم أجمع، ويصل وزنها إلى 32 قنطاراً، مُضيئة فضاءات مجالسه بـ 514 مصباحاً كهربائياً، وقد أمرَ بصناعتها ثم تعليقها، عام 694 هـ الموافق 1294م، السلطان المريني يوسف أبو يعقوب وسط المسجد، كما يذكُر الأستاذ العلوي الباهي في مؤلّفه.

وما زالت هذه الثريا إلى يومنا هذا ناطقة على حالها بأبيات شعرية نُقشَت عليها تقول:

يا ناظِراً في جَمالي حقق النّظَرا           ومتّعِ الطّرْف في حُسْني الذي بَهَرا
أنا الثّرَيـا التي تازا بــي افتخرت      على البلاد فما مثلي الزمان يـــرى
أفرغت في قالب الحسن البديع كما      شاء الأمير أبو يعقوب إذ أمَـــرا
في مسجد جامعٍ للناس أبدَعه       مَلِك أقام بعون الله منتصِـــــرا
له اعتناءٌ بدين الله يُظــــهِره     يرجو به في جنان الخلد ما ادُّخِـــــــرا
في عام أربعةٍ تسعونَ تتبعُها     من بعد سِتّ من المئين قد سُطّـــــرا
تاريخ هذه الثريا والدعاء لأبـي   يعقوبَ بالنصر دَأباَ يصحُب الظّفـَرا

 

وإلى جانب هذه القصيدة الشعرية، التي فضّل ناظمُها أن يظل مجهولاً، نُقِشت عليها أيضاً آيات قرآنية كريمة بأشهر الخطوط وأجملها، لا سيما بالخط الكوفي، بينما تجدر الإشارة إلى أن أمحمد العلوي الباهي الباحث المنحدر من مدينة تازة، يشتغل حالياً على تأليف شامل حول هذه الثريا ومواضيع تراثية أخرى تتعلق بتاريخ المدينة، حسب ما صرح به لـ”القدس العربي”.

عاصمة المغارات

 

علاوةً على التراث المادّي واللامادي الذي تزخر به مدينة تازة تاريخياً وثقافيا، عُرف عن إقليمها في المغرب أنه من المناطق الجبلية ذات الطبيعة الخلابة التي تشكل مركز جذب سياحي، خاصة رواد السياحة الجبلية وعُشاق الاستغوار، لما تتوفر عليه المنطقة من طاقات ومؤهلات طبيعية زاخرة تنتظرُ التفاتة وعناية أكبر.

على بُعد 20 كلم جنوب غرب تازة، يصادِفُ الزائرين واحدٌ من أكبر المنتزهات الوطنية في المغرب، منتزه تازكة المُنشَأ سنة 1950 على مساحة 580 هكتارا، ويضمّ مَحميّة طبيعية تشتمل على أزيد من 154 موقعا بيولوجيا وإيكولوجيا (مغارات، شلالات، غابات) مع وجود العديد من المناطق الطبيعية على الطريق إلى جبل تازكة (حوالي 2000 متر) لعل أبرزها منطقة رأس الماء التي تبعد عن مركز المدينة 10 كلم، وتتضمّن شلالات مائية مصدرها منابع ماء عديدة، تشكل متنفساً طبيعياً لساكنة المدينة والمناطق المجاورة، فضلا عن جماعة باب بودير المعروفة باستقطابها لمخيمات وسياحة جبلية على طول العام.

وفي تصريح لـ”القدس العربي” قال عبد الحق لقسيم، نائب رئيس الجمعية المغربية للاستغوار والسياحة الجبلية في تازة، إن “أبرز مغارات الإقليم مغارة فْرِيوَاطُو (المكتشفة عام 1935م) مغلقة حالياً لأزيد من 3 سنوات، بعدما شهدت حوادث وفاة وسقوط متتالية” قبل أن يضيف “إن هناك جهوداً حثيثة تُبذل مع سلطات الإقليم المعنية من أجل فتحها مجدداً في وجه السياح والزوّار” باعتبارها “مؤهلا سياحياً مشهوراً أكثر من المدينة نفسها” على حد تعبيره.ينة بـ10 كلمتراراتمؤهلات طبيعية زاخرة أن الباحث التاوي

وأشار المتحدث ذاته، إلى اكتشاف حديثٍ مؤخراً لثاني أطول مغارة تسمى الشّْعْرة، على امتداد أكثر من 7 كلم، تابعة ترابياً لنفوذ جماعة الصميعة نواحي منطقة باب بودير، قبل أن يردف أن “العدد وصل حاليا حوالي 300 مغارة مكتشَفة حالياً في الإقليم ضمن رحلات الجمعية؛ ما يجعل من تازة عاصمة المغارات بامتياز”.

 

مستقبل أفضل

 

بين ماضيها التليد الضارب في جذور التاريخ، وحاضرٍ تعيش المدينة وإقليمها على إيقاع إكراهاته وتحدياته، تتطلّع تازة إلى أن تصير قطباً إقليميا في مجالات السياحة والتراث عبر الانفتاح على محيطها، في أفق استكمال إنجاز مشاريع تم إطلاقها أو تدشين أخرى تم إنجازها.

في هذا الصدد، اطّلعت “القدس العربي” على بعض المشاريع والأوراش الهامة المزمَع تدشينها أو افتتاحها قريباً، ويتعلق الأمر بافتتاح المحطة الطرقية للمسافرين في تازة التي تم الانتهاء من تشييدها مؤخرا، فضلاً عن دراسة مشروع بناء محطة قطار من الجيل الجديد، مع تهيئة مداخل المدينة شمالاً وجنوباً. مشاريعٌ أخرى من شأنها التعريف أكثر بمؤهلات المدينة سياحياً، ثقافياً، وتاريخياً، من أجل الرقي بتصنيف تراثها وموروثها المادي كتراث عالمي حضاري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية