تافيلالت المغربية وريثة «سجلماسة» تفتح قصورها الشامخة وتزين جيد الزمن بعقد واحاتها

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
4

الرباط ـ «القدس العربي»: شاسعة ورحبة مثل سماء من ذهب، رمالها جزء من ذاكرة النقاء الإنساني الذي جبل عليه أهلها من أبناء مدنها الأصيلة، ونحن في حضرة تافيلالت التي تمتد على مساحة النبض تحضر أغنية جميلة للفنان المغربي المطرب والملحن نعمان لحلو، قال في مستهلها «قصور صايلة مولاتي هيا… واشمن قصور».

كلمات الأغنية التي تنهل من معين لغة مغربية دارجة لم تمسسها تشويهات الحداثة، تجعل من تافيلالت، حلما عبارة عن نخيل وديان واحات ورمال ذهبية، طول الوقت شتاء وربيع وصيف ليؤكد كاتب كلمات الأغنية البديعة، «احنا ولادك يا تافيلالت، وولاد مولاي علي الشريف» ويضيف أن يطو وخلافا وآيت عطا وجرافا وكلها أسماء، «عايشين فحب ووفا» وهي «حكاية تحكيها لقصور».
الأغنية بكلماتها وسحر لحنها تحمل المستمع أو تدفعه رأسا ليبرمج زيارة قريبة لتافيلالت وعلى عجل، لكي يقف على ما ورد فيها من جمال لا يقاوم ولا يمكن أن يعبر الإنسان من هذه الحياة دون أن يكون قد تأمله عن قرب.
ونحن نغادر اللحن الجميل والكلمات البليغة التي أوفت وكفت في وصف المنطقة، نتلمس أنفسنا لنتأكد من أننا على قيد الحاضر بعد أن داعبت ألحان نعمان لحلو أسماعنا واخذتنا في أجواء تافيلالت البهية، هذه البقعة الرحبة التاريخية والعطرة، مهد الدولة العلوية التي ينتسب لها العاهل المغربي محمد السادس، وفي تافيلالت يوجد قبر جده مولاي علي الشريف الذي يعتبر مزارا مقدسا إلى جانب أضرحة أخرى تشتهر بها المنطقة.

فخامة الانتماء

الفخامة تحيلك على الجوهر قبل الظاهر، وهو ما يترسخ لدى أي مغربي يسمع لقب الفيلالي، يستنتج أنه أمام رجل أصيل صاحب ملامح صحراوية وبنية جسدية قوية ونظرات ثاقبة ولسان حلو الكلام وأخلاق نبيلة وكرم لا حدود له، وفوق ذلك انتماء «للتمغربيت» (الروح المغربية) بكل تجلياتها الدقيقة.
ذلك هو فخر الانتماء لكل فيلالي أو فيلالية، وهو لقب التصق بأسر بعينها، لكنه في الغالب الأعم يدل على الأسرة الملكية، كما يدلّ على كل قادم من تلك المنطقة التي تفنن في وصفها شعراء الملحون وأبدعوا حتى صارت مثل أسطورة وهي حاضرة لم تغادر أبدا.
تافيلالت في التعريف الجغرافي المختصر المفيد، أنها منطقة تاريخية تحمل الكثير من الحكايات الباذخة، وتقع في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية. وتمتد الواحة على سفوح التلال الجنوبية الشرقية للمملكة على مساحة جغرافية كبيرة تقدر بنحو 200 كيلومتر مربع، انطلاقا من منبع وادي زيز بجبل عياشي، وصولا إلى الريصاني، مرورا بالرشيدية وأرفود.
أبناؤها ينعتون بلقب الفيلالي، وهو انتساب كل قاطن لمكان سكناه أو ولادته، فنقول الرباطي نسبة للرباط، ونقول البيضاوي نسبة للدار البيضاء، ونقول المراكشي نسبة لمراكش، وهكذا يكون الفيلالي ابن تافيلالت.
ما يزيد من سحر تافيلالت وهي عبارة عن صحراء فاتنة في الجنوب الشرقي للمغرب، أنها عبارة عن مجموعة واحات تشكل عقد لؤلؤ يرصع جيد الإقليم (المحافظة) الذي تنتمي إليه ترابيا وهو الرشيدية، والتي كان اسمها قبل ذلك قصر السوق، ولن نُفاجأ من كثرة انتشار تسمية القصور، والتي هي تجمعات سكنية ذات بنية تاريخية أصيلة، أو كما وصفها باحث أثري من خلال ورقة بحثية نشرت في موقع «دين بريس» حيث تعتبر والحديث عن القصور في تافيلالت «البنية الاجتماعية التي تظم الساكنة المحلية وبكونها حاملة نسق تاريخي أصيل يمزج بين ما هو تقليدي وما هو معاصر انه يجمع بين المراحل التاريخية التي تعطي للباحثين الجدد في هذا الموضوع معارف أولية تمكنهم من التعرف ومعرفة منطقة تافيلالت بكل مكوناتها الاجتماعية والجغرافية والتاريخية بل والأنثروبولوجية الثقافية».
الكلام الأكاديمي للباحثين لا مجال فيه غالبًا لمتعة الجولة الاستطلاعية، فقط الغوص في المعلومات والمعطيات والكثير من البحث والتنقيب، إن لم يكن في الصخر، ففي الكلام وفي تعابير الإنسان.

وريثة «سجلماسة»

بعد ان غرفنا من معين نشوة الانتماء الفيلالي، نصل إلى عمق التاريخ، لنكشف عن معلومة أساسية تتمثل في كون تافيلالت اليوم تتربع كوريثة لإحدى المدن التاريخية الأكثر إشراقا في المنطقة، وهي سجلماسة بكل عبقها وسحر حكاياتها وقصائد الملحون التي قيلت وتقال فيها، وعبر أسوارها التي ما زالت تحتضن مهرجانا يغرف من معين الكلام الموزون والمعطر ببلاغة اليومي.
ذهبت سجلماسة مع التاريخ، وبقيت آثارها وروحها حاضرة في جسد تافيلالت التي تواصل حمل مشعل الخلود الروحي والفكري، وهي تجمع حولها واحاتها التي شكلت في غابر الزمان نقطة وصول للقوافل العابرة للصحاري إلى المغرب.
بكل بساطة، تافيلالت من بين أكثر المناطق التاريخية أهمية في المغرب، أولا وكما أسلفنا فهي حيث أصول الدولة العلوية، وثانيا وهو مهم أيضا كونها وريثة سجلماسة التي تحكي ما تحكيه، وآثارها تمتد على مساحة شاسعة غرب الريصاني، وهي إحدى كبرى مدن المنطقة.
سجلماسة التي يسحر اسمها ناطقه، تحمل قبل ذلك تاريخا كبيرا فهي تعني أولا كتسمية المناطق الواقعة على ضفاف مجرى واد زيز وغريس وتودغى وجزء من مناطق وادي كير عند الجغرافيين العرب.
التسمية هي هوية للتمييز وإخراج من المجهول إلى المعلوم، وسجلماسة ما عادت تنبض مع اليوميات، فقد صارت تافيلالت هي الوريثة الشرعية. وعن تسميتها قيل الكثير من الاجتهادات، أهمها ارتباطها بقدوم العلويين واستقرارهم بها، وعدد من التعاملات بينهم وبين السكان المحليين، والوصول إلى كلمة أوفي وتدل على الوفاء وتقابلها لا لا وتعني الرفض، لتجتمع على لسان المغاربة وتصبح تافيلالت وما التاء إلا لإضفاء الطابع الأمازيغي على الاسم.
فيما تحضر رواية أخرى تتعلق بالاسم، وتفيد بكون كلمة تافيلالت هي الصيغة البربرية لكلمة افيلال، أي هي اسم منطقة بالجزيرة العربية، وان استعمال هذه الكلمة قد شاع في مرحلة قدوم الهلاليين إلى بلاد المغرب بفضل عرب الصبّاح الذين استقروا في منطقة تيزيمي والجرف بإقليم سجلماسة بعد أن رافقوا الهلاليين من طريقهم نحو الغرب؛ حسب ما هو مدون في موسوعة ويكيبيديا التي تضيف تفسيرا آخر، وهو كون كلمة تافيلالت هي تصغير لكلمة (أفيلال) أو (أوفيلال) التي تطلق على سلسلة جبلية صغيرة بمنطقة سجلماسة يصل علو أعلى قمة بها 785 مترا، ويعتبر جبل أفيلال من المواقع المأهولة قديما، وخاتمة التفسيرات تلك التي ذهبت إلى ما تعنيه كلمة تافيلالت بالأمازيغية، وهي الجرة أو الخابية المصنوعة من الطين والتي تستخدم للمياه، ويقارب هذا التفسير والمعنى منطق الأمور بالنسبة لما تبقى من تفسيرات.

تمور تافيلالت
من المجهول إلى المعروف

ليس في ذلك صيغة مبالغة عندما نقول، إن أكثر منتج استمد شهرته من كونه مجهولا هو تمر خاص جدا تنتجه واحات تافيلالت، ويبقى عنوانا لفخامة المناسبات ولذة المذاق وضخامة الحجم وارتفاع الثمن أيضا.
هو تمر المجهول أشهر من نار على علم في سوق التمور المغربية، إلى جانب أنواع أخرى يضيق بها المجال، خاصة ونحن في شهر رمضان وفاكهة النخيل المفضلة لدى المغاربة عند الإفطار وفي كل سحور وحتى ما بين الوجبات الرئيسية.
بالنسبة للاقتصاد في تافيلالت، فإنه يعتمد أساسا على الزراعة، وكما أشرنا فإن إنتاج التمور هي تخصصه الذي لا منافس له فيها، ونذكر هنا رقما يفيد بكون إقليم الرشيدية الذي تنتمي له تافيلالت ترابيا، وحده يشكل 29 في المئة من الأراضي المخصصة لنخيل التمور على صعيد المغرب ككل ويساهم بـ 27 في المئة من إنتاج المملكة للتمور.
وتتوزع أشهر أنواع التمور التي تنتجها تافيلالت، ما ذكرناه وهو المجهول الذي يعد أرفع وأرقى أنواع التمور، إلى جانب بعض الأنواع الأخرى نذكر منها الفقوس والجيهل والعصيان وبوسكري.

قصور شامخة

رغم عوادي الزمان وبعض النسيان، تقاوم القصور التي تميز واحة تافيلالت من أجل البقاء شاهدة على تاريخ تليد وغني بالعطاء والحركة التجارية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا.
تلك القصور التي توازيها تسمية إيغرم في اللغة الأمازيغية، تجمعات سكنية، أو بعبارة أصح هي مساكن محصنة موقعها بالأرياف بمختلف واحات أودية زيز وغريس ودادس درعة، وفوق كل ذلك فهي تراث حضاري وثقافي لا مثيل له وهو ما يجعله يستأثر بالفرادة والتميز.
قصور تافيلالت هي إرث بدوره من مدينة سجلماسة الأثيرة، ويتجاوز عددها في الريصاني وحدها 360 قصرا دون ذكر الباقي في المناطق والممتدة على طول مساحة إقليم (محافظة) الرشيدية.
إلى جانب القصور نجد القصبات أي القلاع، وهي تجمعات سكانية محصنة، وتشكل القصور والقصبات التراث الثقافي المميز لتافيلالت التي تضاهي العالم بما تختزنه من حكايات ترويها كتب التاريخ وألسن الجدات من الفيلاليات؛ لكن ما يميز القصبة عن القصر، كون الأولى تنسب لشخص واحد أو عائلة، أما القصر فيبدأ تميزه بخصائصه المعمارية ومنها ما يقابل أي زائر مستطلع، الذي يكتشف تجمعا سكنيا داخل بناية واحدة يحيطها سور ضخم وعال بعدة أبراج للمراقبة والحراسة، كما له أيضاً مدخل رئيسي واحد، عبارة عن باب واحد كان يفتح في الصباح ويغلق في الليل من أجل توفير الحماية للسكان، وتحيل مسألة فتح وإغلاق الباب إلى النمط نفسه المتبع في مختلف مدن المغرب العتيقة، التي كانت تفتح وتغلق بمواعيد محددة.
تلك الشامات الجميلة المتمثلة في عادات مغربية تزين جسد المجتمع المغربي، تتوج بهاء وصفاء القيم التي تترسخ في القلوب والنفوس والضمائر، والتي تحيل على التعايش والتضامن والتآزر والتعاون وكل ما يفضي إلى التكاثف الاجتماعي.
تافيلالت تجسد أيضا نموذج التعايش المغربي، حيث تجاور اليهود مع المسلمين في قصور تتشابه في كل شيء وتحترم خصوصيات الآخر الروحية، أما التقاليد والممارسات الاجتماعية البعيدة عن العقيدة فكانت واحدة تجمع المغاربة على قلب رجل واحد.
وتبقى من أهم القصور التي عاش فيها اليهود قبل هجرتهم الطوعية إلى مدن داخلية مثل فاس أو ساحلية مثل الصويرة وأسفي، هي قصور موشقلال وأسرير وبني موسى.

العلاج بالرمل

وإذا كانت صحراء تافيلالت تتميز بطيبة ناسها وبخيراتها من التمور وبواحاتها الخلابة، فإنها تجذب السياح المغاربة والأجانب بما يسمى السياحة العلاجية، التي تعد منطقة مرزوكة وجهة مفضلة لها، وتوجد هذه المنطقة جنوب شرق البلاد، وتبعد عن مدينة الرشيدية عاصمة إقليم تافيلالت بحوالي 130 كيلومترا، فيما لا تفصلها عن الحدود الجزائرية سوى 20 كيلومترا.
تتميز مرزوكة بكثبانها الرملية الأخاذة، حيث يستمتع السياح بأحد أجمل مشاهد شروق الشمس وغروبها في العالم، فضلًا عن الاستجمام والرغبة في العلاج من عددٍ من الأمراض على غرار الروماتيزم، وذلك من خلال حمام رملي أو العلاج بالرمل، وهي ممارسة للطب البديل يتبناها العديد من الأشخاص المصابين بالروماتيزم، وتتكون من دفن جزء كبير من الجسم في الرمال شديدة الحرارة. وبعد ذلك، التوجه نحو حمام بإحدى الإقامات السياحية تحت إشراف كوادر مختصة.

عين مسكي

على بعد 20 كيلومترا من مدينة الرشيدية في اتجاه مدينة أرفود، تصادف الزائر واحة صغيرة تغري بالتنزه والتقاط الأنفاس للتملي بمناظر بانورامية خلابة يشكلها بستان نخل ومسبح طبيعي ومجرى مياه يطلق عليه عين مسكي.
يتدفق الماء في حوض بُني وسط تجويف صخري، وهو منبعث من نهر زيز، يتدفق ليشكل بِركة مهيبة، محاطة بالنباتات المورقة. يتحدث السكان المحليون عن خصائص علاجية لهذه الواحة؛ وتقول الأسطورة إن الاستحمام بالماء من هذه العين يساعد المرء على أن يكون أكثر خصوبة. من الواضح أن هذا مجرد اعتقاد محلي، فالمصدر الأزرق لعين ميسكي هو قبل كل شيء مكان للاستحمام يبهج الصغار والكبار، السياح والسكان المحليين على حد سواء.
هي إطلالة عابرة على تافيلالت الشامخة بقصورها الأصيلة، وتمورها النافعة والمتميزة، وتاريخها التليد الذي يمتد إلى بذخ الرواية التي تحتضنها كتب التاريخ. وتبقى المنطقة من أهم مناطق الجذب السياحي لوفرة ما يمكن للسائح أن يشاهده ويكتشفه، والأهم أن يحسه وهو يعاشر ناسها، ويسير بخطواته بين أرجائها، أو يلمس بأصابعه جدران قصورها أو سعف نخيلها أو يتذوق تمورها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية