تجوّلت في يافا بثقة كبيرة رغم وجود المستوطنين رائدة طه: أنا صاحبة قضية ولا أعيش ترف الفن ومشروعي المقبل غسان كنفاني

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: باتت تحترف نكش الذكريات المنتشرة في كل زوايا فلسطين. تُخرجها إلى النور، وتعجنها وتخبزها بمشاعر إنسانية مرهفة. والهدف ليس الذكريات والجذور وحسب، بل هو دور اختارت أن تقوم به على المسرح، لتروي حكايات وطنها التي لا تنضب. رائدة طه الكاتبة والممثلة والمخرجة في سعي دائم بحثاً عن جديد تقدمه للجمهور الذي ينتظر عروضها في بيروت بشغف، وفي بعض البلدان العربية المتاحة، لاستقبال هذا النوع من الفن الهادف والملتزم. وبعد فيلم «عودة عايدة» ومسرحية «شجرة التين» تستعد رائدة طه لعمل مسرحي جديد إنه «غسّان كنفاني».

مع رائدة طه هذا الحوار:

○ كنت بطلة الفيلم الوثائقي «عودة عايدة» إلى جانب عايدة هل هو ظهورك الأول كممثلة على الشاشة الكبيرة؟
•بل ظهرت في فيلم حكى قصتي وقصة علي والدي عنوانه «مطاردة الأشباح» أخرجته عزّة الحسن من فلسطين. يعود هذا الفيلم لـ20 سنة مضت، وكان شبيهاً بالعلاج، واستجاب لحاجتي برواية قصتي الخاصة. بغض النظر عن وسيلة التعبير سواء مسرحية أو فيلم سينمائي نحن حيال قضية وطنية عمرها 75 سنة ولا تحتاج لإثبات. وهي قضية ولاّدة للقصص والحكايات.
○ وما هو حافز حضورك في كل من هذين الفيلمين؟
•»مطاردة الأشباح» شكل علاجاً كما سبق القول، فأحدنا يعيش إلحاحاً برواية قصته للآخرين. بالنسبة لي وبغض النظر عن شريط سينمائي أو مسرحية «ألاقي زيك فين يا علي» أو أي عمل قدمته أو سوف أقدمه، ليس هدفه إثبات المُثبت في روايتنا الفلسطينية. بل المهم أن هذه القضية خلّفت لنا الكثير من القصص والحكايات التي تستحق أن نحكي عنها. وكذلك الأحداث والناس الذين كانوا جزءاً من الظلم والاستبداد الذي وقع عليهم ودفعوا الثمن غالياً، ويستحقون أن نروي قصصهم. منهم من استشهد كما والدي، ومنهم من طُرد وهجّر ومنهم من اُسر، فهذه مواضيع من الضروري روايتها بغض النظر إن كانت معروفة أو غير معروفة من الآخرين. تماماً كما جهل رئيسة المفوضية الأوروبية التي شكرت إسرائيل، والتي حسب زعمها حوّلت الصحراء إلى جنّة. من المؤسف أنها حتى الآن لا تعرف الحقيقة.
○ هناك من قرر النأي بنفسه عن معرفة الحقيقة؟
•لا يريدون المعرفة ولا يريدون الإقرار بالواقع. إنه العمى المُستقصد.
○ تمتعت بثقة مطلقة وانت تجوبين مدينة يافا بحثاً عن منزل عايدة عبود. ما هي الدوافع؟
•في أي مكان في فلسطين أتجوّل بحرية مُطلقة. في كل شبر منها وخاصة في مناطق ما يُسمّى الـ48 أشعر بثقة عميقة أني في بلدي، ومن حقي التجول فيه حيث وكيفما أريد. وذلك رغماً من كل المشهد المحيط بي من المحتلين لأرضي. ثقتي بنفسي تزداد حين أرى المحتلين وأشعر بامتلاكي لكل جزء من وطني. شعرت بواجب حيال فيلم «عودة عايدة» وبأنه جزء من قضيتي. أن أعيد صاحبة حق هُجّرت رغماً عنها حتى وإن كانت العودة لرمادها، فهذا بالنسبة لي واجباً إنسانياً ووطنياً وسياسياً أيضاً. يحول المحتل دون عودة اللاجئين، فهم إن لم يعودوا على قيد الحياة، سيعودون وبأي ثمن.
○ كنت في لحظات بهجة وأنت تحملين رماد عايدة. هل هي بهجة عايدة غير المرئية أيضاً؟
•حين دفنت رمادها حدّثتها وأخبرتها بعودتها إلى مكانها الطبيعي. كنت حزينة لموتها رغم عدم معرفتي الشخصية بها، فإبنتها المخرجة كارول منصور صديقتي. بالنسبة لي للعودة بهجتها مهما كانت.
○ دفت رماد عايدة في ثلاثة أماكن من يافا. في أيها شعرت بالانتصار الكبير؟
•في المنزل الذي شكّل ذاكرتها، والحلم المتواصل بالنسبة لها منذ تهجيرها القسري. عودتها للمكان الذي ولدت ونشأت فيه له أثر بنفسي، خاصة وأنه مُحتل ومُغتصب من المستوطنين الصهاينة. يليه ذرّ رمادها في البحر، فيما الدفن في المقبرة حق لأي ميت.
○ لنفترض وجود المحتلين في المنزل فكيف كنت يتتصرّفين؟
•هذا السيناريو كان في الحسبان. فنحن في رحلة بحث عن مكان لا نعرفه. مع اكتشافنا للمنزل ودخوله تحسّبنا لكافة الاحتمالات. كنّا نُدرك أننا سنُمنع من دخول الحديقة، وأن مشكلة كبيرة سوف تحصل. لكن المحاولة كانت ستتكرر حتى نجاحنا في دفن رماد عايدة في حديقة منزل والديها.
○ هل يمكنك أن تتخيلي كم من اللاجئين الفلسطينيين يحلمون بتحقيق ما حققته المخرجة كارول منصور لوالدتها؟
•في المبدأ يتمنى كل لاجئ فلسطيني العودة إلى منزله وذكرياته حياً. نطمح ونطمع بأن يستعيد الفلسطيني كافة حقوقه الوطنية وهو على قيد الحياة. بهجة العودة تحق لكل إنسان على قيد الحياة.
○ لماذا خاطبت والدتك من يافا؟
•والدتي من مدينة يافا وهي في عقد الثمانين. طلبت منّا أن تزور يافا كوداع لمكان ولادتها الذي طُردت منه سنة 1948 لتعيش في القدس، لكنّها مُنعت.
○ أين مسّك فيلم عودة عايدة؟
•هو ليس بعمل بطولي ولا استثنائي بل طبيعي. قمت بما أملته نشأتي وتاريخي. نشأت على مفاهيم ومبادئ لا تراجع عنها هي الحرية والعودة والعدالة والحق.
○ لدى عرض الفيلم في بيروت انشغل كثيرون بحُلم عودة رمادهم أو البحث عن منازلهم في فلسطين. هل وردتك طلبات مماثلة؟
•بل إحدى المشاهدات للفيلم سألتني أمام الجميع بعد العرض عن إمكانية إيجاد منزل ذويها في يافا؟ فمازحتها بأني سأفتح وكالة لهذا الغرض.
○ إنه الحنين الذي يراود المبعدين عن أماكنهم قسراً خاصة مع التقدّم في العمر؟
•طبعاً. ويجب أن نكون أكيدتين أنت وأنا بأن كل صاحب حق سيبقى باحثاً عنه مهما طال الزمن. كثير من الفلسطينيين المهجّرين حصلوا على جوازات سفر أجنبية وعادوا للبحث عن منازلهم وممتلكاتهم. وبعضهم لم يجد أثراً لها. ومن وجد منزله مُنع بالقوة من زيارته. وتألمّ لأن ذكرياته حية رغم مرور الزمن في ذهنه. ومن لم يولد في فلسطين عاد ليبحث عن منزل والديه وعن تاريخه، وجذوره، وهذا مهم.
○ كم شكّل المسرح علاجاً بالنسبة لك؟
•مررت بمراحل نفسية متعددة بعد استشهاد والدي وكنت حينها بعمر السبع سنوات. وبعمر الخمس والعشرين سنة بدأت أعيش المراحل الطبيعية للحزن. نشأت على الفخر بوالدي، وكان مع غيره من الشهداء أيقونات. مع تكوّن الوعي عندي مررت بمراحل نفسية طبيعية لأي فتاة فقدت والدها طفلة. إنه نوع من العتاب واللوم والسؤال لماذا تركني؟ وسيل من الأسئلة إن كانت فلسطين تستحق ما حصل؟ أسئلة تركت قيود الأيقونة تتكسّر، وترافقت بمحاولة للحوار معه وتوجيه الأسئلة المباشرة له. وإن كانت فلسطين تتطلب كل هذا العطاء والتضحية؟ في عمري الحاضر الجواب عن كافة الأسئلة هو نعم. فالقدس غالية على قلب علي، واستحقت منه روحه. وبدوري أقول فلسطين تستحق الكثير، وذلك رغم مشاعر الألم والغضب والحرمان والفقد التي عشتها تباعاً. سلسلة المراحل التي مررت بها تركتني أسأل وبجرأة بحثاً عن اجابات. وجدت الكثير من الإجابات وأهمها أن فلسطين حق لنا، ونحن ندافع عن حقنا بها، وعن ذكرياتنا، ومسقط رأس كل منا، وكافة الحقوق الطبيعية والبسيطة التي حُرمنا منها بعد التهجير.
○ التعبير الشخصي والمباشر في مسرحية «شجرة التين» هل حقق توازناً نفسياً بالنسبة لك؟
•شاهدت القدس بعيني والدتي التي أخبرتني القصص. وأخذت التضحية من علي. وعندما كبرت شاهدت القدس بعيني وأحييت ذاكرتي الخصبة، شعرت أن علي ما زال يعيش فيها، ووجوده كبير. سألت الناس عنه وجدتهم يتذكرونه. كنت بحاجة للانتماء وللبحث عن ذاتي في هذا المكان الذي أهدى علي روحه لأجله. كنت في رحلة يتجاذبها الفرح والألم معاً. رأيت أن العودة للقدس لها طريق، ودعوت الناس للعودة. العودة كلمة يجب أن تحتل وعينا، حيث لكل منا كفلسطينيين قدرة مختلفة ومتفاوتة للعودة بفعل الاحتلال. يفترض أن تكون العودة قدراً لكافة الأجيال، وأن تتلازم مع المقاومة وبشتى السبل، بخاصة مقاومة عدم النسيان. وأن تبقى القدس وفلسطين في بالنا فهذا نوع من المقاومة.
○ يبدو أن نبعاً من الذاكرة يسري في عروقك. فما هو التالي المقبل عن ومِن فلسطين؟
•الحرمان من الحق يُعزز الذاكرة ويغذيها، ولهذا استولدت مأساة الشعب الفلسطيني الكثير من الآثار. كما أن الحرمان يضفي نضجاً على أي تعبير يصدر عن الإنسان الذي تعرّض وما يزال لهذا الإبعاد القسري عن موطنه. إنه النضج على كافة مستويات وسائل التعبير. ويغتني التعبير بغنى قصص القضية الفلسطينية. إذاً هو المكان وقصته والناس الذين شرِّدوا منه عبر المجاز التي ارتكبت بحقهم، وهذا ما يوقظ لديهم وعياً ليس متاحاً لكافة الناس، وينضجهم قبل أوانهم. اخترت المثابرة في تقديم أعمال مسرحية من الرواية الفلسطينية، وهو جزء لا يذكر من المساهمة المطلوبة من كل منا. مشروعي المقبل حياة غسّان كنفاني.
○ متى وأين وماذا عن مراحل الاستعداد؟
•أنا في مرحلة التوثيق والكتابة وبالتعاون مع فريق، في طليعتهم المخرج جُنيد سري الدين الذي تعاونت معه في مسرحية»36 شارع عبّاس» وهو من سيتولى إخراج مسرحية غسان كنفاني. وإن سارت الأمور كما هو مخطط لها سيكون العمل جاهزاً في شهر تشرين الأول/اكتوبر. وسيتم بالتعاون وبشرف كبير مع آني كنفاني وليلى وفايز غسان كنفاني.
○ حجم التعبير الفني في فلسطين والشتات سواء بالسينما والمسرح والأغنية وغيرها مزدهر. فكم يصل برأيك لمن أقفلوا على ذاتهم باب المعرفة؟
•نعم ازدهرت وتعممت وسائل التعبير من مرئية ومسموعة. وأهم ما فيها أن العالم بات يصفق للفلسطيني ليس لكونه فلسطينياً فقط، بل لأن إنتاجه بات على مستوى عالٍ وراقٍ، وهذا من أهم متطلبات الفن. فليس على سبيل العاطفة يمكن التصفيق لكلمة فلسطين بل للمستوى الفني. للسينما في فلسطين حيزها الكبير، فيما المسرح أقل حضوراً. الصهاينة لم يحتلّوا الأرض فقط، بل وجّهوا ضربة قوية للنسيج الثقافي والاجتماعي، فبات حيال بتر كبير. أن يستعيد الفلسطيني نفسه وقدراته وفنه رغم كل ما يحيط به وبرقي وعمق، فهذا بحد ذاته إنجاز كبير. الرحلة طويلة، و75 سنة من عمر التاريخ ليست بالكبيرة. التعبير سيستمر بالفن التشكيلي والسينما، والموسيقى والأدب شعراً ورواية. ومع الجيل الجديد سينتقل التعبير إلى أماكن رائعة وراقية.
○ كممثلة هل من حدود لمشاركتك في السينما؟
•أوافق على عمل سينمائي ملتزم. فأنا صاحبة قضية حق وأخلاق، وأشعر أن كل منا عليه أن يُعطي من نفسه لتأسيس تراكم حولها. لست أعيش ترف الفن، رغم شغفي بتقديم أشياء بسيطة وعادية تكون من ضمن نطاق التزامي.
○ وختاماً؟
•رغم كل التقاعس العربي والعالمي لا بل التآمر، فلن تنجح إسرائيل بمحاربة أحلامنا وذكرياتنا. لن تتمكن من محاربة تصميمنا على العودة وانتزاع حقوقنا، ولن تقتل التصميم والإرادة، رغم وحشيتها غير المسبوقة، وحروبها الإجرامية غير المتعادلة وغير العادلة ضد الشعب الفلسطيني. للظلم نهاية والصحيح سيصح. علينا بالوعي، وتوجيه كافة طاقاتنا نحو قضيتنا المحقة، وبكافة السبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية