عاد متمردو الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى الإعلان عن دخولهم بلدة بلدة أبالا الحدودية، وهي مدينة استراتيجية تقع على المحور الرئيسي لإمداد المساعدات الإنسانية
باريس ـ «القدس العربي»: وسط التحذيرات بشأن تفاقم الأوضاع الإنسانية في إثيوبيا، لم يصدر عن جلسة المشاورات المغلقة التي عقدها مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع، بطلب من ست دول في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لمناقشة هذا الموضوع، أي شيء يذكر، فيما أشارت الأمم المتحدة إلى نزوح عشرات الآلاف موضحة في الوقت نفسه أن نحو 40 في المئة من سكان إقليم تيغراي يحتاجون للغذاء، في وقت تجدد فيه القتال في منطقة تشكل بوابة الإقليم.
عقب جلسة مجلس الأمن المغلقة الخميس الماضي، قال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك إن عشرات الآلاف فروا من منازلهم بسبب القتال في مقاطعة عفار، القريبة من الحدود مع إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، موضحاً ان هذه الاشتباكات تحول دون إيصال إمدادات إنسانية عبر الطريق الوحيد المتاح إلى إقليم تيغراي، الذي لم تدخل إليه مساعدات منذ منتصف كانون الأول/ديسمبر عام 2021.
وتتزايد المخاوف من التوقف النهائي للأنشطة الإنسانية في المنطقة اعتباراً من نهاية شباط/فبراير عام 2022 بعد أن تم تقليصها، حيث أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن المنظمات الإنسانية الدولية غير الحكومية قد استنفدت مخزونها من الوقود مما اضطرها إلى «تسليم الإمدادات والخدمات الإنسانية القليلة المتبقية سيرا».
فيما دق برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ناقوس الخطر، يوم الجمعة الماضي، مؤكداً أن نحو 40 في المئة من السكان في منطقة تيغراي يعانون من «النقص الحادّ في الغذاء» في أعقاب خمسة أشهر من الصراع. ويعاني 83 في المئة من سكان الإقليم الإثيوبي من انعدام الأمن الغذائي، بما في ذلك 13 في المئة من الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات.
وأوضح برنامج الأغذية العالمي أن العائلات تستنفد كل الوسائل لإطعام نفسها، ويلجأ ثلاثة أرباع السكان إلى استراتيجيات تأقلم قاسية للبقاء على قيد الحياة، محذراً من تدهور الوضع الغذائي في منطقتي أمهرة وعفر المجاورتين اللتين تضررتا بشدة من القتال في الأشهر الأخيرة. فبعد أن انسحبوا نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي من عفار إلى منطقتهم تيغراي، في خطوة أثارت الآمال في تحقيق اختراق نحو السلام، عاد متمردو الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى الإعلان بداية هذا الأسبوع عن دخولهم بلدة أبالا الحدودية، وهي مدينة استراتيجية تقع على المحور الرئيسي لإمداد المساعدات الإنسانية.
وقالت الجبهة في بيانها الذي صدر مساء الثلاثاء إنها اضطرت لاستئناف القتال في عفار لمواجهة «التهديد» الذي تشكله القوات الموالية للحكومة الفيدرالية الإثيوبية التي تتهمها بتكثيف هجماتها على مواقعها، وهي أعمال يعتبر المتمردون أنها تهدف إلى «عرقلة العمليات الإنسانية» تجاه تيغراي. في المقابل، اتهمت الحكومة متمردي تيغراي بـ«مهاجمة» عدة مواقع، بما في ذلك بلدة أبالا الواقعة على الحدود بين عفار وتيغراي، وبالتالي قطع المحور الرئيسي الذي يمكن استخدامه لإيصال المساعدات الإنسانية.
وعليه، فإن المعسكرين يحملان بعضهما البعض المسؤولية مع اتهامات ما يزال من الصعب التحقق منها لأن المنطقة يكاد يتعذر الوصول إليها وما تزال الاتصالات السلكية واللاسلكية مقطوعة هناك. فالأمر الوحيد المؤكد حتى الآن، هو أن أبالا حصن استراتيجي، كونها البوابة الوحيدة الممكنة اليوم للنقل الإنساني إلى تيغراي، حيث يعيش مئات الآلاف من الناس في ظروف قريبة من المجاعة وفقًا للأمم المتحدة.
وكانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، قد أوضحت، عندما انسحبت إلى تيغراي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، أنها تريد فتح الباب أمام المساعدات الإنسانية لهؤلاء السكان. ومع ذلك، ووفقًا للأمم المتحدة، فقد وصل توزيع المواد الغذائية منذ ذلك الحين إلى «أدنى مستوى على الإطلاق في تيغراي» حيث لم تتمكن أي شاحنة من دخولها منذ 15 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
واشنطن، عبرت عن قلقها الشديد حيال إعلان متمردي تيغراي استئناف المعارك في منطقة عفار، مرحّبةً في الوقت نفسه بقرار رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد رفع حالة الطوارئ المرتبطة بالحرب على الرغم من استئناف الأعمال العدائية.
وقد سمحت حالة الطوارئ هذه للسلطات الفيدرالية الإثيوبية بالاعتقال والتفتيش دون أمر قضائي، حيث اعتُقل عشرات الآلاف من سكان تيغراي خلال هذه الفترة فيما تصفه منظمة العفو الدولية بالاعتقالات ذات الدوافع العرقية. الهدف الآخر لحالة الطوارئ هذه هو حشد الآلاف من رجال الميليشيات لحماية العاصمة أديس أبابا من زحف المتمردين التابعين للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
فيما عدا ذلك، تغير الوضع العسكري كثيراً من الفترة بين تشرين الثاني/نوفمبر واليوم، إذ أتى الهجوم المضاد للحكومة ثماره، وأصبح الوضع الأمني الآن أكثر استقرارا في شمال البلاد. فتراجع قوات جبهة تحرير تيغراي إلى إقليم تيغراي خفف كثيراً من الضغط على رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي يسعى حالياً إلى طمأنة المستثمرين والشركاء بشأن إثيوبيا التي ما تزال في حالة حرب.
ويؤكد أبي أحمد أنه يسعى لتطبيع الأوضاع خاصة قبل قمة الاتحاد الأفريقي التي ستنعقد في أديس أبابا مطلع شباط/فبراير المقبل. لكن الحرب لم تنته بعد، ولم يتم التفاوض على وقف لإطلاق النار، كما تواصل الحكومة غاراتها بطائرات من دون طيار على تيغراي، ولذلك فإن متمردي تيغراي منهمكون أيضًا في القتال، ولا سيما في منطقة عفار، بالقرب من حدود جيبوتي.