تجارب متنوعة لتشكيليات مصريات: تمجيد الحياة والاحتفاء باللحظات الإنسانية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»:  بعيداً عن القضايا الكُبرى، أو التغني بالقضايا الكبرى بمعنى أدق، الذي تعوّد بعض الفنانين التعبير من خلالها، حتى يكتسب العمل وصاحبه أهمية ما، على مستوى النقد على أكثر تقدير، من دون المستوى الفني أو الجمالي. أو يأتي البعض الآخر محاولاً التعلق بالمعادلة التي تضمن له وجوداً فنياً على الساحة، بحيث يؤول الفنان نفسه عمله، مدّعياً أنه يقصد كذا وكذا من مفردات النضال الوطني والقومي، من الفلاحة المصرية التائهة ورموزها المعهودة، وصولاً إلى المُمَاحكة بالقضية الفلسطينية، أملاً في تجاوز أعماله أراضي وطنه، وفي كل الأحوال النجاح في البيع باسم هذه القضية أو تلك. ولا يعني هذا أن الجميع يُتاجر ويدّعي، ولكن الفن هو أفضل كاشف لمدى صدق التجربة أو زيفها، والشواهد لا تحصى، بداية من التواصل مع تراث الأجداد، ووصولاً إلى التواصل والتعبير من خلال مفردات الفن الشعبي، ومعظم هذه التجارب لا تكاد تكون سوى تذكارات يبتاعها السائحون في المناسبات. ولكن هناك أصوات مختلفة، لا تلتفت لمثل هذه الترّوهات، وتكتفي فقط بصدقها الفني في التعبير عما تراه وتستشعره، ومن هؤلاء تأتي معارض عدة فنانات مصريات يمثلن جيلاً جديداً، اخترن التعبير عن الحياة ولحظاتها، معتمدة العلاقات الإنسانية أو العلاقة مع الطبيعة ومخلوقاتها.. معرض «مع حُبي» للفنانة نيفين فرغلي «سفاري الصحراء» للفنانة غادة مراد، و«انتماء» للفنانة ياسمين الحاذق.

مع حُبي

تواصل اللفنانة نيفين فرغلي مسيرتها في استعراض لحظات إنسانية، من خلال منحوتات من خامتي الحديد والألومنيوم. شخصيات وكائنات في مواقف تعبّر عن الحب بشتى طرقه، وبالطبع تختار الفنانة عدة مواقف تدعم مثل هذه الحالة، في لقطات عديدة، تتصدرها الألعاب الطفولية والحركات البهلوانية للشخصيات، ثم حالات الحب بين رجل وامرأة، كحالة من المناجاة على سبيل المثال، أو عاشق يُمسك ببعض الزهور ويقف وحيداً ينتظر. النغمة المسيطرة على الأعمال ككل هي حالة البهجة والسعادة، ومن خلال التشكيل الحركي للشخصيات والمبالغة في نِسب الأجساد، يقترب الأمر أكثر من أعمال كاريكاتيرية تؤصل الحالة التي تريد الفنانة إيصالها من خلال أعمالها. الأمر الآخر هو أن العمل بذاته يمثل مشهداً متكاملاً من الحياة، ومع بعض التفاصيل التي تُضاف إلى المشهد، كالألعاب وطبيعتها. الأراجيح القديمة، التي تكاد تختفي الآن، وكذا بعض الألعاب المعروفة جيداً لدى أطفال الجيل القديم، وهي ألعاب في معظمها تنتمي للمناطق الشعبية والمتوسطة في مصر زمان، فهناك حالة من التواصل لمن يعي مثل هذه الألعاب، وهي حالة عودة إلى الطفولة توحي بالمزيد من السعادة. وبدون ادعاء أو مباشرة تبدو تفاصيل البيئة والفئة التي تعبّر عنها الفنانة من خلال موضوعاتها وطريقة صياغة شخوصها، التي تعيش السعادة وتختلقها في أبسط الأشياء والألعاب. أقيم المعرض في غاليري «أوبونتو» في القاهرة.

انتماء

ومن البيئة والفئة التي تعبر عنها الفنانة من خلال عملها الفني، يمكن رؤية بيئة مختلفة في أعمال الفنانة ياسمين الحاذق، والتي أقامت معرضها بغاليري «الزمالك» فهي أيضاً تصوغ أعمالها المختلفة من نحت وتصوير عن علاقات إنسانية وأسرية، علاقات حب، ورحلة أسرية، ورحلة أصدقاء وصديقات، وألعاب طفولية، وتندرج أيضاً تحت مُسمى الذكريات، ولنا هنا اكتشاف مثل هذه الأماكن، فهي بعيدة عن الحِس الشعبي، وتنحاز إلى فئة أعلى، مختلفة تماماً عن شخوص نيفين فرغلي، ولكنهما يتوحدان في الحالة الإنسانية، وتنويعاتها والاحتفاء بها. اللافت في تجربة الفنانة هنا أنها تصوغ أعمالها من خلال خامات مختلفة، الأكريليك، البرونز، والبوليستر. هناك العديد من الإمكانات للتعبير عن هذه الشخوص وحالاتها، مع التأكيد على فكرة البهجة والسعادة التي يعيشها هؤلاء، حتى في لحظات الهدوء، والمتمثلة في احتساء الشاي لرجل وامرأة، يأتي الإطار الخشبي والمعلق على الحائط وكأنها صورة فوتوغرافية قديمة ــ ربما تكون صورة فوتوغرافية في الأصل ــ ويمكن أن تصبح شرفة في لقطة أخرى، وهي طريقة أو أسلوب ينم عن حِرفة وطرافة. من ناحية أخرى لا يخفى الحِس الكاريكاتيري في تجسيد ورسم الشخوص. فالنزهة النيلية المعهودة لرجل وامرأة في مركب نيلي، يصبح الرجل جالسا في المركب ويحمل المرأة فوق كتفيه، ممسكا بوردة حمراء، بينما المرأة تعلو رأسها سمكة، هذه التكوينات غير المنطقية تجد مكانها هنا في بساطة شديدة يسمح بها الخيال الفني.

سفاري الصحراء

ونختتم بتجربة الفنانة غادة مراد، والتي أقامت معرضها مؤخراً في غاليري «المسار» بدورها لا تنشغل مراد إلا بإعادة صياغة الأشياء وفق خيالها، وهو ما تناولته سابقاً في معرضها المعنون بـ «أحلام اليقظة» ومن خلال أسلوب تعبيري مغاير، يمزج ما بين التكعيب والتجريد، من دون الانحياز لأي منهما.
تتواصل مراد هنا مع الصحراء وعالمها، ناس وكائنات، وعادات وتقاليد، وأجواء مختلفة على مستوى الإيقاع واللون، وتأتي أسماء بعض الأعمال لتؤكد الحالة المختلفة عن مجتمع مثل القاهرة مثلاً، تأمل، صُحبة، راحة، وجود.
عين الغريب دوماً هي القادرة على التقاط التفاصيل، التي ربما تغيب عن أهل المكان وناسه، ومنذ الوهلة الأولى تحاول الفنانة تجسيد هذه التفاصيل وفق خيالها ــ ليس بالطبع نقلاً توثيقياً ــ مؤكدة على حالة التناغم بين الإنسان والبيئة ومفرداتها، بداية من تكوين الأجساد وعلاقتها ببعضها البعض، وكذا تكوين هذا الجسد وتفاصيله مع تفاصيل المكان كالجبال والأودية، التكوينات التي تشبه الأحجار في تشكلاتها، فقط خطوط وتكوينات متداخلة، بدون إظهار تفاصيل ملامح الشخصيات، فالعمامة والشال ــ على الرغم من حالة التجريد ــ هي التي تفرّق هنا بين الرجل والمرأة. من ناحية أخرى يبدو الغرباء أو أصحاب الرحلة ــ ومنهم الفنانة ــ في تكوينات وعلاقات أخرى، لا تتشابه وأصحاب المكان. علاقات تسيطر عليها رؤية السائح أكثر، فتأتي الأعمال القاصرة على أهل المكان وتفاصيله أكثر تعبيراً، وكأن وجود أشخاص من بيئة أخرى يبدو كنغمة مختلفة بين اللوحات، وهي مفارقة يكشفها العمل الفني نفسه.
أما على مستوى اللون فنجد السيطرة للرمادي والبنفسجي وتدرجاتهما، مع القليل من اللون الأبيض، وهو تكوين لوني يعبر عن ألوان المكان ككل، وإن كان يوحي ببعض من الجو اللوني العام لهذه البيئة المختلفة، أضف إلى ذلك الخيال الفني الذي ربما صاغ هذا العالم وفق رؤية مختلفة على مستوى الإيحاء اللوني أيضاً.
وفي الأخير، نجد أن الأعمال التي تعتمد وجهة النظر هذه ــ الاحتفاء بالحياة وناسها ــ تتخطى الظرف والحدث، لتظل حسب رؤية وموهبة صاحبها ــ رغم تفاوتها ــ إنسانية، أي ضد الزمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية