«توحيد وجهات النظر» معرض صور مميز لمتدربين في أكاديمية فن التصوير الفوتوغرافي
بيروت ـ «القدس العربي»: شغف الصورة دفع بالعشرات للانتساب إلى أكاديمية فن التصوير الفوتوغرافي في الزلقا. حتى خلال العدوان الصهيوني على لبنان كان الإصرار على متابعة التعلُم والتصوير. فالمنتسبون وجدوا في مواصلة تحقيق شغفهم بالصورة نوعاً من علاج، يساعد في تخطي آلام الحرب الكبيرة. ليس هذا وحسب، بل أنجز المنتسبون للمعهد معرضاً جميلاً ومميزاً من ثمانين صورة في نهاية العام.
عن هذا المعرض والأكاديمية هذا الحوار مع مؤسستها تانيا عطالله:
○ لماذا معرض صور فوتوغرافية بعنوان «توحيد وجهات النظر؟».
• يقصد أكاديمية فنّ التصوير الفوتوغرافي FAPA في منطقة الزلقا طلاب من كافة أنحاء لبنان وبعض الدول العربية، ومن كافة الأعمار والخلفيات الثقافية والمهنية، من ربة المنزل والطبيب، وهواة التصوير والمحترفين وطلاب الجامعات. المشترك بينهم جميعاً هي العيون، وشغف التصوير، يتدربون على يد أساتذة يمتلكون خبرة طويلة في التصوير والتعليم الجامعي. وهؤلاء الأساتذة ينتمون إلى جامعات متعددة في لبنان. وهكذا أثمر التنوع في وجهات النظر إبداعاً مميزاً من الطلاب. في الحقيقة تزامنت خطوات الإعداد للمعرض والانتقال إلى طابق آخر في المبنى نفسه، مع بدء العدوان الواسع على لبنان. فكرنا بالتأجيل وإقفال الأكاديمية في ذاك الوقت العصيب، رفض الطلاب الفكرة، ووجدوا في متابعة التصوير فرصة للتعبير عن الذات، وقالوا إن الوقت الذي يمضونه في الأكاديمية، يساعدهم لتخطي الأوقات الصعبة التي تسببت بها الحرب. كان يقصد بعض الطلاب الأكاديمية من مناطق يطالها القصف، وكانوا يرون في ذلك ضرورة لاستمرار الحياة والتعبير عنها بأسلوب فني وحضاري. صمم جميع المنتسبين للأكاديمية على متابعة المحاضرات، والعمل التطبيقي، والتحضير للمعرض في الآن ذاته. توقعنا إنجاز المعرض في شباط/فبراير، نظراً لما يحتاجه من تحضير، مع التسلُّح بأمل أن تتوقف الحرب. وهكذا حضرنا للمعرض بتصميم وشغف كبيرين، وكذلك الانتقال للمكان الجديد المضيء نظراً لنوافذه الواسعة، وتراسه الكبير. إنما تواصلت غصة قلوبنا نظراً لاستمرار الحرب، وكنّا في تحدٍ لها. وما أن انتهت الحرب حتى وجدنا بحوزتنا مجموعة كبيرة من الصور، فكان قرار المعرض في ختام العام 2024.
○ استمرت الدراسة في الأكاديمية وجرى التصوير والإعداد للمعرض خلال الحرب. ولم نجد الحرب في هذه الصور؟
• في الحقيقة الحرب موجودة في قلوبنا، إنما نظرياً قال المعرض ما هو مختلف كما هو واضح. اختار الطلاب عناوين وموضوعات صورهم، منهم من نقل صور الشاطئ أمام منزله بعد عجزه عن الخروج إلى أماكن مختلفة نتيجة الحرب. إذاً صوّر المشاركون في المعرض ما سمحت به ظروفهم، منهم من نقلت عدستهم صورا راقية عن الجسد البشري، ومنهم من التزم بالتصوير انطلاقاً من المقرر الدراسي الذي قدّمه كل أستاذ في الأكاديمية لطلابه. والمهم أن المعرض طرح تساؤلاً حول اللقاء الإنساني الذي أوجدته الأكاديمية بين المنتسبين إليها.
○ كمختصة وأستاذة في عالم الصورة ما هو الأثر الذي تتركه عدسة الكاميرا على الساعين لاحتراف الصورة؟
• من يتعلّم فن التصوير يتعلّم رؤية كل ما تراه عينه جميلاً. فن التصوير يساعد من يتقنه على عيش الحياة مرتين، ويبعده عن الملل، والأهم أنه يرى الجمال في كل مكان وفي كل إنسان. الجمال في المنزل المعدم، ولدى الإنسان الحزين، ويرى الجمال يتمدد إلى كافة الناس من نساء ورجال.
○ ما هو عدد المشتركين في المعرض؟
• هم ثلاثون من المنتسبين إلى الأكاديمية، وبلغ مجموع الصور ثمانون. وجدت لجنة الاختيار لدى بعضهم موضوعاً لافتاً مما حتّم مشاركتهم بأكثر من صورة تعبّر عن العنوان نفسه. إنها أفكار جرى تصويرها بعد مناقشتها والتوجيه بصددها من قبل الأساتذة. الإنسان هو الموضوع المشترك بين صور المعرض، تخطى الموضوع الإنساني صور البورتريه، وراح باتجاه نوعية حياة الإنسان ومكان عيشه.
○ هل من أمر فاجأك في اختيار موضوعات الصور؟
• بالتأكيد. هو لقاء الصدفة بين عدد من الصور، وبين مصورين مختلفين. لقاء تمثّل بالبورتريهات والتعبير الذي تضمنته. بورتريهات شكّلت توثيقاً لجيل أو لمرحلة ربما. واللافت أيضاً تصوير الجسد من قبل كثير من المشاركين، هي مقاربة للغة الجسد بأسلوب فني رفيع، ونعرف أن تصوير لغة الجسد ليس سائداً في شرقنا كما هو في الغرب.
○ لماذا أكاديمية فن التصوير الفوتوغرافي بعد عمل لسنوات في التعليم الجامعي؟
• في الواقع شجعني طلابي في الجامعة الأمريكية للمباشرة بتنفيذ فكرة تأسيس أكاديمية تصوير. حدّثوني عن كثيرين يمارسون تدريس التصوير من دون حيازتهم للاختصاص، وكنت حينها بصدد متابعة دراسة ماجستير ثانية بالتصوير، وأم لأطفال، فوجدت البحث في عمل خاص صعباً، إنما شجعني إصرار طلابي، والشغف الذي أمتلكه في تقديم معرفة التصوير الأكاديمي لكل من يرغب بها. وهكذا رهنت سيارتي، وأخذت قرضاً مصرفياً مما أمن لي إيجاراً لستة أشهر، كان ذلك سنة 2016. بدأت مع سبعة طلاب، والعدد الحالي بات بالمئات، فيما ارتفع عدد الأساتذة من 3 إلى 20. وقبل العدوان على لبنان كان طلاب من الخليج العربي ومن الجزائر يقصدون الأكاديمية لدورة مكثّفة يقيمون خلالها في «فويهات» قريبة منّا. وخلال الجائحة تواصلت الدراسة أونلاين وانتسب للأكاديمية طلاب من الولايات المتحدة ومن الدول الأوروبية، والعربية بالطبع.
○ وهل مواعيد المقررات مناسبة للجميع إذا صحّ السؤال؟
• سعيت لمراعاة الجميع في مسألة الوقت. عندما تنجز طبيبة تعمل بدوام كامل في المستشفى، وهي أم لأربعة أطفال، دورة تصوير فهذا يعني أن الوقت يناسب الجميع تقريباً. يستمر العمل في الأكاديمية من الصباح إلى المساء، وفي ساعات الصباح تشكّل ربات البيوت، وكذلك أرباب العمل العدد الأكبر.
○ هل يحصل الطلاب على دبلوم؟
• بكل تأكيد فنحن لدينا مرسوم تأسيس من وزارة التربية. كما وينال المتخرجون دبلوماً من المعهد كونه خاصاً.
○ وهل احترف بعض طلابكم التصوير؟
• كثر منهم باتوا محترفين، ومنهم من يعمل وبنجاح في الدول العربية وغيرها، وبعضهم من بات مشهورا وكتبت عنه الصحف، ونحن فخورون بهم جميعهم.
○ كأستاذة في علم الصورة هل تجدين رابطاً بين الصورة وبين النضج الإنساني لمن يلتقطها؟
• أعود لذاتي قليلاً لأقول بأني عند افتتاح أكاديمية فن التصوير الفوتوغرافي كان هدفي الأساسي تثبيت ونشر علم الصورة في شرقنا وفي لبنان بشكل خاص. نبحث لدى الطلاب المنتسبين إلى الأكاديمية عن الحس الإنساني، وعن المخزون الثقافي الذي يتغذى منه الإنسان. إذاً هو المخزون الثقافي الذي ينعكس على الإنسان وبالتالي على الصورة التي يلتقطها. الثقافة الإنسانية أساس في قبول شخص دون آخر في الانتساب للأكاديمية.
○ نحن من عالم الجنوب الذي تتواصل الحروب عليه. كم تتمكن الصورة من التعبير عن معاناة البشر برأيك في هكذا أوضاع؟
• بالعودة إلى تاريخ ولادة الصورة فقد بدأ التصوير سنة 1827. إذاً أكثر من قرن ونصف تقريباً يفصلنا عن تلك الولادة. قبل تلك الولادة كانت الدنيا تسير ببطء شديد، ومع بدء التصوير بدأت صناعة السينما، وقبل ختام القرن العشرين كانت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ووصلت الصورة الرقمية معبّرة عن حالة وموقف بكل تأكيد، ويُعرف انه قبل الرقمنة كان للصورة دورها في نقل الأحداث. الناس مأخوذون بالصورة ويصدقونها، وهم يحكون مشاهداتهم بالقول «شفتا بعيني»، وهذا يعني أنني أصدّقها. وفيما يخص معاناة منطقتنا أرى أن الصورة اُستهدفت كثيراً، نظراً لدفق صور وسائل التواصل. ونعرف أن الصورة عبر وسائل التواصل تديرها سياسات الدول ومالكو تلك الوسائل، ونعرف جيداً أنهم معادون لقضايانا العادلة والإنسانية، ولهذا هم يستهدفون الصورة ويتلاعبون بها بإصرار كي لا يصل مضمونها الحقيقي للعالم. لهذا علينا أن لا نترك العين تصدق مباشرة الصورة، كما نفعل تماماً مع الخبر. التلاعب بالصورة منع الصور الحقيقية من الانتشار لتنقل للعالم واقع منطقتنا في ظل العدوان.
○ ما رأيك بالصور التي تمّ التلاعب بها بعد طوفان الأقصى والتي أظهرت أن المقاومين الفلسطينيين وقد قتلوا الأطفال واغتصبوا النساء في غلاف غزّة؟
• هنا لا بد من التركيز على الثقافة البصرية. فإن وجدت لدى الشخص فلن تخدعه صورة مزيفة. ولهذا واجه كثير من العرب وكذلك الأجانب زيف الصور بعد طوفان الأقصى، وكانت مبادرات فردية كثيرة لإظهار حقيقة الأمر ودحض التزييف. قصتنا وروايتنا يفترض أن تصل عبرنا، كلاماً وصورة.
○ كم تحتفظ الصورة بمكانتها وتأثيرها في عصر صور الهاتف الذكي وخاصة الفيديو؟
• في مناهج جامعات العالم يبدأ التخصص بتصوير الفيديو، بدراسة التصوير الفوتوغرافي لمدة سنة. من يهدف لتقديم صورة متحركة لا بد له أن ينجز عدة صور ثابتة ومن زوايا مختلفة، وتتميز باضاءة ناجحة.
○ كمختصة وأستاذة في تدريس التصوير هل لك ترشيح صورة بعيدة عن الحرب في عالمنا هذا للفوز بجائزة العام على الصعيد الصحافي؟
• لن أرشحّ صورة تعبّر عن الحرب. والسبب انّ صورة الحرب تصوّر وجع الناس، وهذا لا أوافق عليه. لا أوافق على مباراة وجوائز لصور منطلقها آلام الناس. منذ احترفت التصوير ومارست عملي في الشارع خاصة خلال الدراسة الجامعية، كان التقاط صور الناس يؤلمني، ولا يغادرني هذا الألم حتى مع ثناء الأستاذ على الصورة. قد استعمل صورة للناس في موضوع صحافي لكني أرفض الدخول في مباراة دولية عبرها.
○ بين الأسس الأكاديمية والاحساس الفني أيهما ينتصر في عالم الصورة؟
• يقول بيكاسو بأن الأكاديمية تُعلّم التقنيات، وليصبح الإنسان فناناً عليه أن يكسر كافة القواعد ويخلق قواعده الخاصة.