عملت 20 سنة في الصليب الأحمر الدولي وسألت كيف ينام الحكّام العرب وحمم بالأطنان تمطر غزّة؟
بيروت ـ «القدس العربي»: كتبت نصاً حكت فيه عن مهمة وظيفية استغرقت من حياتها 20 سنة وطرحت أسئلة في حينه. أعلنت بكل صراحة: «كنت ساذجة». إنها تاليا عراوي المواطنة اللبنانية التي عملت في اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي في بدايات حياتها المهنية. تقول بأن النور بات ساطعاً جداً جداً الآن. وأن حرب الإبادة الجماعية على غزة منذ شهر لم تترك أملاً بأية عدالة دولية أو حقوق إنسانية.
مع الأستاذة الجامعية تاليا عراوي هذا الحوار:
○ الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزّة دفعتك للنقد الذاتي. هل من لحظة فاصلة حتّمت الاعتراف «كنت ساذجة»؟
• لن أقول بلحظة فاصلة بل درجات. ربما لأنني كنت أقنع ذاتي أن المؤسسات العالمية لا بد أن تستجيب. الحرب والمجازر التي تحصل الآن في فلسطين بشكل عام وغزة بشكل خاص، وردود الفعل العالمية المتراوحة بين تأييد أعمى للكيان الغاصب، والتطهير العرقي من ناحية، والاستنكار والتصاريح الفارغة من ناحية أخرى، أثبتت أن محاولات إقناع نفسي بإمكانية تصحيح الخطأ غير واردة.
○ أليس اللاعبون الكبار في العالم ومشعلي حروبه المتباهون بوضع القانون الإنساني وهم من يشعلون النار فيه ساعة يشاؤون؟
• هناك أنواع من إشعال النار. إما من خلال العمل الصريح، وإما بعدم العمل، أي الحرب بالتفويض أو الإغفال. يمكن للمرء أن يكون معتديًا فاعلاً، أو معتديًا غير نشط على الأرض. بداية القانون الدولي الإنساني كانت عندما تقاتلت الجيوش الفرنسية والنمساوية في معركة سولفرينو في شمال إيطاليا في حزيران/يونيو 1859 وإثر صدمة هنري دونان بمقتل المدنيين الذين لم يكونوا طرفًا في النزاع. البداية كانت نظيفة وإنسانية، وهكذا تأسست هيئة الصليب الأمر الدولي. لكن عندما لا تتخطى القوانين كونها حبراً على ورق، فهي مجرد طريقة لإقناع الذات أنها قامت بالمتوجب عليها. برأيي هو مثال للجوء المثقف إلى الجبن كآلية دفاع تافهة وغير بريئة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأطباء بلا حدود والقانون الدولي الإنساني والبروتوكولات الإضافية صادقة، إنما المشكلة في الحكام الذين أصبحوا عبيدا للمال والسلطة. الحكام في جميع أنحاء العالم فشلوا في رؤية أنهم كائنات محدودة، وليسوا خالدين وأنهم سيحاسبون. واسمحي لي أن أكون صريحة: الأمم المتحدة والجامعة العربية كمؤسسات لم تعمل على ايقاف الإبادة. وكذلك الحال بالنسبة للحكومات التي يمكنها التحرك، ولا تفعل لوقف المذبحة. مجرد إعطاء أطراف معينة قوة الفيتو، بحد ذاته جريمة. تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع حروب عالمية مستقبلية، وهي خلفت عصبة الأمم التي وُصفت بأنها غير فعالة. وها هم يفعلون ما هو أسوأ. إنهم يشرّعون ويسوّغون الحروب والمجازر والإبادة الجماعية. وميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العالمي مجرد خدعة مثيرة للاشمئزاز. لا نحتاج إلى من يُقرّ حقوق الإنسان، فهو حق ممنوح من الخالق. ويبدو أن القوى العظمى تعتبر مثل هذه المواثيق لطيفة ورائعة، وكأنها طبقة سكر فوق الزرنيخ السام والقاتل.
○ للصليب الأحمر الدولي حضور مهني في كافة حروب العالم. خلال عملك 20 سنة هل تحدّثت يوماً عن انتهاك القانون الإنساني بما يخالف إرادة الكبار؟
• نعم. في البداية كنت أعبر بطريقة خجولة وضعيفة إن صح القول وذلك لسببين أساسيين:
1. كوني في ريعان عمري. لم أكن على يقين بما يجري وراء الكواليس لذلك كنت أترك للشك مجالاً.
2. إيماني أن الواقعية ليست سوى وجه آخر للمثالية.
واليوم أعي تماماً أن السكوت عن الحق جريمة. وبطبيعة الحال، مع مرور الوقت، عبّرت عن مخاوفي أمام الجميع، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة، وطلابي الذين أدعوهم إلى التفكير بشكل نقدي وصادق في الأمور المتعلقة بالحياة.
○ لم يترك الكيان الصهيوني أياً من المحرمات المسماة دولية ولم يرتكبها. هل العالم أعمى؟
• لا. العالم ليس أعمى بالمعنى الصريح. لكن، «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور». الشعوب بشكل عام ترفض هذه المجازر. لكن هذه الشعوب تعتقد حقاً أن بلادها ديمقراطية، فيما الحقيقة مختلفة. أما عن حكام العرب، فحدث ولا حرج. هم عبيد المال والسلطة وغير أبرياء. فكر في كومة من أعواد الثقاب. يستغرق الأمر واحدًا لإشعال النار فيه وسيتبعه الآخرون. وهذا لا يتطلب شجاعة أخلاقية فحسب، بل يتطلب وعيًا. وهم مذنبون إن لم يتصرفوا. صدقاً، كل ما يتطلبه الأمر هو أن يعلن حاكم عربي واحد الحرب. على سبيل المثال، عدم فتح معبر رفح يعد جريمة ضد الإنسانية. وهي ليست امتيازاً سياسياً. لا أعلم كيف ينام ويستفيق الحاكم العربي؟ إما أنهم ميتون أخلاقياً، أو أنهم مرضى نفسيون يتميزون بعدم التعاطف مع الآخر، والتلاعب والاستغلال، ويفتقرون إلى الضمير أو الشعور بالذنب، ويرفضون تحمل مسؤولية أفعالهم.
○ الآن وبعد أن فاق عداد الإبادة في غزّة العشرة آلاف شهيد. هل كان للصليب الأحمر موقف؟
• سؤال يجب طرحه على اللجنة الدولية نفسها. ومع ذلك، أتذكر ذات يوم عندما كنت جالسة مع مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر وسألته عن الشجاعة الأخلاقية في التحدث ضد العدوان وانتهاك القانون الدولي الإنساني؟ قال لي أمراً لن أنساه: «إما أن نتكلم ولن يسمح لنا عندها بالدخول والمساعدة، أو نلتزم الصمت وننقذ من نستطيع إنقاذه». يتطلب الأمر شجاعة أخلاقية لاتخاذ هذا القرار. أنا أحترمهم، فمن الضروري ان يختار المرء الحرب المناسبة. صرحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن أمر الإخلاء من غزة يؤدي إلى عواقب إنسانية كارثية، ولديها فرق رعاية صحية إنسانية تنتظر السماح لها بدخول غزة من رفح. قاعدة واحدة رئيسية في الحياة: لا تقل أبدًا أن كل البجع أبيض، فهناك على الأقل بجعة واحدة سوداء اللون.
○ ماذا سيقول مؤسس الصليب الأحمر هنري دونان عندما يبلغه خبر قتل الآف الأطفال في غزّة بقصف أمريكي صهيوني؟
• لقد اهتز أينشتاين بشدة من مدى الدمار الذي نتج في البداية عن اكتشافاته وكتب رسالة عامة إلى الأمم المتحدة مقترحاً تشكيل حكومة عالمية لوقف استخدام الأسلحة النووية. فهل نجح هذا؟ شعر نوبل بالفزع من استخدام اختراعه للقتل واخترع جائزة نوبل للسلام كردة فعل مضادة لإراحة ضميره وتقليل الضرر. هل نجح في ذلك؟
○ ماذا عن اللعبة اللوحية التي ابتكرتها مع طلابك لتعليم القانون الدولي الإنساني؟
• أنت حتماً على دراية باللعبة اللوحية التي تسمى مونوبولي التي يرجع تاريخها إلى عام 1903 عندما ابتكرت ليزي ماجي الأمريكية المناهضة للاحتكار لعبة كانت تأمل أن تشرح نظرية الضريبة الواحدة التي وضعها هنري جورج. وكان المقصود منها أن تكون أداة تعليمية لتوضيح الجوانب السلبية لتركيز الأراضي في الاحتكارات الخاصة. قليلون هم من على علم بتاريخ هذه اللعبة. وهي الآن لعبة رأس المال تقوم على الحرب، والحصول على الملكية، والاستيلاء على أراضي الآخرين. لقد صممنا لعبة اللوحة بذات الطريقة، ولكن البطاقات كانت تتعلق بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والاتفاقيات العامة. لقد كانت لعبة حرب.
○ تخصصت بتعليم الأخلاقيات وأسست «برنامج سليم الحص للأخلاقيات الأحيائية والاحتراف» في الجامعة الأمريكية في بيروت ـ المركز الطبي. ماذا عنه؟
• يُعتبر «برنامج سليم الحص للأخلاقيّات الأحيائية والاحتراف» في كلّية الطبّ في الجامعة الأمريكية في بيروت مورداً لتخصّصات الأساتذة والطلاب وجميع العاملين في مجال العناية الصحية الذين يمارسون تعليم الأخلاقيات الأحيائية ويقومون بالأبحاث العلمية والاستشارات في لبنان والجوار. أُطلق البرنامج، وهو الأول من نوعه في العالم العربي في شهر نيسان/ابريل من العام 2010 كمبادرة هادفة للتعليم والتثقيف وإجراء البحوث ونصرة القضايا المتعلقة بالاحترافية وإنسانية الطب والأخلاقيّات الأحيائية. وبشكلٍ أكثر تحديداً، يهدف البرنامج إلى تعزيز العمل الدراسي والإدراك والوعي العام للقضايا المعاصرة كافة التي لها صلة بالأخلاقيات الأحيائية والاحتراف. كما يشجّع على تطوير المهارات الضرورية ومناحي التفكير والسلوك لدى العاملين في الحقل الطبّي في معالجة قضايا مثل العناية في نهاية الحياة ودراسة الخلايا الجذعية وعلم الاقتصاد الطبّي والإدارة الصحية والقانون والسياسة العامة والمبادئ الأخلاقية والأبحاث.
○ «أنتم خونة. كلكم مجرمو حرب. أنا اتهمكم جميعاً.» هل من أحد مستهدف أكثر من سواه بصرختك هذه؟
• أولاً، من المهم جدًا أن أشير إلى أن صوتي شخصي فقط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال الجامعة الأمريكية في بيروت التي احترمها بشكل خاص. منذ فترة، كنت أتصفح تقاريري الدراسية في مرحلة ما قبل المدرسة وفوجئت بتعليق معلمتي في ذلك الوقت قائلة: «تاليا لا تتسامح مع الظلم وتدافع عن الآخرين ضده». ربما هنا يكمن الجواب لسؤالك. يبدو أنها الفطرة وقد تغذت في بيت لا يقبل الظلم وينصر الحق. أما سؤالك حول المستهدف بالصرخة؟ استهدف كل ضمير نائم على أمل إيقاظه، أو ميت لنعيه. هكذا وبكل بساطة.
○ وأخيراً متى يرى أهل غزة نور الصباح؟
• غزة الآن نور الضمير الإنساني. نور ساطع بدأ بإعماء من هم في الظلام كي يستيقظوا من سباتهم المتعصب وعبادتهم للمال والسلطة، فهم الآن مخدوعين. كتب أفلاطون قصة رمزية تُعرف بقصة الكهف، واصفًا كيف يمكن للناس أن يعتادوا على الظلال، ويخطئوا بينها وبين الواقع. ثم يجرؤ شخص واحد، سقراط، على كسر القيود والخروج من الكهف. لقد أعمي بالنور القوي، لكنه رأى الحقيقة تدريجيًا. أدعو الله أن يكسروا قيودهم.