تجدد مفاوضات التهدئة واستمرار لاءآت حكومة نتنياهو

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة -«القدس العربي»: كعادتها لم تظهر حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، أي اكتراث للجهود التي بذلها الوسطاء خلال الأيام الماضية، بهدف إنهاء الحرب على غزة، والتي تكللت بتوافق فتح وحماس على إيجاد لجنة لإدارة قطاع غزة، وهو ما يزيل تماما الحجج الإسرائيلية الرافضة للانسحاب من القطاع، لعدم تركه من جديد لحكم حماس. ولجأت حكومة تل أبيب للمماطلة من جديد بخصوص ملف التفاوض، بتسريبات عن إرسال وفد قريب للقاهرة، في الوقت الذي كانت فيه توسع من رقعة هجومها البري على غزة، ويقوم كبار مسؤوليها بالإعلان عن نوايا الإبقاء على احتلال القطاع.

إزالة الحجج

فقد شهد الأسبوع الماضي تطورا مهما على الصعيد الفلسطيني الداخلي، تمثل في اتفاق فتح وحماس، بعد عقدهما عدة جلسات في العاصمة المصرية القاهرة، على تشكيل لجنة تتولى مهام إدارة قطاع غزة، وبات هذا الاتفاق الذي سيعرض على الرئيس محمود عباس، لإصدار مرسوم بتشكيلها، لتكون اللجنة جاهزة للعمل في اليوم التالي للحرب.
ويدور الحديث أنه وفقا لتفاهمات الطرفين في القاهرة، ستجري اتصالات أخرى في الفترة القريبة المقبلة، بالرعاية المصرية، للبحث في تفاصيل أخرى تخص تشكيل للجنة، وكل ما يخص عملها المساند للحكومة في رام الله التي يترأسها الدكتور محمد مصطفى، وستكون هذه اللجنة جاهزة للعمل بطاقم موظفي السلطة الفلسطينية الذين كانوا على رأس عملهم قبل سيطرة حماس على غزة، لإدارة ملفات الحياة في غزة، ومن ضمنها المعابر.
وحسب مسودة الاتفاق التي جرى التوافق عليها، فإن اللجنة تتشكل من عشرة إلى خمسة عشر عضوا، من شخصيات تمتع بالكفاءة، على أن تتولى مهام العمل في منافذ القطاع مع الجانب الإسرائيلي وإعادة تشغيل معبر رفح بين غزة ومصر، وفقاً لاتفاق عام 2005 والإشراف على ملفات الصحة والتعليم والزراعة والإسكان وغيرها من الملفات الخدماتية.
وعمليا، من المفترض أن يزيل هذا الاتفاق بتشكيل اللجنة، الحجج الإسرائيلية، التي كانت ترفض الانسحاب من القطاع، لعدم اتاحة الفرصة أمام حركة حماس للعودة من جديد لإدارة القطاع، كون أن مسؤولية قطاع غزة ستؤول إلى السلطة الفلسطينية.
ومن أجل التهرب من الضغوط الخارجية التي تمارس عليها، ومن الانتقادات الدولية ضدها، عملت دولة الاحتلال على الترويج عن تراجع في مواقفها، وتحدثت عن إمكانية عقد “صفقة صغيرة” تمتد فيها التهدئة لعدة مراحل، بدون الحديث عن إنهاء كامل للحرب، ولذلك زعم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، وجود مؤشرات على تقدم في صفقة لتبادل الأسرى مع حركة حماس، فيما كان الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، يشير إلى وجود “مفاوضات تجري من وراء الكواليس لإعادة الأسرى من قطاع غزة”.
وفي مسعى منها للتسويف كما المرات السابقة، دخلت حكومة الاحتلال في مفاوضات غير مباشرة مع حماس، عن طريق الوسطاء، ضمن محاولات الترويج لصفقة تبادل ووقف إطلاق نار مع حماس، خاصة بعد الكشف عن مقترحات جديدة ناقشتها أركان حكومة تل أبيب، وقامت بإرسالها للوسيط المصري.
ورغم حديث تقارير عبرية عن إمكانية التوصل لاختراق سياسي مع حماس نحو اتفاق، إلا أنه من غير المتوقع أن يزيل الجانب الإسرائيلي أي من شروطه السابقة التي أفشلت مفاوضات التبادل، وحكمت على جميع المفاوضات السابقة بالانتهاء بدون أي نتائج، وذلك بالاستناد إلى توقع حكومة اليمين أن تلاقي دعما كبيرا من الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب، الذي يؤيد سياسات تل أبيب بشكل كبير.

مقترحات التهدئة الجديدة

ويؤكد ذلك، ما كشفه موقع “والا” العبري، بان إسرائيل قدمت إلى حركة حماس عبر مصر مقترحا محدثا لصفقة تبادل تشمل إطلاق سراح الأسرى ووقف إطلاق نار مؤقت. وحسب ما نشر فقد قامت إسرائيل بتقديم الخطوط العريضة المحدثة للاتفاق، وحسب ما نشر فإن المقترح الإسرائيلي الجديد لا يختلف بشكل كبير عن المقترحات التي تمت مناقشتها سابقا، ويركز على محاولة تنفيذ المرحلة الأولى من الصفقة التي تم التفاوض عليها في آب/أغسطس الماضي، والتي لم تؤت ثمارها في النهاية ولم تخرج لحيز التنفيذ.
ونقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين كبار، قولهم إنه تم الاتفاق على المقترح الإسرائيلي المحدث في مناقشة عقدها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مع عدد من كبار الوزراء ورؤساء المؤسسة الأمنية، حيث تم نقل مبادئ الخطوط العريضة المحدثة إلى مسؤولي المخابرات المصرية، وقاموا بعرضها على ممثلي حماس في المحادثات التي عقدت في القاهرة يومي الإثنين والثلاثاء.
ويتضمن المقترح المحدث استعداد إسرائيل لوقف إطلاق النار بين 42 إلى 60 يوما، وإطلاق سراح جميع النساء اللاتي ما زلن على قيد الحياة ومحتجزات لدى حماس، وجميع الرجال الأحياء الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاما والذين تحتجزهم حماس، بالإضافة إلى المختطفين الذين هم في حالة صحية خطيرة، ولا يحمل المقترح المقدم أي حديث عن انسحاب من غزة، أو وقفا كاملا للحرب المستمرة، بل يتحدث عن هدن محددة الوقت.
وبدا واضحا أن إسرائيل تعتمد في تهربها وشروطها المستمرة، على دعم كبير من الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب، خاصة وأنه كان قد أرسل تهديدا علنيا، حين ثال في منشور على موقع التواصل الاجتماعي الذي يملكه، إنه إذا لم تطلق حماس سراح الأسرى الإسرائيليين، بحلول موعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة في 20 كانون الثاني/يناير المقبل، “فستكون هناك عواقب وخيمة في الشرق الأوسط” واختتم ترامب تهديداته بالقول “سيتعرض المسؤولون عن هذه الفظائع لضربة أقوى من أي ضربة شهدها التاريخ الطويل والحافل للولايات المتحدة أطلقوا سراح الأسرى الآن”.
وقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية “مكان” أن إسرائيل تنتظر رد حركة حماس على الخطة الجديدة الرامية إلى إبرام صفقة تبادل، ووقف إطلاق نار في قطاع غزة، وربطت مصدر الهيئة قرار إرسال وفد إسرائيلي إلى القاهرة، برد حماس، وفي ذات الوقت أكدت تلك الهيئة الإعلامية الرسمية، وهي تشير إلى ضرورة تراجع حكومة تل أبيب عن شروطها السابقة، أنه بدون قرار إسرائيلي بالانسحاب الجزئي من غزة، أو وقف الحرب، لن يطرأ أي تقدم للتوصل إلى صفقة.
والجدير ذكره أن الحديث في هذا الوقت يدور عن اتفاق يقوم على وقف لإطلاق النار مدته 42 يوما في المرحلة الأولى، وإعادة فتح معبر رفح، ورجوع النازحين إلى أماكن سكناهم في شمال قطاع غزة، وحسب ما كشف، فسيتم خلال هذه الفترة عقد صفقة تبادل يتم فيها إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين والمعتقلين الفلسطينيين، وسيتم استئناف المفاوضات بشأن شرط وقف دائم لإطلاق النار، وكجزء من الاقتراح أيضًا، سيخفض الجيش الإسرائيلي وجوده في “محور فيلادلفيا” من دون أن ينسحب منه بالكامل، بالإضافة إلى ذلك، فإن إطلاق نار دائم سيتم تأجيل مناقشته إلى المرحلة الثانية من الصفقة.

شروط اليمين المتطرف

لكن في المقابل، كان وزراء الأحزاب المتطرفة في حكومة اليمين، يرفضون أن تشمل أي صفقة قادمة وقفا كاملا للحرب، أو انسحابا شاملا من قطاع غزة، ولذلك لا يتوقع أن تكون لزيارة الوفد الإسرائيلي المنتظرة إلى القاهرة أي نتائج، في ظل استمرار الشروط الإسرائيلية السابقة، التي ترفض التوصل إلى تهدئة كاملة ومتواصلة ودائمة، وتتحدث عن تهدئة محدودة بمدة زمنية ولا تشمل انسحابا من قطاع غزة، أو تعهدا بذلك في المستقبل.
ودللت على ذلك تصريحات الوزير المتطرف بتسلئيل سموترتش، حين أعلن في تصريحات جديدة جاءت في خضم الحديث عن قرب توجه الوفد الإسرائيلي المفاوض إلى القاهرة “أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في قطاع غزة لفترة طويلة” معتبرا ذلك “جزءا من أهداف الحرب لضمان الأمن”.
ورفض المتطرف سموترتش الذي يتزعم حزب “الصهيونية الدينية” في تصريحات نقلتها هيئة البث الإسرائيلية، تقديرات الجيش التي قالت إن “الحكم العسكري لغزة سيكلف 6.8 مليارات دولار أمريكي سنويا” مدعيا أنه “سيكلف بضعة ملايين”. وقال “السيطرة العملياتية الفعالة طويلة الأمد على غزة كانت محددة كهدف في مجلس الحرب، وهي ضرورية لمنع التهديدات لإسرائيل”.
أما الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، فقال إن إسرائيل ستعرض على الرئيس دونالد ترامب خطة لتشجيع الهجرة والاستيطان في غزة، وذلك بعد أن جرى الكشف أن هذا الوزير لديه خطوط حمراء بشأن صفقة التبادل، ولن يسمح بوقف كامل للحرب.
وكان تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” كشف بعد الاستعانة بصور لأقمار صناعية، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يشرع ببناء قاعدة عسكرية دائمة في وسط غزة ويقصد “محور نتساريم” بالتوازي مع هدم أكثر من 600 مبنى في المنطقة، ورصدت تلك الصور تسريعا لأعمال بناء هذه القاعدة، ما يؤشر إلى أن الجيش الإسرائيلي يخطط لوجود طويل بالقطاع، ولا ينوي الانسحاب قريبا.
وبما يدلل على ذلك، كان هذه المرة كما كل مرة اختيار إسرائيل الحديث بلغة الحرب، فوسعت من رقعة التوغلات البرية لتشمل مناطق تقع على الحدود الشرقية لمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، والمناطق المجاورة لها على حدود مدينة خانيونس الشرقية.
وجاء هذا من خلال تهديد أرسله جيش الاحتلال لسكان تلك المناطق بالنزوح القسري، كما كان قد فعل قبل أيام مع سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ومن قبل مع سكان الأحياء الشمالية الغربية للمدينة أيضا، وهو ما قلص من حجم المساحة الضيقة التي تعيش بها 2.2 مليون من سكان القطاع.
وترافقت أوامر الإخلاء القسري، مع قيام قوات جيش الاحتلال بتصعد هجماتها العسكرية ضد القطاع، فاقترفت سلسلة مجازر دامية طالت منازل مأهولة بالمدنيين ومراكز إيواء، فأوقعت مئات الضحايا، ودمرت الكثير من المنازل أحرقت الصواريخ عشرات الخيام أيضا.

مطالب حماس

ولذلك شددت حركة حماس في بيان صحافي، أنه لا بديل عن وقف العدوان وانسحاب الاحتلال وعقد صفقة تبادل، وقللت من أهمية خضوعها للضغط العسكري، وقالت “إن مقتل المزيد من أسرى الاحتلال على يد جيشهم يؤكّد فشل نظرية نتنياهو بتحرير الأسرى بالقوة، وأن الضغط العسكري لا يحرر أسراه بل يقتلهم”.
وقال باسم نعيم عضو المكتب السياسي للحركة، بعد الكشف عن عودة جهود الوساطة، إن حماس متمسّكة بالمطالب الأساسية التي تشبثّت بها خلال الجولات السابقة من المفاوضات، بما في ذلك تطبيق وقف دائم لإطلاق النار، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وحق الفلسطينيين النازحين داخلياً في غزة في العودة إلى منازلهم.
لكنه أشار إلى أن الحركة “مستعدة لإظهار مرونة” بشأن تنفيذ ذلك، بما يشمل الجدول الزمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأجزاء الرئيسية بقطاع غزة.
والجدير ذكره إنه إلى جانب السلاح الناري والقنابل المدمرة، كانت قوات جيش الاحتلال تستخدم سلاح الجوع، فأبقت على تشديد الحصار على غزة، وحالت دون وصول كميات وافية من المساعدات لسكان وسط وجنوب القطاع، فيما أبقت على منع دخول أي مساعدات لا غذائية ولا طبية لسكان الشمال (غزة وبلدات بيت حانون وبيت لاهيا ومنطقة جباليا).
وزادت بسبب هذه السياسات معدلات الجوع بشكل مخيف جدا، وهو أمر تحدثت عنه وأكدته منظمات أممية ناشطة في قطاع غزة.
ولذلك حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” من تدهور “الأمن الغذائي” في قطاع غزة، بسبب انخفاض أعداد شاحنات البضائع التي تمر للقطاع، وأكد أن الفلسطينيين في القطاع يضطرون إلى النزوح مرارا وتكرارا، فيما يواجهون شحا في الغذاء والماء.
وأكدت الأمم المتحدة أن شركائها يحذرون من الأضرار اللاحقة بنظم الغذاء المحلية بسبب العمليات العسكرية البرية وقصف المناطق السكنية ووجود عبوات غير منفجرة، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، أنه مع تدهور الأمن الغذائي في أنحاء قطاع غزة، وصل عدد الشحنات التجارية التي تمر إلى القطاع إلى أقل مستوياتها منذ شهور، بما يندر بوجود الغذاء الطازج واللحوم، وأكد أنه في حال وجدت تكون أسعارها باهظة بشكل كبير، وأوضح أنه على سبيل المثال، يمكن أن يصل سعر كيس دقيق القمح في وسط غزة إلى 200 دولار أمريكي، فيما يصل سعر كرتونة البيض إلى 100 دولار، وأشار إلى أن برنامج الأغذية العالمي، يؤكد أن أي طعام تقريبا لم يصل منذ 50 يوما إلى المناطق المحاصرة في محافظة شمال غزة وهي بيت لاهيا وبيت حانون وجباليا.
وجاء ذلك بعد أن أعلنت منظمة المطبخ المركزي العالمي، عن تعليق عملياتها في غزة بعد تعمد جيش الاحتلال قتل أحد العاملين فيها، وهي منظمة تمول مطابخ توزع طعاما مطبوخا على النازحين والذين فقدوا عملهم جراء الحرب، ويعانون من عدم توفر الطعام في الأسواق، بسبب الحصار الإسرائيلي، وهو أمر ترافق مع قرار أعلنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” يقضي بتعليق عمل استلام وايصال المساعدات الإنسانية، من خلال عبر معبر كرم أبو سالم، بسبب ظروف الحرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية