بيروت ـ «القدس العربي»: ليس لوجوه الأطفال والكبار الذين رسمهم الفنان التشكيلي السوري طارق بطيحي هوية. كل طفل وكل كبير فقد الأمان في هذا العالم يشبههم. في معرضه المستمر في كاليري «56th» عرض بطيحي 12 لوحة من الحجم الكبير، و8 من الحجم الصغير، كلها «تحت سقف واحد» وجميعها تظهر الإنسان المهموم إلى أية فئة عمرية انتمى. والمفارقة الوحيدة في ظل هذا البحث عن ملاذ واستقرار، أن بطيحي ينقلها لنا بألوان زاهية بالأكريليك على كانفاس. ربما هو الأمل، فإن فقدناه يختلّ توازننا على هذه الأرض.
طارق بطيحي معروف بمقاربته الجريئة لموضوع المرأة، لكن محاولاته المتكررة لمتابعة الثيمة عينها فشلت. فبعد الحال الذي صار عليه وطنه وناسه اكتشف أن الموضوع اختلف عن السابق. وهو الذي كان يعدّ لمعرض في المكان نفسه في الجميزة في 6 آب/اغسطس تضررت لوحاته، عرض إحداها محتفظة بجروحها أو ندبتها، كما يحب القول.
مع الفنان طارق بطيحي هذا الحوار:
○ «تحت سقف واحد» معرض يحاكي عذابات الناس في منطقتنا وخاصة الأطفال. قرأنا التيه في وجوه ناسك رغم الألوان الزاهية. ألهذه الدرجة تتسلل إليك مشاعر الآخرين؟
•الأطفال بجميع حالاتهم يؤثرون بي، والمنتشرون منهم في الشوارع يتركون في نفسي أثراً بالغاً. وكل طفل يشكو من ألم كائناً من كان. إنما الأطفال الفقراء هم الأكثر حفراً في وجداني. من خلال مشاهداتي استخلصت أن حياة الكبار تختصرها عيون الصغار. إنها مرآتهم الحقيقية. فكري وريشتي منجذبان للتعبير عن حالات الأطفال. تضاعفت مشاعري حيال مشاهد أطفال العالم جميعهم منذ صرت أباً. أعشق تشريح الطفل على اللوحة ببراءته وعفويته. ومؤخراً وجدت نفسي منشغلاً برسم كبار السن ومعاناتهم في ظروف حياتية صعبة.
○ هل يندرج رسم الأطفال ضمن المعاناة الإنسانية التي تعبّر عنها بشكل عام؟
•لم يكن هذا موضوعي من قبل، بل النساء كنّ الأساس على مدى حوالي عشر سنوات، واعتبرها تجربة غنية. منذ بدأت رحلة الاحتراف أهتم بتشريح الجسد بشكل عام. بعد عودتي إلى الشام قبل سنوات عجزت عن متابعة رسم موضوعي الأثير وهو النساء، بخلاف ما رسمته حين لازمت بيروت حتى سنة 2016. وبيروت حينها لم تكن قد دخلت الركود والتراجع الذي تعيشه الآن. كذلك لم تكن الشام هي نفسها. وإذ بالموضوع يتبدل بدون استشارة مني. كثُر أطفال الشوارع من بائعي الورد، والمتسولين أيضاً. تأثرت بمشاهد البشر المتعبين التي تختزنها ذاكرتي، ورحت أرسمهم.
○ لماذا أطلقت على معرضك تعريف «تحت سقف واحد»؟
•وجدت ذاكرتي تجمع صورة واحدة وظروفاً متشابهة لحياة الناس بين بيروت والشام. المشترك بين هؤلاء الناس المؤثرين بي هو الأمان الذي بات مفقوداً من عيونهم. السقف يشكل الحماية للجميع، لكننا بتنا نفتقده. إنه العري، والعجز من الوصول إلى برّ الأمان، إن كان موجوداً. في عالمنا الحاضر لم يعد مستغرباً حدوث حرب في بلد ما، فتتدمّر المنازل، ويهيم الناس في الأرض بحثاً عن ملجأ. إنها ظروف عالمية صعبة اقتصادياً وغذائياً. لهذا يحتاط أحدنا بملازمة ناسه وأهله في هذا الظرف العام المعقّد.
○ قناعاتك هذه ساهمت بعودتك إلى الشام؟
•نعم. وجود الأهل والعائلة، والأمنية الشخصية بتتويج قصة حبي بالزواج، على أمل أن تتحسن الأحوال. حققت الجانب الشخصي وبات لدينا طفلان، وما زال الأمل يراودنا بأن يتحسّن حال الناس في بلدنا.
○ كيف حضّرت لموضوع «تحت سقف واحد»؟ هل تجمع صوراً فوتوغرافية لوجوه الناس؟
•أجمع الكثير من الصور للناس أصادفهم في الشوارع. وقد أجد صوراً مؤثرة على وسائط التواصل الاجتماعي. لست ملتزماً بتجسيد الشبه في لوحتي، بل المشاعر الداخلية للناس. أحتاج تلك الصور في محترفي، بحيث أدمج بين الصورة والموديل الذي في بالي عبر الألوان. تجسيد الصورة الفوتوغرافية ليس هدفي على الإطلاق.
○ في بعض لوحاتك تهيم الوجوه في المياه. هل هو حال من يقطنون شواطئ المتوسط؟
•إنها بلداننا العربية بمشرقها ومغربها تجمعها وحدة ظروف وأزمات، والمستقبل المجهول. كثر من الناس يرون في البحر ملاذاً يبحثون عبره عن أمان ربما يجدونه في البلدان الأوروبية. فصارت القوارب جزءاً من الحياة ومعها سترات النجاة البرتقالية. قبلها لم يكن البحر يعنيني، بات يشغلني عندما تمادى في ابتلاع الناس. في العصور القديمة كانت بعض الشعوب توهب النهر أجمل نسائها. فهل من ابتلعهم البحر فداء لآخرين؟ جميعهم عنوانهم البراءة في بحثهم عن حياة أفضل، وهناك من ينتظرهم. للأسف بعضهم لن يصل، خطفه البحر إليه.
○ هل تقرر عن سابق تصور وتصميم فكرة أو ثيمة المعرض؟
•بكل تأكيد. «تحت سقف واحد» هو المعرض الأول لي خارج سياق ما سبقه عن المرأة. في مرسمي العديد من اللوحات غير المنجزة فيها الرجل، والمرأة العجوز، والعجوز على كرسي متحرّك، وغيرهم من بشر نصادفهم في حياتنا.
○ يمكن القول أن تجلّي اللون عندك معجون بإحساسك الإنساني؟
•بل أبحث عن هذا الإحساس في إنسان مجسّد أمامي، أو تجسّد أمامي في لحظة مرّت. لا أرسم إنساناً صنعه خيالي.
○ كيف تفسّر ذلك؟
•أشعر أن رسم إنسان صنعه خيالي لن يرقى إلى روح ذاك الإنسان. أشاهد لوحات لأشخاص مجسدين من الخيال، وأجدها باردة بدون روح. بينما الرسم التعبيري لإنسان ضمن واقعه يحتفظ بروحه. عندما مارست لسنوات طويلة رسم النساء، اعتمدت على اسكتشات، ومن ثمّ كنت أتفرغ لطبخ اللوحة معتمداً على عيني التي تتحول في لحظة إلى كاميرا فوتوغرافية تلتقط العديد من الصور. والتحميض يلي التصوير، وهذا ما يحتاج للوقت، فهو المختبر حيث لكل مصور أسلوبه في التحميض، ونتيجته الخاصة.
○ هل من دوافع لاختيارك لوحة كبيرة أو أخرى صغيرة؟
•إن كنت بصدد لوحة كبيرة أو أخرى صغيرة أجدني أعشقها. أميل بشكل عام إلى الأعمال الكبيرة. ميزات الأعمال الصغيرة سرعة السيطرة عليها. تستقبل سرعة دفق عاطفي وتكتمل، حيث تكون ضربة الفرشاة الأولى هي الأخيرة. وقد تحتاج الأعمال الكبيرة لاعترافات متعددة ومتكررة بنهايتها، وعندما أعود إليها مجدداً لا أتمكن من الإقرار بأنها انتهت. والسبب برأيي يعود للمشاعر التي تجتاحني حين أكون بصدد الرسم. في الأعمال الكبيرة تختلف المشاعر بين اليوم والغد وبعده. تحتاج لنفس طويل، فيما الأعمال الصغيرة تتضمن وبسرعة حالة تعبيرية محددة، بدون الحاجة للعودة إلى التنميق والزخرفة والمعالجة.
○ هل تحمل عيون البشر كباراً أو صغاراً ما هو مشترك؟
•في مرحلتنا الجامع المشترك بين العيون هو الحياة الصعبة والقاسية. وكما سبق القول الحاجة للحماية.
○ كيف ذهبت منذ بداياتك إلى موضوع المرأة وأنت في مجتمع محافظ؟
•اجتاحني هذا الموضوع لأني وجدت نظرة مجتمعنا للمرأة فيها ظلم. مجتمع ينظر إلى جسد المرأة وكأنه عيباً. رغبتي الداخلية كانت كبيرة جداً بجعل جسد المرأة نصف العاري مشهداً طبيعياً يمكننا أن نعتاده. وأن يدخل هذا المنظر إلى كل بيت بحيث يتخطى وضعية المحرّم. ثيمة جسد المرأة الذي طرحته معارضي المتكررة مفادها أنه ليس للتجارة والتسويق. مع العلم أن الثيمة الغالبة في النظرة إلى جسد المرأة غرباً وشرقاً هي التجارة والتسويق. عندما أعرض لوحاتي عن جسد المرأة ويشاهدها بعض الناس أكون قد كسرت حاجزا ما.
○ قدمت المرأة بجرأة أم ضمن حدود يرضى عنها المجتمع حيث تعيش؟
•بل بجرأة. اختلف تقبل موضوع المرأة بين دمشق وبيروت. ثمة قيود كُسرت في هذه المدينة على الصعيد الفني. كذلك كان الحال في الكويت حين عرضت لوحاتي عن المرأة، نساء ورجالاً رحبوا بالمعرض، وكذلك الإقبال على اقتناء اللوحات من قبل الكويتيين. الوضع يختلف جداً في الشام، ودائماً استرجع ما قاله لي أحد أعز أصدقائي حين قدمت معرضاً عن المرأة. إذ قال «لوحاتك في غاية الجمال لكن إن أهديتني إحداها لن أستطيع عرضها في منزلي». تعبير أثّر بي ولا يزال رغم كوني أتفهم موقفه الناتج من بيئته المحافظة. نعم رسمت تفاصيل جسد المرأة وهي تعيش على سجيتها في منزلها، وحين تكون بملابسها الداخلية. أي رسمت المرأة وهي تُجالس ذاتها.
○ أردت كسر بعض القيود ضمن بيئة محافظة كم نجحت في مسعاك؟
•حققت سبقاً إلى موضوع لم يقاربه آخرون. كنت منجذباً للتعبير عن روح أية امرأة وهي مختلية بنفسها.
○ وهل كنت تحتاج إلى موديل؟
•كنت حيال تعدد موديلات. في مجتمعنا الموديل مطلب صعب، وهذا ما أعرفه من زملاء يرغبون برسم موديل كشكل أو وظيفة مدرسية. تعاملي مع الموديل يشبه علاقة الطبيب النفسي بمريض. أسألها عن نظرتها للحياة والإنسان؟ وإن كانت فرحة وسعيدة أم هي محطمة؟
○ هل في بالك مثال لوجه امرأة؟
•بل أبحث عن الجانب الجميل في كل امرأة. أرى الروح الداخلية للإنسان. الوصول إلى الطاقة الإيجابية التي بداخل المرأة هو الأهم. قد نلتقي بمئة امرأة جميلة، لكن السؤال كم منهن تمتلك الطاقة الإيجابية التي تنثر الحب والعنفوان ويصل للآخر؟ فقد نجد هذا في امرأة صامتة وهادئة.
○ في اللوحات التي ترسمها هل من أمر تراه وحدك؟
•لنفترض أننا معاً في الطريق ووجدنا طفلاً ليس في الحال الذي نتمناه لأطفالنا. فهذا الطفل سيعصر قلبينا وجعاً. قلبك قد يبرأ من هذا الوجع بعد أسبوع، لكن وجعي يقيم لأشهر. أرى معاناة الأشخاص في مداها الأبعد، وهذا ضروري كي أتمكن من التعبير. ربما هي المشاعر الهشة والمرهفة للفنان. إنها مشاعر تجتاحني ليس فقط حيال الفقراء والمعوزين، لكن أيضاً حيال أي شخص يواجه مشاكل صحية كبيرة مهما كان وضعه الاجتماعي.
○ هل أعدت ترميم مرسمك في دمشق؟
•لا. فقط أعمدة المبنى الذي كانت تسكنه عائلتي لا تزال قائمة. والمرسم الذي أقمته فوقه دون أثر. المنطقة بشكل عام ليست بعد مؤهلة للسكن. أعيش في باب شرقي، ومرسمي في باب توما.
○ إحدى لوحاتك اصيبت في تفجير المرفأ في 4 آب؟
•يشير إلى لوحة كبيرة تحمل وجه طفل ويقول: إنها اللوحة التي تضررت في هذا المكان بالتحديد. كان افتتاح المعرض مقرراً في 6 آب/اغسطس، واللوحات عُلّقت. في هذا المعرض أطلقوا عليها تسمية المجروحة، فيما أفضل عنوان النُدبة. كذلك تضررت لوحات أخرى لم أرغب بترميمها. فاللوحات بحالها هذا تشبهنا، جمالياتها تتضاعف بحملها لهذا الأثر فتبقى شاهداً.
○ هل كانت بيروت حاضنة ودودة معك كفنان وإنسان أجبرته ظروف بلاده للعيش فيها؟
•خلال السنوات التي عشتها فيها كانت حاضنة جداً لي كفنان وإنسان. وهي كذلك بالنسبة للسوريين بشكل عام رغم ما قد نسمعه من هنا أو هناك، فما من بلد يخلو من عنصرية. شكلت بيروت جسر عبور للكثير من السوريين. كفنان تشكيلي أعترف بأن انطلاقتي كانت من بيروت. قبل قدومي إليها كان لي معرض فردي في حلب. وفي كاليري 56th الآن أسجل معرضي الثالث الفردي. في بيروت شاركت في معارض جماعية كثيرة وآرت فير. جميعها تركت أثراً مميزاً في مسيرتي. معارض بيروت أتاحت لي المشاركة في آرت فير في لندن واسطنبول ومصر. وشكلت بيروت بالنسبة لي الإنطلاقة وجسر عبور إلى العديد من الدول العربية كالأردن ودبي، إلى مشاركات في معارض جماعية في أوروبا. بيروت بالنسبة لي حاضنة فنية وإنسانية. قصدتها بزيارة وخلالها احترق منزلنا في الشام، ولم أتمكن من العودة بسبب احتراق أوراقي من دفتر الجيش وجواز السفر. لازمتها بشكل متواصل لأربع سنوات حتى تمكنت من تسوية أوراقي. أحب بيروت، وأحزن عليها، فهي تغيرت كثيراً.