نحن اليوم ندير على ألسنتنا عبارة «تحرّش جنسيّ» بكلّ يسر وسهولة، ونتّخذها معادلا للعبارة الفرنسيّة أو الإنكليزيّة: sexual harassment/ harcélement sexuel.
بالرغم من أنّ مادّة «حرش» ومشتقّاتها وسائر تقليباتها، في معاجم العربيّة، تكاد لا تجري على هذه الوتيرة؛ وهي للإنسان والحيوان سواء بسواء. وتعني إغراء الإنسان أو الأسد ليقع بقرنه، أو الإفساد والتحريش بين البهائم مثل الكلاب والجمال والكباش والديوك وغيرها؛ أي تهييج بعضها على بعض؛ وقد نهى عنه النبي. وفي مقاييس اللغة لابن فارس إشارة إلى أنّ التحرّش هو الأثر والتحزيز أو التحزّز، ويعني التقطّع وكثرة الحزّ كأسنان المنجل. ولكنّه يحمل على المجاز أو الاستعارة، إذ يعني ما يحزّ في الصدر أو القلب؛ ويترك أثرا أو جرحا لا يندمل. وفي الحديث المنسوب إلى الإمام علي، نقف على معنى مختلف تماما؛ فقد ذكر أنّه ذهب إلى النبيّ محرّشا على فاطمة؛ فالتحريش ها هنا ذكْر ما يوجب عتابه لها. واللغة نفسها تقرض كلمة «حرش» قرضا حسنا، وتخرق دلالة المطابقة إلى دلالة أرحب هي دلالة التضمّن أو الالتزام أو الدلالة المجازيّة. ولذلك فالمعادل العربي للعبارة الأجنبيّة الأقرب إلى الصواب، هو المضايقة والملاحقة والمطالبة حدّ الإزعاج والإنهاك، أو «الهرسلة» وهو نحت تونسي شائع؛ أذكر أنّي سمعته أوّل مرّة من الوزير الأوّل الراحل محمّد مزالي صاحب مجلّة «الفكر».
ما هو التحرّش؟ هو عامّة شكل من أشكال «التمييز»، يتعلّق بكلّ سلوك مادّي أو معنوي مخز مهين، صادم غير مرغوب فيه؛ يمجّ السمع ويجرح الإحساس. وفيه ما فيه من لذّة تحقير الآخرين، والنيل منهم والتندّر بهم، والطعن عليهم بملاحظات وإيماءات وإشارات فيها تعريض بديانتهم أو جنسهم أو عاهتهم أو لباسهم، وما إلى ذلك من أشكال التمييز. وقد يكون تهديدا وتخويفا وتعدّيا، أو ضربا أو صفعا؛ أو حتى ملامسة جسديّة عابثة، أو تربيتا على كتف امرأة أو طبطبة غير مرغوب فيها.
يقول الفيلسوف لورانس موجست، إنّ التحرّش أصبح اليوم يضايقنا في شتّى مسالك عيشنا، حيث الإعلانات التجارية وقد تحوّلت إلى غذاء ثقافيّ؛ تتحرّش بنا: أجساد النساء والرجال المطروحة وسط الطريق، وعلى جدران المدن، وفي المترو، والمطعم، وفي أكشاك الصحف والمجلاّت والفيديوهات؛ وعلى مرأى من الأطفال واليافعين.
والجسد اليوم موضوع تقريظ وتكريم في الثقافة الإنسانيّة المعاصرة. ولم يعد أحد يلزم نفسه بتسويغ البحث في هذا الموضوع؛ فالحياة تفرض على الإنسان أن ينظر في جسده يوما بعد يوم، كما يقول الفرنسي مشال برنار، إذ بالجسد وفي الجسد يحسّ الإنسان ويعبّر ويعمل ويبتكر ويحلم ويتّحد، ومن الجسد يطلّ على واقع الآخرين الجسدي ويلتحم، بمفردات العالم وأشيائه.
والموقف من الجسد يتمثّل موقفا من المجتمع والكون، ويحدّد علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين. على أنّ من مفارقات هذه الثقافة العالميّة المعاصرة التي تنزع في مجملها إلى تكريم الجسد من حيث هو مصدر متعة وإبداع وتحرّر، باعتباره لغة الواقع والخيال؛ فتحتفي بالشعريّ في الرسم والمسرح والسينما والأدب من حيث هو عودة إلى المصالحة مع الطبيعة واكتشاف للبراءة الجسميّة؛ أنّها ذهبت بعيدا في السيطرة على الجسد واستلابه بالعمل والرياضة، وتحويل الثقافة الجسدية إلى صناعة جنسيّة أو «ثقافة خلاعيّة». فلا غرابة أن تسلخ الجسد وبخاصّة جسد المرأة عن سياقه النابض، لتختزله في معايير جمالية ساكنة؛ وتزجّ به في صدفة أيديولوجيّة حيث تكاد لا تظفر إلا بمعادلات مجرّدة مفارقة، وليس بمعادلات للانفعالات أو لمواقف الأنثى/ الإنسان.
ثمّة دائما في كلّ مجتمع قديما وحديثا، منحرفون وفاسدون مفسدون، من ذوي الأخلاق المتفسّخة كما دأبنا على القول، وغواة أحداث ويافعين ويافعات. وهم يقدرون على الوثوب على كلّ ذي نفس أو حركة؛ وعلى الإيقاع بالآخرين وإيذائهم. وثمّة نساء يحتفظن طوال حياتهنّ بآثار الاعتداء على كرامتهنّ، ويعشن تلك الصدمة النفسيّة في أحلامهنّ وكوابيسهنّ؛ وقد لا يبرأن منها أبدا.
تلك مظاهر من ثقافة «التمتّع دون عائق أو معوّق،» ثقافة «اللحظة التي أنت فيها» أو «اللذّة الفوريّة المباشرة» و»اغنم من العيش لذّاته». وهي في جانب منها، نتاج «المساواتيّة» والحريّة الجنسيّة التي طالب بها في الغرب شباب ستّينيات القرن الماضي، وفلاسفته وما أفضت إليه من علاقات تحرّر، وتوتّر أيضا بين الرجل والمرأة. والجنس نفسه فقد الكثير من حميميّته و»قداسته» منذ زمن طويل وصار مبذولا؛ فليس بالمستغرب أن يستهين به قليل أو كثير، ولا يراعون حرمته أو تقاليده؛ في مجتمعات تكاد تتقوّض فيها الحدود والفواصل بين المجال الخاصّ والفضاء العامّ.
يرى موجست أنّ إنكار الفروق والاختلافات بين الرجل والمرأة، يسلب الاثنين كلّ ما هو حميم وثمين عندهما. و»الجماعيّة» أو «المساواتيّة» إذ تلغي كلّ تاريخ التقاليد والعادات والذكريات المشتركة، تكفّ عن أن تكون ميزانا ناظما لـ»أشياء الحياة» أو «الأرضيّات»، وتفقد قدرتها على النهوض بدور المقوّم للسلوك الخارج عن المألوف. والفرد الذي يوكل إلى نفسه، ولا يجد له مكانا في الجماعة؛ يمكن أن ينجذب، دون واعز أو دليل؛ إلى غريزته الجنسيّة.
على أنّ التحرّش قد لا يتعلّق دائما بتاريخ الجنس، وإنّما بعلاقات القوّة والهيمنة الذكوريّة أو تأثير الصدمات العاطفيّة العنيفة وما قد تسبّبه من عطالة جنسيّة. ولكنّ اللافت أنّ المتحرّشين من أهل السياسة أو الفنّ أو الأدب أو الرياضة، يتشابهون في مظاهرهم العامّة؛ وإن كان البحث في دوافعهم، قد لا يكون أكثر من بذل ضائع، بعصا كشّاف في عقل متحرّش في لحظة إثارة، لا قدرة له على السيطرة عليها. ونحن نعيش في مجتمعات تكاد تجعل كلّا منّا «رائيا» و»مرئيّا» تستغرقه رؤى وأفكار وبدواتُ نفس، بما في ذلك المجتمعات التي تستحكم فيها الخرافات والأساطير.
وقد يتعذّر علينا ـــ وفي كثير أو قليل منّا متحرّش بالقوّة ــــ أن ندرك الأفكار المتغلّبة على المتحرّش المتصرّفة به، أو يتيح لنا أن ننظر إليه من ناحية نفسه ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدّخيلة. وهي لا شكّ في غاية الدّقة والتّعقيد، بحيث لا نملك إلاّ أن نقف على حدودها دون أن نقدر على السّير في مجاهلها. وربّما أخرج لنا علماء النفس من شوارد التحرّش، وهم يحتالون بها ولها؛ في كثير من الدّقة، وحسن التّأتّي، شخصيّة نابضة بالحياة. ولكنّها شخصيّة من صنعهم تقوم على وقائع منتحلة مجتزأة ليست صادقة كلّها في تفسيرها ولا أمينة في تصويرها، ينسّقونها تنسيقا خاصّا، وهم يوزّعون ظلاّ هنا وضوءا هناك، عسى أن يحفظوا لها نوعا من الاتساق؛ ويظهروا لنا بذلك سير التّفاعل بين الشخصيّة وبيئتها. ومن ثمّة يقطعون بأنّ بعض المتنفّذين من أهل السياسة مثلا معروفون بتعلّقهم أو حبّهم للنساء، ونحن «نقيّمهم» عادة هكذا؛ ولا يقع في الظنّ أنّهم من المتحرّشين، حتى تقطع امرأة حبل الصمت، وتتكلّم؛ فتكون الفضيحة المدوّيّة. ذلك أنّ التحرّش حالة تعيشها المرأة عادة في صمت وعزلة تامّين.
لكن ماذا لو كانت المرأة هي «المتحرّشة»؟ أطرح السؤال وأنا أستحضر «غراميّات» عمر بن أبي ربيعة، وقصص عشقه؛ وهي تجري في مقام دينيّ مثل الطّواف، يلزم صاحبه ما يلزم من تقوى وخشوع. ومثال ذلك القصّة التي ساقها صاحب «الأغاني»، وسوّغ بها قصيدة عمر:
أبصرتـها ليلة ونسوتـها / يمـشين بين المقام والحجرِ
فهي صورة لما يمكن أن يقع بين العشّاق، من مغازلات ومعابثة. والطريف فيها أنّ المرأة هي التي تبادر فتطلب من صاحبتها ـ وقد أزمعت أن تفسد على عمر طوافه ـ أن:
قومي تصدّي له ليعرفنا/ ثمّ اغمزيه يا أخت في خفـرِ
والأطرف أنّ عمرا هو المتمنّع:
قالت لها: قد غمزته فأبى/ ثمّ اسبطرّت تسعى على أثري
وكأنّ الأمر يتعلّق بصورة أخرى لما وقع في القصّة القرآنيّة بين النّبي يوسف وامرأة العزيز.
أعود إلى ما افتتحت به، فأكثر مادّة «حرش» كانت قديما، تستخدم أكثر ما تستخدم للضبّ للإيقاع به؛ وللعرب فيها لطائف ونوادر وأمثلة وحكم. ومنها أنّ الضبّ قال يوما لابنه: يا بنيّ، احذر الحرش. فسمع يوما وقع محفار (مسحاة) على فم الحجر، فقال: أهذا الحرش؟ فقال: يا بنيّ هذا أجلّ من الحرش. ولعلّ القضيّة المثارة اليوم في أمريكا بلد التحرّش بامتياز، لجرأة نسائها على كشف المستور؛ ولو بعد أعوام وأعوام، كما تفعل كريستين بلاسي فورد، مع القاضي برت كافانو؛ أجلّ وأعظم من مجرّد قضيّة تحرّش؛ وقد تطيح برؤوس كثيرة، وقد لا يسلم الرئيس الأمريكي نفسه. ويحقّ لنا أن نتساءل: أهو تحرّش جنسيّ أم مضايقة سياسيّة؟
٭ كاتب تونسي