تحت أكثر من سماء… المغرب كما رآه أمجد ناصر

لم تنفك تجربة الكتابة عند الشاعر الأردني أمجد ناصر عن تجربة السفر والترحال بين الجغرافيات. ويمكن لقارئ هذه النصوص الرحلية، التي تتسم في آن بوفرتها واختلاف وتعدد أساليبها اللغوية والسردية، أن يحيط علما بأن السفر عند الشاعر الأردني ليس محض انتقال فيزيقي، وإنما ارتحال بين التواريخ والذهنيات والتقاليد، وأنماط الحضور في العالم، علاوة على توقها إلى القبض على اللافت والمدهش، واكتشاف العابر.
وبصرف النظر عن الأعمال التي احتفى بها الشاعر بجنس الرحلة، وأقصد تحديدا «خبط الأجنحة» الصادر عام 1996 و«تحت أكثر من سماء» 2002 و«رحلة في بلاد ماركيز» 2012، فإن الاحتفاء الشعري بالأمكنة والجغرافيات يبقى سمة دالة وجوهرية في الكون الإبداعي، وتستوى في ذلك أعماله الشعرية «مديح لمقهى آخر»، «وصول الغرباء»، «حياة كسرد متقطع» و«أثر العابر»، وأعماله السردية وأشدد تخصيصا على «حيث لا تسقط الأمطار» و«خذ هذا الخاتم» و«هنا الوردة».
يهمني أن أقترب من كتاب «تحت اكثر من سماء»، الذي نشر لأول مرة في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» المغربية قبل أن يضمه أمجد إلى كتابه «تحت أكثر من سماء» الذي صدر عام 2002 عن منشورات المجمع الثقافي في أبو ظبي، والذي خصصه الكاتب لرحلاته إلى اليمن وعمان والمغرب وسوريا وكندا. وسوف يكون تركيزي على الفصل الخاص برحلته إلى الدار البيضاء، الذي اختار له عنوانا مشحونا بالدلالات: رحلة إلى الدار البيضاء مجيء الزمن المغربي. تتمثل أهمية هذه الرحلة في اقترابها المكثف من جهة من إشكالية العلاقة بين المشرق والمغرب في الثقافة العربية، ولأنها تسلط الضوء من جهة اخرى على مكون لافت للنظر في السيرة الحياتية والثقافية للشاعر الأردني، التي تهم تحديدا الصلات التي احتفظ بها مع المغرب الثقافي العربي.
غير خاف في هذا السياق أن أمجد ناصر مثل استثناء دالا في ما يهم التعاطي المشرقي، مع معضلة العلاقة بين المشرق والمغرب، علاوة على إشكالية العلاقة بين أجيال، أو حساسيات الكتابة. وغير خاف في هذا السياق أن اختيار أمجد ناصر الإنصات إلى ثلاث تجارب، أو محطات في الكتابة الأدبية المغربية، وأقصد محمد بنيس وحسن نجمي وهشام فهمي، تؤشر إلى رغبة في تخصيب ودمقرطة الحديث في ما يخص إشكالية العلاقة بين مشرق الثقافة العربية ومغربها، والابتعاد به قدر المستطاع عن التنميط والجاهزية، والتبسيط، وسطوة الأحكام المسبقة الجاهزة.
سوف يسلك الشاعر نهج الشفافية والمباشرة والموضوعية، والابتعاد قدر الإمكان عن المهادنة والمجاملة ولغة الخشب، في سياق اقترابه من المشكلات التي تشكل السماد الخصب للمسبقات السلبية، التي أتيح لها أن تسود وتهيمن على العلاقة بين مشرق الثقافة العربية ومغربها. نشير على سبيل التمثيل، إلى ما يدعوه أمجد بشكوى المغاربة من التعالي المشرقي، التي تستلزم بداهة هذا النزوع اللافت عند بعض الكتاب المغاربة إلى استجداء الاعتراف والحضور من الآخر المشرقي. يرفض أمجد ناصر فكرة التقاطب الحاد بين المشرق والمغرب، وثنائية المركز والهامش؛ بحكم اعتقاده الراسخ في القيمة الإبداعية والمعرفية لما يتم إنتاجه في المغرب الثقافي العربي، الذي يقف على درجة سواء مع مثيله في المشرق.

لايمكن للمرء إلا أن يعترف بالمحبة العميقة التي احتفظ بها أمجد ناصر للذات المغربية، بمختلف تمثيلاتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية.

وينحى المؤلف في هذا السياق باللائمة على الشاعر المغربي محمد بنيس، الذي يقدمه بوصفه نموذجا لهذا النزوع نحو الشكوى من التعالي المشرقي، في الوقت الذي كان فيه أكثر الأسماء الثقافية المغربية حضورا واستفادة من «المركز» المشرقي.
سوف يؤكد الشاعر حسن نجمي من جهته الحضور الثقيل لإشكالية المركز والهامش، أو المحيط، مؤثرا وصفها بالجرح. ووفق هذا المنحى يكون التعالي المشرقي افتراضا له مصداقيته ووجاهته، ويلقي ظلاله الثقيلة على الدينامية الخلاقة، التي ينبغي أن توجه علاقة مشرق الثقافة العربية ومغربها.
يستشهد حسن نجمي بكتاب عبد الله كنون «النبوغ المغربي في الأدب العربي» الذي مثّل أول محاولة للدفاع عن الهوية الثقافية المغربية، وإبراز تميزها واختلافها عن المشرق. ويقدم نجمي في هذا الخصوص قرينة دالة على هذا الجهل أو التجاهل المقصود من لدن بعض جهات الثقافة في المشرق، وتتمثل في أن بعض المجلات التي تسعى إلى إفراد بعض أعدادها للثقافة والأدب المغربيين، لم تفعل سوى أن كلفت كتابا مغاربة لتحرير هذه الأعداد، ولَم يكن ثمة دراسات أو أبحاث بأقلام مشرقية فيها.
يرفض الشاعر والمترجم المغربي هشام فهمي، فكرة المركز والهامش في الثقافة العربية، ويرى فيها تعويما وطمسا للأسئلة الحقيقية التي ينبغي أن يهتم بها المثقف والمبدع، وفِي مقدمتها التعبير الحميم عن الذات ونقض وتفكيك بنى الاستبداد التي ما تفتأ مهيمنة على الثقافة العربية مشرقا ومغربا. وللإشارة فهشام فهمي كان عضوا إبان عقد التسعينيات من القرن الفارط، في جماعة «الغارة الشعرية» التي نشرت منشوراتها الشعرية الغاضبة. وقد أشرف لفترة على موقع «الذبابة» والملحق الثقافي لجريدة «الأخبار» المغربية، قبل أن يقرر الركون إلى الصمت والعزلة في صقيع كندا.
لا يمكن للمرء إلا أن يعترف بالمحبة العميقة التي احتفظ بها أمجد ناصر للذات المغربية، بمختلف تمثيلاتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية. وغير خاف في هذا السياق أن رؤيته هذه كانت بمنأى عن سطوة الإطلاق والأحكام الجاهزة ومحصلة اطلاع عميق وصداقات عتيقة. ولَم يكن مبدع «مديح لمقهى آخر» الذي خبر الانتقال من مسقط راْسه في المفرق الأردني، حيث قسوة الصحراء إلى عمان وعدن وبيروت ونيقوسيا ولندن، إلا أن يتسم بالنسبية والاعتدال والتسامح والشجاعة، في سياق صوغ رؤاه عن الآخر.
لم يمنع انبهاره بحداثة مدينة الدار البيضاء، وروعة شوارعها وأحيائها الراقية من أن يرى أحزمة الفقر وهوامش البؤس المتناسلة فيها. كما لم يحل أعجابه بمسجد الحسن الثاني، الذي تجاوز كونه فضاء للعبادة، ليشكل صرحا معماريا وحضاريا، من أن يتكتم على الظلم الذي حاق بقطاعات عريضة من المغاربة، أرغموا على الإسهام قسرا في مجهود بنائه. وفِي هذا السياق إذن يأتي اختتامه لهذا الفصل الجميل بتعبير دال لرفيقه في هذه الرحلة الكاتب المصري سعيد الكفراوي عن جمال المسجد: «قال كأنما يكلم نفسه: أمكنة قليلة تضاهي جمال هذا المكان. ولكن يا لهذا الجمال الشقي المحير».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية