دمشق ـ «القدس العربي»: تتباين آراء السوريين بخصوص ترتيبات المرحلة الانتقالية عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، خصوصاً تعيين محمد البشير رئيساً للحكومة بشكل مؤقت حتى آذار /مارس المقبل، ففيما يعتبر البعض أن «هناك ارتجالاً وشعوراً بنشوة انتصار فيها رعونة لا تراعي مشاعر السوريين وإرادتهم ومخاوفهم» يرى آخرون أن هذه الحكومة، هي حكومة خدمات فقط نظراً لما تعانيه سوريا من انعدام فرص العمل وتدني الحياة المعيشية.
وقال رئيس الحكومة الانتقالية، محمد البشير، في تصريح سابق لـ “القدس العربي» إن الخطوات الأولى التي ستتّخذها حكومة الإنقاذ في الأيام القليلة المقبلة، هي إعادةُ تثبيت الأمن والاستقرار الى المدن السورية وبسط سلطة الدولة مجدداً لتعود الناس إلى ممارسة نشاطاتها الاقتصادية والحياتية بشكل معتاد، مشدداً على أهمية ذلك من أجل عودة اللاجئين والمغتربين إلى حضن الوطن السوري، أما على مستوى التخطيط الاستراتيجي، قال البشير إنه لا يمكن للسوريين أن يستمروا في العيش بلا خدمات.
ويقول الباحث لدى مركز «عمران» للدراسات الاستراتيجية، أيمن دسوقي لـ «القدس العربي»: إن إدارة الشؤون السياسية في حكومة الإنقاذ السورية كشفت عن رؤيتها لإدارة المرحلة الانتقالية وما بعدها، وهي عملية ذات خطوات واضحة. وحسب مسؤول في حكومة «الإنقاذ» يتابع الدسوقي، إن لجنةً من خبراء القانون ستقوم بدراسة الدستور الحالي بغية تعديله.
ويعني ذلك، وفق الباحث السوري، أن القوى السياسية والتشكيلات المدنية والمجتمعية لن تكون حاضرة في نقاشات الدستور الجديد. وكذلك، تجاهل اللجنة الدستورية القائمة ودورها في إعداد دستور جديد للبلاد، وفق الرؤية الأممية.
بالتالي، في حال تم تطبيق هذه الرؤية، «عندئذ ستضعف فرصة تشكيل حكومة جديدة بطريقة تشاركية، وهذا من شأنه أن يضعها بحالة تنافر مع مكوّنات سوريّة سياسية ومدنية وحتى مجتمعية، بما يُؤثر على قدرة الحكومة على إدارة البلاد، معززاً من فرص الأطراف (المحافظات، المكونات المجتمعية السورية) المطالبة بإدارة خاصة بهم في ظل تجاهل المركز لهم. وأمام هذا التجاهل، اعتبر الدسوقي أن التحدي الأبرز للحكومة الجديدة، يتمثل في بناء إجماع سوري والتأسيس لشرعية سياسية جديدة لتجاوز النظام البائد، وقطع الطريق أمام ثورات مُضادة أو حالة فوضى، وما يتطلبه ذلك من تشاركية لإدارة الملفات المعقّدة، والتي هي أساسية لبناء حالة من الاستقرار السياسي والمجتمعي.
وكان البشير، كشف في تصريح نشرته وكالة الأنباء الرسمية «سانا» عن تحديات كبيرة، لكنه اعتبر أن تجربة حكومة الإنقاذ «السابقة في إدارة محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها أكسبتنا خبرة واسعة، ساهمت في صقل الموارد والكوادر البشرية التي نمتلكها، مما يجعلنا قادرين على تحمّل هذه المسؤولية العظيمة التي أوكلت إلينا».
خبرات محدود
ووفق ما قال الباحث السياسي لدى مركز جسور للدراسات الاستراتيجية رشيد الحوراني، لـ “القدس العربي» فإن حكومة الإنقاذ ستعمل وفق الخبرات التي اكتسبتها من الإدارة في مناطقها السابقة، وستعمل على البناء عليها إلى جانب آليات العمل المعمول بها في وزارات النظام السابق، ويدلّ على ذلك اجتماع الشرع ورئيس الحكومة المكلف برئيس مجلس الوزراء لدى النظام السابق، ويبدو أنها حكومة خدمات في المرتبة الأولى نظراً لما تعانيه سوريا من انعدام فرص العمل وتدني الحياة المعيشية.
وأضاف: بالنسبة للمعايير بالتأكيد ستكون من أصحاب الخبرات وحملة الشهادات الجامعية.قياساً على وزراء حكومة الإنقاذ، يبدو أن الحكومة الانتقالية برئاسة البشير تضع المعايير المتعلقة بحسن الأداء وتقديم الخدمات هي المقياس لتعيين الوزراء.
البعض تحدث عن مرحلة خدمات… وآخرون اشتكوا من «ارتجال ورعونة»
وقال: ستواجه الحكومة التي ستأتي بعد مارس/ آذار المقبل جُملةً من التحديات تتعلق بالأمن إلى حدٍ كبير ،ولهذا التحدي أوجه متعددة منها جمع السلاح من المدنيين، وتحقيق السلم الأهلي المهدد إلى حد ما، وأحكُم أنه مهدد من خلال بيان مشايخ الطائفة العلويّة الذي لا يرقى إلى مستوى ما مرّت به سوريا طيلة 14 عاماً، ويطالب بعفو عام ملمّحا إلى ضباط جيش النظام، وسط تخوف من الضباط الفارين من جيش النظام بأن يقوموا بتجميع أنفسهم سواء بشكل شخصي كما جرى يوم أمس بإلقاء القبض على ستة منهم في مزرعة في بلدة الربيعة في اللاذقية أو وبتوجيهات أحد الأطراف الخارجية لزعزعة أمن الحكومة الجديدة.
واعتبر أن نجاح الحكومة الانتقالية برئاسة البشير ستُحدد آليات العمل المستقبلية والتي تتعلق بآليات انتقال السلطة وتداولها وانتخاب البرلمان والعمل على دستور جديد أو اعتماد دستور عام 1950 نظراً لمناسبته بتقدير المختصين في القانون، وستميل أكثر نحو التكنوقراط ومراعاة التمثيل المجتمعي في آن واحد.
فشل أولي
المعارض السوري مؤيّد سكيف، اعتبر في تصريح لـ «القدس العربي» أن الحكومة السورية القادمة سوف تكون أمام امتحانات عديدة وبالجملة، حيث عبّر لـ «القدس العربي»: عن أسفه «بفشل هذه الحكومة وخلفها قوة «هيئة تحرير الشام» السياسية والعسكرية في امتحانات عديدة وبالجملة».
وقال: «واضح أن هناك ارتجالاً وشعوراً بنشوة انتصار فيها رعونة لا تراعي مشاعر السوريين وإرادتهم ومخاوفهم الحضاري ولا تراعي المتطلبات الدولية التي راهنت على «هيئة تحرير الشام».
المطلوب في رأيه للخروج من الفشل في الامتحانات التي خاضتها الحكومة «هو الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني عام يحدد المبادئ الدستورية الأساسية التي على أساسها يتم صياغة الدستور دون استئثار بالأمر من قبل حكومة تسيير الأعمال التي فرضت نفسها بقوة السلاح».
وأشار إلى ضرورة إشراك «شخصيات وطنية سوريّة ملهمة، تستلهم عقلية الآباء المؤسسين لتشييد أسس متينة لوطن سوري يمثل جميع السوريين».
أمر إيجابي
وحول مدة الثلاثة أشهر، اعتبر الأكاديمي والأستاذ في العلاقات الدولية الدكتور زكريا ملاحفجي أن حصر مدة الحكومة الانتقالية بـ 3 أشهر أمرٌ إيجابي، ويصبّ في إطار استباب الوضع وخلق مرحلة انتقالية، لافتاً إلى أن تسليم السلطة يجري بسلاسة. واستدرك قائلا: إن الأمر يبقى مشروطاً بشكل تشاركي للحكومة الدائمة، على أن تدعى كل القوى المدنية والعسكرية إلى الطاولة، حتى نصل إلى إقرار وتأييد من السوريين بهذا الاتجاه وليس بشكل أحادي.
واعتبر أن ثمة تحديات داخلية وخارجية أمام الحكومة الدائمة، أهمها إنشاء مؤسسة عسكرية بحِرَفية عالية تُعيد هندسة الجيش بشكل جيد لخدمة الشعب وحماية البلد.
وقال: نراقب كيف ستتعامل الدول مع هذه الحكومة، لاسيما مع بقاء قوى سوريّة خارج التشاور وسط صمت عن الانتهاكات الإسرائيلية.
وزاد: أمام السوريين حالياً الكثير من التحديات تبدأ مع فرض الأمن على كل الأراضي السورية والسعي نحو تحقيق العدالة وتأمين الخدمات للمواطنين والعمل على قضية المعتقلين والمفقودين بالطرق المهنية السليمة، وتستمر في منع أي مشاريع تقسيمية أو تلك التي تريد أن تسيطر على المزيد من الأراضي السورية وتقصف متى تشاء كإسرائيل.
خطاب وطني
أما على المستوى الوطني قال: نحن في حاجة لإشاعة خطابٍ وطني حقوقي أخلاقي يتناسب مع قيم الثورة السورية وشعارها في الحرية والكرامة والعدالة، وهذا يُترجم على أرض الواقع ببناء دولة المؤسسات لتحقيق ذلك وليس بناء دولة «هيئة تحرير الشام» التي يبدو أنه لا يوجد تطوير حقيقي في خطابها وسلوكها السياسي وهذا ما أخشى أنه سيدفعنا لخسارة أهم مكتسب وهو انتهاء عصر الديكتاتورية والاستبداد.
وأبدى اعتقاده أن أي انزياح عن الهوية الوطنية يعني زرع المزيد من الألغام في طريق السوريين والتي سرعان ما ستنفجر بوجوهنا جميعاً.
ولا شك في أن التحديات والمخاوف بعد رحيل نظام الأسد، كثيرة ومشروعة، ولعلّ أبرزها الإقصاء والتطرف والفوضى والتكالب على الحكم، حيث رصدت «القدس العربي» مواقف متباينة من السوريين حول حكومة محمد البشير.
مواقف متباينة
وتحدث سليمان ناطور عن إنجازات للمعارضة السورية ما كان لها أن تكون لولا الفصائل بقيادة أحمد الشرع حيث قال: إن «إدارة الأعمال العسكرية تمكنت بوقتٍ قياسي من تفكيك منظومة سجون، والإفراج عن أكثر من 4000 معتقل. كما وفّرت السبل لعودة 2 مليون لاجئ خارجي من لبنان والأردن وتركيا والعراق فقط، كما فتحت المجال لعودة 3 مليون مهجّر داخل سوريا الى مدنهم وقراهم المهدمة والمنهوبة. معتبرين أنه من الواجب أن نتحمّل أياماً قبل أن نحكم، بينما تحمّل السوريون نظام الأسد أكثر من 50 عاماً».
كما عبّر المعارض السوري يعرب العيسى عبر صفحته على «فيسبوك» عن تفاؤله بما هو قادم، حيث قال: «ستخفت أصوات الرصاص غداً. وستتلاشى فوضى الرعاع خلال يومين، وسيعود علويو حمص إلى بيوتهم، سنجد حلاً (غالباً ستفعل ذلك دول تريد لبلدنا الجديد أن يولد) لإيقاف العدو الإسرائيلي عن استغلال الفراغ».
ولفت إلى أن «ما يجري هي أعراض طبيعية لعملية تغيير بهذا الحجم، ستمرّ وبعدها ستبدأ معركتنا الحقيقية».
حكومة هزيلة
وفي المقابل، اعتبر الكثير من السوريين أن حكومة الإنقاذ هي حكومة بالغة الضعف، ومؤقتة جداً، ووظيفتها الرئيسية استلام السلطة وإعادة تهيئتها وتسليمها للحكومة الدائمة خلال أشهر.
وكتب أحمد دلول على صفحته الشخصية يقول: «انتصار سوريا وتحرّرها من نظام مستبد ليس لأجل تأسيس لنظام شبهه، والحرية تبدأ من هنا».
وأضاف «ما فعله الجولاني أو أحمد الشرع بتشكيل حكومة إنقاذ هو ليس من حقوقه ولا من واجباته، بل هو خرق واضح ويخالف القرار الأممي 2254 ومسؤوليات الدول الضامنة ومطلوب حكومة انتقالية تجمع كل الأديان والطوائف ويكون للمرأة فيها حصة كبيرة. أين المرأة من الحكومة المشكلة او حتى من الخطابات؟ من يريد بناء بلد علماني يستوعب كل الأطياف يبدأ بتعليم الناس احترام الدستور والقانون، فإدارة إدلب تختلف كتيراً عن إدارة بلد معقّد مثل سورية». واعتبر المعارض السوري مازن مغربية، الترتيبات الانتقالية بأنها «غير واضحة ومبهمة، حتى الآن».
حيث كتب على صفحته الشخصية على «فيسبوك»: «غياب الحديث عن دور واضح للأمم المتحدة في تيسير ترتيبات المرحلة الانتقالية يخلق حالة ًمن الاضطراب والتخوف لدى كثيرين».
وأكد على ضرورة «التمسك بخارطة طريق الانتقال السياسي-الديمقراطي المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2254، بما يشمل هيئة حكم انتقالية صياغة دستور جديد للبلاد يبني مؤسساته الديمقراطية، تتبعها انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة، هو الضمان والخلاص المستقبلي للجميع».
وبيّن أن حكومة إدارة المرحلة الانتقالية، يجب أن تكون مؤقتة، مهامها الأساسية تكمن في ضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة للتهيئة لمؤتمر سوري وطني – لم يعد هناك مانع من عقده – أو ما يقترب منه يتفق على ترتيبات المرحلة الانتقالية، بما فيها الترتيبات الدستورية والانتخابية، بتيسير من الأمم المتحدة. تجاوز ذلك، في حال حصوله، من قبل الحكومة الانتقالية الحالية قد ينتج عنه المزيد من الاضطراب والتي بدورها قد تتطور إلى ديناميات لم يعد لأحد القدرة على التعامل معها».