تحديات الاقتصاد المغربي في ضوء التوجهات العامة لموازنة 2025

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
2

الرباط ـ «القدس العربي»: رسمت الحكومة المغربية السكة التي سوف تسير عليها الموازنة العامة للعام 2025 من خلال الاشتغال على إعداد مشروعها بالاعتماد على 4 مسارات أساسية، تتوزع بين مواصلة تعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، وتوطيد دينامية الاستثمار وخلق فرص الشغل، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

وركزت مذكرة توجيهية أصدرها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في هذا الشأن، على ورشة النهوض بالرأسمال البشري، بهدف الحرص على اندماجه الاجتماعي، ووضعه نصب أعين الإعداد للمشروع كهدف أسمى لكل السياسات العمومية.
وأبرزت المذكرة ضرورة «توفير الكرامة والعيش الكريم لفائدة الأسر المغربية»، موضحة أن ذلك «لن يستقيم دون إرساء سياسة اقتصادية مهيكلة تقوم على تحفيز الاستثمار والتشغيل ومواكبة القطاعات الواعدة، بهدف تعبئة التمويلات الضرورية لضمان استدامة ركائز الدولة الاجتماعية».
وتطرق أخنوش إلى ما سيشكله الحفاظ على السيادة المائية والغذائية والطاقية وحماية القدرة الشرائية، من أولوية وعناوين رئيسية لمجهود فريقه الحكومي في السنوات المقبلة، وفق قيادة قطاعية مندمجة ومتماسكة تسعى إلى التمكين والإنصاف الحقيقي للأسر المغربية.
غير أن المنتقدين لاحظوا أن «تلك الشعارات البراقة لم تظهر بوضوح خلال النصف الأول من ولاية هذه الحكومة، وبالتالي فهي مجرد وعود وأمان، وليست مواصلة لفعل شيء ملموس على أرض الواقع من خلال استراتيجية عمل الوزراء». واستدلوا على ذلك بما تعيشه الأسواق ومختلف المنتجات الأساسية، خاصة المرتبطة بشكل وثيق بالمعيش اليومي للمغاربة، ولهيب الأسعار ودخول التنافسية التجارية حالة سعار، ولم يجدوا من بد غير وصفه بـ«التوحش الذي تسير وفقه الليبرالية الاقتصادية».

إكراه التضخم والعجز

مشروع الموازنة العامة في المغرب للعام 2025 يواجه إكراه ارتفاع التضخم، وكذلك الرغبة في خفض عجز الميزانية من 4 في المئة إلى 3.5 في المئة، أملا في الاستقرار في نسبة 3 في المئة عام 2026 وضبط حجم المديونية في أقل من 70 في المئة من الناتج الداخلي الخام في أفق سنة 2026.
وفي هذا الإطار، يرى الأستاذ الجامعي بدر الزاهر الأزرق، الخبير في قانون الأعمال والاقتصاد، أن التحكم في نسب العجز كان دائما يمر عبر ثلاثة مداخل أساسية، يتجلى أولها في ترشيد النفقات والحوكمة المالية، بحيث تؤكد مختلف المذكرات التأطيرية على مسألة التحكم في نفقات السفر ونفقات التكوين (التدريب) والتأطير والنقل والطاقة، والاعتماد على الطاقات البديلة بهدف تقليص فاتورة استهلاك الطاقة والماء على مستوى عدد كبير من الإدارات العمومية.
وأبرز الأزرق، في تصريح لموقع «الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة» أن تقليص النفقات الذي يهم أساسا الإدارات والمؤسسات العمومية والبلديات، لا يعني المساس بجودة الخدمات المقدمة أو العنصر البشري، إذ يجب العمل في نفس الوقت على تحسين الأجور.
أما المدخل الثاني، يضيف الخبير نفسه، فيتعلق بتوجه نحو إيجاد تمويلات مبتكرة، موضحا أن الحديث عن عجز الميزانية يعني تسجيل عجز بين مستوى الإنفاق، ومستوى الدخل الذي تحققه الدولة بمختلف الأوجه، ويأتي هذا العجز خصوصا عن طريق الديون والنفقات الاستثمارية.
ولفت الانتباه إلى إيجاد مجموعة من الحلول المعتمدة منذ السنة الماضية في المغرب لتجاوز هذا العجز، على غرار بيع الأملاك الخاصة بالدولة أو إعادة تأجيرها… وغيرها من الحلول التي مكّنت الحكومة من توفير هوامش مالية بهدف تغطية نفقاتها، موضحا أن نفقات الاستثمار ارتفعت السنة الماضية بشكل كبير وستستمر في نهج مرتفع إلى حدود سنة 2030، بالنظر لوجود مجموعة من الورش الكبرى المفتوحة في الحماية الاجتماعية والتعليم والبنى التحتية الاقتصادية والرياضية التي تتطلب استثمارات كبيرة.
وهكذا سوف تسعى حكومة أخنوش إلى استعادة الهوامش المالية الضرورية لمواصلة مختلف الورش التنموية، مع الحفاظ على دينامية الاستثمار العمومية كرافعة أساسية لتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية.
وأطلق رئيس الحكومة عزيز أخنوش في مذكرته التوجيهية التي تلقت «القدس العربي» نسخة منها، ما يشبه «الوعد الاقتصادي الكبير» مشيرا إلى أنه مع تفعيل تلك الأولويات التي جرى تحديدها كسكة يسير عليها الإعداد لمشروع الموازنة العامة للعام المقبل، يتوقع تحقيق معدل نمو يناهز 4.6 في المئة سنة 2025 مقابل 3.3 في المئة سنة 2024.
عدد من المختصين أكدوا أن الأزمات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة في جائحة «كورونا» والجفاف وزلزال الحوز، كانت بمثابة امتحان حقيقي للاقتصاد المغربي الذي حقق تقدما ملموسا وملحوظا في السنوات الماضية، وكانت تجلياته واضحة من خلال الاستراتيجيات القطاعية والتموقع في سلاسل القيمة العالمية، مما كان له انعكاس إيجابي على مناح أخرى مثل تحسين مناخ الأعمال وتحديث أساليب التدبير، ناهيك عن الخطوة الكبرى التي خطاها المغرب في مجال الطاقات المتجددة، حيث تم تقليص التبعية الطاقية إلى أقل من 50 في المئة، مما يعكس التوجه نحو اقتصاد أخضر.
بالنسبة لتوجه الدولة الاجتماعية وما يتطلبه من تعزيز لركائزها، فقد استعرضت المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة ما أنجز في هذا السياق، مثل إطلاق ورشة تعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، حيث أنه إلى حدود حزيران/يونيو من العام الحالي 2024، تستفيد منه أكثر من 4 ملايين أسرة، أي ما يفوق 11 مليون مواطنة ومواطن، لذلك فقد ركزت المذكرة على مواصلة الاشتغال وفق هذا النهج بتوفير خدمات صحية ذات جودة، من خلال إعادة تأهيل المؤسسات الصحية وتعزيز الموارد البشرية في القطاع الصحي، بهدف ضمان وصول المواطنين إلى خدمات صحية متكاملة.
وتواجه الحكومة المغربية تحديا آخر في مشروع موازنتها العامة للعام المقبل، يتمثل في إصلاح التعليم، بالاستناد إلى توجيهات العاهل محمد السادس التي تشدد على أهمية بناء جيل متعلم ومبدع، وذلك من خلال تطوير التعليم الأولي، وتعزيز العرض المدرسي، وإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي، وتطوير التدريب المهني.
كما تطرقت المذكرة التوجيهية إلى الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي، مؤكدة على إطلاق برنامجٍ يهدف إلى إعادة إسكان الأسر المتبقية في أحياء الصفيح، وهو ما يعتبر التزاما صريحا وواضحا من الحكومة بتحسين ظروف سكن المواطنين، وإرساء نظام يضمن سكنا لائقا لجميع المغاربة.
واجهة أخرى لتقوية الاقتصاد المغربي، تتجلى في توطيد دينامية الاستثمار وخلق الوظائف وفرص العمل، والتي تعتبر أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، في توازن استراتيجي بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي.

مذكرة بلا روح أو نكهة

الوزير السابق عبد السلام الصديقي، القيادي في حزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، وجّه انتقاده لمذكرة رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، قائلا: «نحن أمام مذكرة تأطيرية (معيارية) بدون روح وبدون نكهة. وهذا ليس أمراً مفاجئا لأن الحكومة تؤمن بما تفعله. حتى أنها تعتقد أنها فعلت أكثر مما هو مطلوب منها. علاوة على ذلك، فهي تدير ظهرها للمشاكل الأساسية للسكان والنداءات اليومية لشباب يائس تمامًا حلمه الوحيد هو مغادرة البلاد».
وأضاف في تصريح لموقع «مدار 21» قائلا إن «الحكومة التي تتغنى بانبثاقها من صناديق الاقتراع والتي تتفاخر بحصولها على أغلبية مريحة في البرلمان، ولا تشير إلى مسألة الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان، هي حكومة سخيفة! حكومة تدير ظهرها للإصلاحات الهيكلية الحقيقية التي تحتاجها البلاد: الإصلاح الضريبي، ومحاربة القطاع غير المهيكل الذي يولد تشوهات متعددة، ومكافحة الريع بجميع أشكاله وتضارب المصالح، بهدف إعداد المغرب لمواجهة المنافسة الشرسة في السوق العالمية وتحسين موقعها على الصعيد الدولي.» وختم تصريحه بالقول «لتتعظ على الأقل بوالي بنك المغرب (المصرف المركزي) الذي كانت لديه الجرأة لإثارة المشاكل الحقيقية للبلاد، بما في ذلك تفاقم الفساد الذي يزداد سوءا مع هذه الحكومة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية