خطاب موجه لنقد الذكورة .. وليست الرجولة..
‘إن النساء لا يولدن نساء، ولكن المجتمع هو الذي يعطيهن هذه الصبغة الأنثوية’
سيمون دي بوفوار
النساء منذ قرون، ‘يعشن وهن ينظر لهن ‘بمرتبة دونية أقل من الرجل، والرجل نفسه يرفض الحقيقة التي تقول بأن النساء يفكرن بنفس الطريقة التي يفكر بها الرجال. وهذا ما يدفعنا إلى القول إن هناك خللا يشي بعدم تساوي الأجور، والمكانة الإنسانية بين المرأة والرجل ماديا ومعنويا، وكنظرة مجتمعية.’
هذا ما دفع العديد من الحركات النسائية للظهور، والنضال وفق سلسلة طويلة من الجهود والكفاح المستمر لإثبات أحقية المرأة في أن ينظر لها ككيان حر ومستقل كالرجل من ناحية فسيولولوجية و معرفية وفكرية، من مثل جهود سيمون دي بوفوار عندما تحدثت في كتابها ‘الجنس الآخر’ (1949): ‘ان النساء لا يولدن نساء، ولكن المجتمع هو الذي يعطيهن هذه الصبغة الأنثوية’، من خلال الأدائية التي تحدثت عنها جوديث باتلر في كتابها ‘مشكلة النوع’ حيث مثلت فيه لنماذج تمثل الدور النسائي الأدائي فرضه عليها المجتمع من ناحية، وتوارثته وتعبر عن نفسها من خلال أدائه بالتعرف على الأدوار التي يلعبها المماثل لها من النساء، وهذه النظرة لها جذور أيضاً في جهود العالم النفسي الشهير فرويد ونظريته في عقدة أوديب وعقدة إلكترا، ومرحلة الخوف على النوع الجنسي، عند الإنسان الذي يحل العقدة، ويجعل الرجل تابعا للرجل (الأب)، والمرأة كذلك تابعة لأمها.’
ورغم ان هذه الحركات حققت الكثير للمرأة في العالم الغربي، واليسير في بعض البلدان العربية، إلا أن النساء في الوطن العربي ما زلن يعانين من عدم تفعيل هذه الحقوق التي ينص عليها القانون، ولكن المجتمع الذكوري لا يفعلها، ولا يريد تفعيلها، فتبقى المرأة شبه محررة، لأن لديها حقوقا غير قابلة للتطبيق في العرف المجتمعي.
قضايا المرأة كثيرة جدا، وليس بالإمكان التطرق لها جميعا في هذه الالتفاتة المستحقة لقضايا المرأة، حيث انني مدفوعة لها كوني امرأة اتعاطف مع بنات جلدتي المقموعات تحت سلطة القمع النسوي، و ليس هذا وحسب، بل لأنني معنية برفع الغطاء عن الخلل المجتمعي، ومعنية بدراسة سلوك القامع والمقموع على حد السواء.. فلا نظن ان القامع يشعر بالراحة والاطمئنان وهو يمارس القمع.. فالقمع سلوك سيكولوجي ينم عن قهر اجتماعي أو سياسي عميق ومتوارث، يحاول الرجل أن ينفس عنه من خلال قمع المرأة..’
الموضوع المراد لفت الضوء له، اليوم، هو العلاقات الزوجية للرجل الكويتي بالمرأة الكويتية، فالعديد من المؤشرات والقصص المعاصرة تدل على خلل عميق في نظرة الزوج للزوجة، فهي لا تلبث تنفك من الصورة النمطية لاستعباد المرأة وامتهان كرامتها ولكن بشكل أكثر حداثة، وصراحة، وفجاجة، أريد أن أقدم صورة الرجل الاستعلائي/ المرأة في وضع الدونية. فالمجتمع يغص في عدد من المشكلات الاجتماعية المسكوت عنها مع عدم اتساع الحيز الزمني والمكاني للسكوت عنها أكثر، وإلا أصبحت نماذج جديدة لهوية مجتمعاتنا الحالية، فإغماض الطرف عنها وتمريرها والتوسل بالصبر عله يعبر بنا إلى حياة أقل توترا، وخسائر، يجعل من القضية الراهنة أمرا طبيعيا في ثقافة المجتمع، ويصبح الأمر مشاعا وبديهيا في المجتمع، ولا أعلم هل هو قصور مني في عدم قراءة المنتج النقدي الاجتماعي الأكاديمي، أو عدم وجود دراسات اجتماعية مزامنة لبنية التحول في النسيج الاجتماعي وسلوكيات الأفراد المنتقدة التي تظهر إلى السطح الإعلامي بقوة..
الرجل الكويتي واستعباد المرأة
حقيقة لا أعرف من أين أبدأ بتحديد المشكلة، ولكن الخلل يكمن في نظرة الرجل للمرأة، التي تعذبها نفسيا، وتترتب عليها اجراءات من الرجل تميت الحياة الخلاقة بينهما، وتحدث فجوات كبيرة بينهما وعلاقة عدائية، وتعاملا لا أخلاقيا ولا إنسانيا بينهما، مما يحيل إما للطلاق أو الصبر على البلاء، لأن الرجل في الكويت تقريبا صنع بطريقة ضمنية، أو صريحة ثقافة شائعة تؤسس لعلاقة الرجل والمرأة مبنية على قيم دخيلة على المجتمعات الخليجية، فالرجل وإن استمد قوته من طقوس الماضي إلا إنه استحدث من نماذج العولمة صورا لابخاس المرأة، لم تكن موجودة بهذا الكم المخيف من الاستخفاف بالكيان الآخر..’
وقد يبدو لي ان هذا الرجل الاستعلائي يكره وينفر جدا من كون المرأة وفق معطيات حقوق الإنسان أن تكون احتمالا ‘لنموذج قوي، فبدلا من أن يشجعها ويساهم في بناء ذاتها، نجده يحاول باستمرار هدم معنوياتها، وتكميم الأفواه، في عدم سماعه للحجة والمنطق عندما ترد عليه.
وهو هنا يكون كالمستعمر، (بسبب أعراف المجتمع، قوته المادية، الصانعة لقوته الاستعلائية: كيفي كويتي، جميل يقابله قبح المرأة) الذي يستعبد المستعمر ويمسخ هويتها ويشوهها، لكي لا يفتح لها مجالا في التفكير بذاتها ككيان حر، لأنها لو فكرت بذاتها ككيان حر وقادر عقليا وجسديا على الاعتماد على ذاتها، واحترام ذاتها والتعايش معه والتعامل معه ككيان مكافئ لها، فإنه سيخسر هذه القوة المركزية لديه، لذلك هو يسعى باستمرار إلى تحطيم أي قدرة في تكوينها المعرفي لذاتها.
فيما يلي سأعرض لبعض صور خطاب الرجل الكويتي للمرأة الكويتية:
المرأة القبيحة/ مقابل الرجل الجميل:
شاع بالفترة الأخيرة بشكل مبالغ فيه، وعلى وجه الخصوص بين الشباب بين عمر (20- 40) أن يختفي من لغة الحوار اليومي/ أو العاطفي الثناء على المرأة: جمالها/ أخلاقها/ تعاملها معه بسبب عدم رغبته بالاعتراف لها بما تمتلكه، فتستغني عنه، فهو مثلا 1) يخشى أن يعترف لها بجمالها، لأنه لو اعترف لها بذلك، سيكون تقديرها لذاتها معززا وعاليا جدا ومن هنا، يمكن أن تفكر بالاستغناء عنه، وهذه تعتمد على مدى ثقة هذا الرجل بذاته، أو يمكن أن تسول لها نفسها مثلا أن تتعامل معه بثقة بذاتها، وتحترم ذاتها، ولا تحسسه بحاجاتها المستمرة له. 2) وهو لا يريد أن يثني على أخلاقياتها، بسبب خشيته من أن تنافسه في المكانة الاجتماعية في حوارهما المشترك بينهما، فتكون القضية هنا هي قضية صراع أضداد محضة، ليس لها علاقة بإدراك الوعي، فكثير منهم بداخله وقرارة نفسه يعلم حقيقة وماهية المرأة لكنه يريد أن يقلل من هذه الصورة لإيلامها، ووضعها في دائرة هذه التصورات النمطية.
3) كما انه لا يعترف بحسن تعاملها معه بغية المزيد من طقوس الطاعة والعبودية له، وإذا أردنا إحسان الظن قليلا .. لتدليله أكثر، فهو لو كان يحسن الظن فيها لأدرك ان الثقة المتبادلة والثناء يزيد من كرم أخلاقها وحسن تعاملها معه، إن كانت من طبيعة طيبة، فليست كل النساء على نفس القدر من الأخلاق، ولكن أنا أعرض هناك لنساء في المتوسط العادي لأخلاق الفرد مقموعات، وهذا القمع ليس بناء لسلطة اجتماعية وحسب، بل نابع من سلطة فرد يريد أن يستمد قوته وسيطرته من خلال ما أتاحه له الموروث الاجتماعي القامع للمرأة.
وهم بذلك أشبه بالدول المستعمرة التي لا تريد للشعوب المستعمرة التحرر فتصمها بكثير من العيوب البنوية الهامة في تكوينها كي يجتمع في وعيها الجمعي فكرة مغلوطة بعدم قدرتها في التحكم بمستقبلها، ولكن ما ان تستطيع هذه الدول إدراك قدرتها، فهي ستكون قادرة على التحرر..’
كذلك هي المرأة عندما تريد أن تحرر عقلها من هذه التصورات المغلوطة تجد الرجل أكثر المحاربين لها، فهو وحده العاقل المتحكم في منافذ مملكة العقل، وللنظر بعمق في ماهية هذا العقل الموهوم بقوته، هو عقل ضعيف في معرفته، ‘ومدى محاولته لتحجيم عقل الآخر، هو مدى ضعفه، في حل إشكاليات تعامله المعرفي / والإنساني مع المرأة، فهو لأنه عقل ضعيف لا يستطيع أن يرد على نقاش المرأة وحججها المنطقية، فيكتفي بالصراخ وإنهاء النقاش معتمدا على السلطة التي يمنحها له المجتمع، وتفسيره المغلوط للنص الديني بقوامة الرجل على المرأة، فقوامة الرجل على المرأة، لها وضع مثالي مفترض من الخالق، تم تشويهه بالممارسة الاجتماعية، وهذا ليس في المجتمعات الإسلامية وحسب، بل في العالم الغربي القامع للمرأة لقرون، ومن الغريب ان أشهر الفلاسفة الغربيين كانوا ضد المرأة، وصاغوا بفلسفتهم جدلا خاليا من المنطق والحقائق حول ضعف المرأة، ومن المستهجن في هذا العصر أن يأتينا شباب الكويت بأعلى الدرجات الفكرية في الفلسفة، ولا يزالون يرددون كلام نيتشه وأفلاطون عن المرأة سواء في تعاملهم الفكري مع قضايا المرأة أو تعاملهم الشخصي معها.
* من الأمور الأخرى المثيرة للشفقة هو ادعاؤه بأنه رجل متحرر وديمقراطي كونه سمح للمرأة بالخروج للعمل، ولنلاحظ المأساة التالية، ثم نحللها:
1 – الزواج من امرأة موظفة، بل إنه يسعى للزواج من امرأة راتبها عال جدا، كالمدرسة مثلا، 2- وفي حالات كثيرة يأخذ منها بطاقة البنك التي ليس له الحق بأخذها، ولكنه يأخذها عنوة، وإلا طلقها3- وهي من تقوم بتربية الأولاد والقيام بشراء مستلزماتهم، وتدريسهم، ومستلزمات المنزل، ولنلاحظ إنه يكتفي بوظيفته، والخروج إلى الدواوين، وفي أقرب فرصة يسافر لأي مكان لكي يصرف الراتب على متع رخيصة، وهذه المرأة لا تزال فيما يدعي امرأة مستقلة/ لكنها في حقيقة الأمر الواقع مستعبدة من دون حتى مكافأة عاطفية معنوية..
من المؤسف جدا، إن المرأة الكويتية وفق هذا الواقع البائس، لا تستطيع أن تأخذ خطوة إلى الأمام، كونها إن اعترضت عاقبها في الطلاق، ومن خلال قراءتها لواقع سلوكيات وعقل الرجل الكويتي، إن هذه الرداءة ظاهرة عامة، فانعدام البدائل الجيدة أمامها، يجعلها تتقبل هذا الأمر بكثير من الحزن والأسى المشكل لأمراض نفسية عدة، تحاول معالجتها دوما في كتب تنمية الذات، ودورات التدريب النفسي، إن كانت امرأة قارئة لتفريغ شحناتها الانفعالية، وتحمل الجديد من الألم الصادر عن مؤسسة القمع الذكورية الكويتية.
* ملاحظة: أنا لا أعمم جميع ما ورد في هذه المقالة على جميع الرجال في الكويت، وأتمنى انها ظاهرة لا تشكل إلا 10′ من حالات المتزوجين الكويتيين..
@[email protected]@su_ad81
كاتبة كويتية