تعتبر تجارة جلود المواشي من الحرف القديمة التي يحافظ عليها عدد كبير من الشبان وبالتحديد العاطلين عن العمل في قطاع غزة، والذين تجهزوا مع أول يوم من عيد الأضحى في البحث عن جلود الأضاحي في كافة مسالخ مناطق غزة، من أجل بيعها لمعامل دبغ الجلود التي تقوم بدورها بتصدير هذه الجلود للخارج لصناعة الأحذية والملابس.
وجابت شوارع غزة خلال أيام عيد الأضحى العديد من العربات التي تجرها الحيوانات، إضافة إلى العربات التي تعمل بالوقود، حيث يستغل أصحاب هذه العربات من الشباب الموسم في كسب المال، خلال رحلة البحث عن جلود الأضاحي منذ ساعات الصباح الأولى حتى حلول المساء، فيما تنحصر حرفة الدبغ والتخزين على مصانع محدودة في غزة، تقوم بتنظيف الجلود ودبغها من خلال آلات مختصة، استعداداً لتصديرها وبيعها لمصانع الأحذية وغيرها.
وتعتبر جلود الأضاحي من فئة الأبقار والعجول، من أكثر الأنواع التي تستقبلها مصانع الدباغة في غزة، كون أن غالبية كبيرة من المواطنين يرغبون بذبح العجول أكثر من الخراف، إلى جانب أن جلود الأبقار تتميز بحجمها الكبير وسهولة تنظيفها.
وتواجه مهنة دبغ الجلود بعض العراقيل التي كبدت تجارها خسائر كبيرة، ومنها المترتبة على تعمد إسرائيل خلال السنوات الماضية منع تصدير الجلود إلى أسواق الضفة الغربية والخارج، ضمن خطة ممنهجة لضرب الصناعات الجلدية في فلسطين، ومحاولة إغراق الأسواق الفلسطينية بالمنتجات الإسرائيلية، كون أن منتجات الجلود المصنوعة في مدينة الخليل، تعد من أجود الصناعات وتضاهي الصناعات الإقليمية.
يقول حاتم محيسن 27 عاماً، «أنتظر بفارغ الصبر موسم عيد الأضحى، كي أقوم بجمع جلود الأضاحي من داخل المسالخ المنتشرة في المنطقة الشرقية من غزة، ومن ثم التوجه إلى بيعها بأثمان زهيدة لمصانع الدباغة، التي هي الأخرى تنتظر العيد كي تعيد تشغيل عمالها».
ويشير محيسن لـ«القدس العربي» أن مهنة جمع الجلود والتي تمتد لأيام قليلة فيها منفعة كبيرة، «كوني أحصل على الجلود بدون أي أثمان، ولكن عند بيعها لأصحاب المدابغ، أجلب مبلغا وفيرا من المال على كل قطعة من الجلد غير المهترئة، فأقوم بجمع كميات كبيرة خلال الأربعة أيام من العيد، وأوفر من خلالها مصدر دخل مؤقت لأسرتي».
ويوضح أن الجزارين وأصحاب المذابح في غزة، كانوا في السابق يقومون بإلقاء الجلود في مكبات النفايات، ولكنهم اليوم يقومون بتجميعها داخل المسالخ، إلى حين قدوم عربات تنقلها إلى أماكنها المخصصة.
وبالرغم من أن المهنة القصيرة تعد فرصة لتوفير مصدر دخل لكثير من الشبان وخاصة العاطلين عن العمل إلى أنها شاقة، كون أن الجلود تبقى ملطخة بالدماء وغير نظيفة، وهذا يعرض العاملين فيها للتلوث خلال فترة عملهم الطويلة من الصباح حتى المساء.
في هذا السياق يؤكد الشاب وصفى مطر 39 عاماً أن مهنة جمع الجلود مرهقة للغاية، فهذه المهنة يتم خلالها جمع الجلود الملوثة من بقايا الدماء والروث من داخل المسالخ بطرق يدوية، وهذا بالطبع ينقل لنا الأوساخ خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.
وعن عن ما يجنيه مطر كغيره ممن يعملون في هذه المهنة المؤقتة، يشير لـ«القدس العربي»: إلى أن سعر البيع يكون بالقطعة الواحدة، وتبلغ سعر الجلدة الواحدة التي يشتريها التجار حسب جودتها، فقطعة الجلد التي يكون بها ثقوب تباع بـ 10 شواكل أي 3 دولارات أمريكي، أما قطعة الجلد الخالية من الثقوب تصل إلى 25 شيكل أي 7 دولارات أمريكي، وبكل الأحوال تؤمن هذه المهنة مصدر دخل مؤقت.
في غضون ذلك يقول وليد رجب صاحب مدبغة للجلود في غزة إن عمل المدبغة ينشط خلال فترة عيد الأضحى، حيث تعتبر هذه الفترة من العام هي التي يتم خلالها جلب كميات كبيرة من الجلود لإعادة تدويرها وتصديرها للخارج، ومن ثم إستخدامها في الصناعات الجلدية المختلفة من الشنط والأحذية والملابس.
ولفت رجب لـ«القدس العربي»: إلى أن الجلود تخضع في البداية لعملية تنظيف، حيث يتم تخليصها من بقايا الدهون واللحوم العالقة فيها وغسلها من الدماء، ثم تغمر بكميات كبيرة من الملح وتبقى كذلك مدة معينة قبل أن يتم تجفيفها في الشمس، ومن ثم إرسالها لمصانع أحذية وحقائب سواء داخل غزة او في مناطق الضفة الغربية، وهذه أخر المحطات لتدخل في صناعات مختلفة ويصدر أيضاً منها للعالم.
ويوضح أن الواقع الاقتصادي في قطاع غزة، يلعب دوراً رئيسياً في تشغيل المدابغ وجلب مبلغ وفير من المال من وراء هذه المهنة، ويعود ذلك أيضاً على العمال الذين يوفرون الجلود للمدابغ من المسالخ وشوارع غزة، فعزوف المواطنين عن الأضاحي بسبب الظروف المعيشية الصعبة، يؤثر ذلك على عملية إعادة تشغيل المدابغ وفرصة عمل الشبان في توفير مصدر رزقهم.
وبحسب رجب فإن مدبغته تستقبل خلال أيام العيد ما يقارب من 1500 قطعة جلد غالبيتها من العجول والأبقار، وعملية تنظيف هذه الجلود وإعادة تصنيعها قبل تصديرها وبيعها للمصانع الجلدية، تستغرق قرابة شهرين لأنها تدخل في عدة مراحل قبل تجهيزها للتصنيع.
ويأمل خلال هذا العام أن لا يعيق الجانب الإسرائيلي عملية تصدير الجلود إلى أسواق الضفة الغربية كما فعل في سنوات ماضية، عندما تكدست كميات كبيرة داخل المستودعات نتيجة رفض إسرائيل تصديرها إلى الخارج، ما اضطر إلى بيعها بأثمان منخفضة جداً للمصانع المحلية وهذا عاد علينا بالخسارة الكبيرة.