باريس- “القدس العربي”:
كشف تحقيق لبرنامج أجرى فريق “Révélateurs” على قناة فرانس2 أن الحصول على تأشيرة لفرنسا في الجزائر أصبح مسارًا مليئًا بالعقبات، إذ يشتكي المواطنون من أن الخطوة الأولى، وهي حجز موعد عبر المنصات الرسمية، تكاد تكون مستحيلة. ومع ذلك، يتم بيع هذه المواعيد بأسعار باهظة عبر نظام موازٍ.
جاء في التحقيق أنه يتم يوميًا تقديم حوالي 1200 طلب تأشيرة من قبل الجزائريين للسفر إلى فرنسا، سواء للسياحة أو لأسباب طبية، وفقًا للقنصل الفرنسي في الجزائر. لكن قبل أن تصل هذه الطلبات إلى السلطات الفرنسية، يتم التعامل معها من قبل شركات خاصة مثل TLS Contact (لمناطق وهران وعنابة) وVFS Global (لمنطقة الجزائر العاصمة) لحجز المواعيد في القنصلية. هذا النظام، الذي تم تخصيصه منذ عام 2008، لا يبدو فعالًا للكثير من الجزائريين.
Algérie : le marché noir des “rendez-vous visas” pour la France, un business lucratif sur fond de détresse https://t.co/bQwbbtWOos via @franceinfo
— Maxence Dicarceau ⚡🇨🇵 (@Chat_Chauffe) March 28, 2025
وتعكس تعليقات المستخدمين على “غوغل” استياءً كبيرًا: “خدمة سيئة، وحجز الموعد مستحيل”.. ويضيف آخر: “منذ ثلاثة أشهر وأنا أحاول دون جدوى، الموقع دائمًا مغلق”. يعاني الكثيرون من هذه المشكلة لدرجة أنها قد تؤدي إلى مآس إنسانية، مثل عدم القدرة على مرافقة قريب يحتضر.
سوق سوداء مربحة وخطيرة
من الناحية النظرية، فإن حجز المواعيد مجاني، لكن في الواقع يتم الاستيلاء على هذه المواعيد وإعادة بيعها من قبل وسطاء بأسعار مرتفعة. تكشف تعليقات أخرى على “غوغل” عن ذلك: “للحصول على موعد، يجب المرور عبر السوق السوداء، إنه أمر مخيب للآمال…”. هذه التجارة غير الرسمية تمثل خطرًا على الزبائن المحتملين، حيث لا توجد أي ضمانات بأن الموعد سيكون مقبولًا، أو أن التأشيرة ستُمنح في النهاية، وفق التحقيق دائما.
تجارة علنية بدون خوف
تمكن فريق “Révélateurs” خلال تحقيقه من العثور بسهولة على مئات الإعلانات التي تبيع المواعيد، منشورة على مواقع مثل “فيسبوك” و”Ouedkniss” (موقع جزائري للإعلانات المبوبة). على هذا الأخير، تتراوح أسعار المواعيد بين 4500 و20 ألف دينار جزائري (ما يعادل 31 إلى 138 يورو). بالنسبة للمواعيد الأغلى، فإن السعر يعادل الحد الأدنى للأجور في الجزائر.
ولجذب الزبائن، لجأ بعض الوسطاء إلى منصة “تيك توك”، حيث يعرضون مقاطع فيديو تثبت حصولهم على عشرات المواعيد من مقدمي الخدمات الرسميين.
من هم هؤلاء الوسطاء؟
من خلال تحليل الفيديوهات – وفق التحقيق دائما- اتضح أن العديد من وكالات السفر تقف وراء هذا النشاط، بل وتعلن عنه بشكل علني. عند الاتصال بإحدى هذه الوكالات في وهران، تبين أن تكلفة الموعد مع تجهيز الملف تصل إلى 35 ألف دينار جزائري (حوالي 242 يورو)، وهو ما يعادل تقريبًا ضعف الحد الأدنى للأجور في الجزائر.
عند الاتصال بإحدى هذه الوكالات في وهران، تبين أن تكلفة الموعد مع تجهيز الملف تصل إلى 35 ألف دينار جزائري (حوالي 242 يورو)
في منطقة الجزائر العاصمة وحدها، تم رصد 104 وكالات تبيع مواعيد التأشيرات، ليس فقط لفرنسا، بل أيضًا لإسبانيا وإيطاليا. حتى إن بعض عروض العمل المنشورة من قبل هذه الوكالات تتطلب “إتقان حجز المواعيد” كمهارة مهنية، مما يؤكد الأهمية الاقتصادية لهذه التجارة.
مقاهي الإنترنت تدخل على الخط
حتى مقاهي الإنترنت في الجزائر قررت الاستفادة من هذه الفرصة المربحة، حيث أصبح “حجز مواعيد التأشيرات” خدمة مدرجة ضمن عروضها، إلى جانب خدمات الطباعة وتصوير المستندات. في أحد مقاهي الإنترنت بمنطقة درارية (ضواحي الجزائر العاصمة)، أفاد صاحبه أن تكلفة حجز الموعد تبلغ 10 آلاف دينار جزائري، أي نصف الحد الأدنى للأجور في الجزائر. ويشمل هذا السعر تعبئة النموذج وحجز فندق لإثبات سبب السفر، سواء كانت هذه أول مرة أو تجديدًا للتأشيرة، خلافًا للإجراءات الرسمية المعتمدة.
ورغم المنافسة، فإن 25 مقهى إنترنت على الأقل تقدم هذه الخدمة في الجزائر العاصمة، وتجد زبائن بسهولة بسبب الصعوبة الكبيرة في حجز موعد بشكل نظامي.
برمجيات تسيطر على المواعيد
لكن كيف يتمكن الوسطاء من احتكار هذه المواعيد؟ على “يوتيوب”، تتوفر مئات الفيديوهات التعليمية المجانية حول كيفية تثبيت “سكريبتات” (برامج إلكترونية) على الحاسوب، والتي تتيح تجاوز إجراءات الأمان، أو تسريع مرحلة تأكيد “السيلفي”، أو حتى تحديث صفحات الحجز تلقائيًا للعثور على مواعيد متاحة قبل الآخرين.
تُباع هذه الأدوات عبر منصات مختلفة. من خلال “تيليغرام”، تمكن فريق التحقيق من التواصل مع أحد البائعين، الذي عرض اشتراكًا لمدة ثلاثة أشهر مقابل 19 ألف دينار جزائري، يتيح الوصول الفوري إلى المواعيد المتاحة على موقع “TLS Contact”، مع دعم فني طوال فترة الاشتراك. هذا النظام لا يستهدف فقط الأفراد، بل تستفيد منه أيضًا وكالات السفر.
هل ستتمكن السلطات من وقف هذه التجارة؟
السلطات الفرنسية على دراية بهذا التلاعب، وفق التحقيق دائما، حيث حذرت القنصلية الفرنسية في الجزائر عبر منصاتها الرسمية من أن الجهات الوحيدة المخولة لحجز المواعيد هي الشركات المتعاقدة رسميًا. ومع ذلك، يبدو أن هذه التحذيرات غير كافية للحد من الظاهرة.
قد يكون هذا من بين الأسباب التي دفعت الدولة الفرنسية إلى التعاقد مع مزود خدمة جديد، حيث سيتم اعتبارًا من 8 أبريل/نيسان المقبل تكليف منصة CAPAGO بإدارة مواعيد التأشيرات، في محاولة غير رسمية للحد من هذه التجاوزات.