تحولات الألوان والخطوط في أعمال العراقي عصام عبد الإله

حجم الخط
1

الفنان عصام عبد الإله من خلال ممارساته للرسم، وعبر معروضاته ضمن المعارض، يمتلك ميلاً إلى تغيير مفردات بنية اللوحة. ونقصد في هذا إعادة النظر في تركيب مكوناتها. ولعل ما يشفع له في مثل هذه الممارسة؛ إنه شديد العناية بتركيب الألوان وصياغة مبناها، من حيث ألفتها واشتقاقاتها، حتى أنه يميل إلى الزخرفة اللونية، مقترباً من الحس الشعبي، الذي يهتم كثيراً بتنوع الأشكال الهندسية على رقعة تشكيلته اللونية في البُسط الشعبية.
فالصناعة الشعبية حرفة، لكنها تأخذ من المخيال الشعبي صيرورته لتضفيها على لوحة البساط. والفنان هنا يدرس اللون واشتقاقاته، ويهتم بهندسة مكونات لوحته، كما لو أنه يستعير مخيال الفنان الشعبي، ليضيف البهجة التي تصوغ الألوان والرؤى الهندسية تشكلها. فهي ليست موجودات عشوائية، وإنما تأخذ بمبدأ التناظر والتواؤم والتوازن. والفنان في ما يحاكي من مفردات، الغرض منه توسيع مجال توظيف الخيال لكي يصوغ مفردات جديدة. فالألوان في لوحته شهدت مجموعة حركات في مواضعها، كذلك في فعل زحزحة المجال كي تُعطي مآلاً تعبيرياً يوحي ويقود إلى القراءة التأويلية البصرية. وهذا بطبيعة الحال يُجدد حيوية اللوحة بشكلها العام، وينمي فعلها التكويني، لأنها نص بمواجهة التلقي.
إن ما يتخذه الفنان ضمن كل لوحة، هو مبدأ الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المتغير في المشهد من جهة، وتغير الرؤى من جهة ثانية، كذلك تغير المعرفة من جهة ثالثة. فالفنان هنا تواق إلى إضفاء تشكيلة جديدة ذات مفردات أكثر حيوية. ولعل الانسجام الهرموني من الخصائص المركزية في لوحته، فالخطوط والألوان تتحرك وفق (فيكَر) مركزي، ليست عائمة في فضاء تجريبي، يحتمل أكثر من نتيجة موضوعية. إن مركزية السطح تُعد من أكثر المكونات في تشكيل اللوحة، لأنه أساساً يرتبط بالفكر، أو المتداول المعرفي. إن الفنان يمتلك مجالات متعددة، تنتج اختيارات متعددة، لكنها مدروسة، بسب تشكلها وفق مركزية فكرية متأتية من معرفة، ونحن إذ نتابع الفنان في نشاطات معروضاته، نجده لا يستقر على تشكيل بنيوي ثابت، بقدر ما يحاول استكناه الذات، ومعرفة حس الآخر. وهذا ما يُشكل مكوناً عاما يُحدد خطوات مدروسة ومنعكسة على لوحاته. فالتآلف والانسجام يوحي بتشكل جمالي خالص.

024

عصام عبد الإله

أما الرمز، فقد وجد له مجالاً في تشكل اللوحة. ورموز عصام عبد الإله رموز بيئية، ذات بُعد دلالي قديم. وهي رموز تحاكي ظاهرة التخصيب في البيئة، محاولاً العبور به كبنية دلالية إخصابيه في الواقع. وهي في مجملها رموز مائية، ترتبط بما هو رمز إخصابي مركزي هو النهر، بكل مكوناته ومحمولاته. مثل (الأسماك، قطع الأعشاب، جريان المياه، الضفاف، العمق). هذه الدالات تآلفت مع الإنسان الأول، وسيّرت حياته، فالسمكة رمز قوي كبنية، لأنه لا يشكل عنصراً يُحقق ذات الإنسان فحسب، بل إن دلالته الأبعد ما يذهب إليه الفنان، وذلك لارتباط وجود السمكة مع وجود المياه، والمياه بوجود النهر وما حوله، وهذه كلها تكشف صورة حركة الزمن. فالنهر مكان (حيز) وحركة مياهه زمان. لذا نجد الفنان يختار بتلقائية إبداعية أهم عنصر (رمز) في الحضارات القديمة، ليقدمه تمثيلاً موضوعياً بما يوفر له تشكيل دلالات جديدة عبر صياغة جديدة، وانسجام جديد مع مفردات أخرى في تشكيل اللوحة. أما ما يُزين الطبيعة، ويُضفي عليها جمالية فائقة، ونقصد به الاخضرار الذي يوحي بحيوية الوجود، فالفنان بما يشكله في اللوحة من باب جمالية الرؤى في صياغة شكل ومبنى، هو تعبير عن رؤى قارة لوظيفة الفن.
إن الرموز المذكورة وجدت لها متسعاً في لوحاته السابقة، عبر هندسة مفردات اللوحة، وكما ذكرنا في محاكاة الفنان الشعبي، ومنها (الدائرة والمثلث والمربع والمستطيل) هذه الأشكال هيأت لرؤى تتجه إلى الطبيعة أيضاً، الأخذ منها والتأثر بها من قبل الفنان الشعبي كمنعم فرات في مجسماته مثلاً. غير أن الفنان هنا يُعيد النظر في ما كان ملاذاً تعبيرياً له، فمال إلى الطبيعة الخام ليشكل رموزه منها، وبتلاعب فني بنيوي ذاتي، يوحي بدلالات موضوعية. فالقوس في تنامي الأشكال الهندسية، لعب دوراً في صياغة وتمثيل الشكل الجديد (الرمز الجديد). إن قدرة الفنان تتجسد في إمكانياته في اللعب بالأشكال وتغيير بنيتها، من خلال مواضعها، مع المحافظة على تكونها من خلال دلالاتها.
والفنان لا يبتعد عن وجود الجسد، معبراً وفق بنية لا تبتعد عن محتويات ألوانه من الأشكال والهيئات الهندسية واللونية، فهو معني بالمرأة ككيان وجسد. وطيفه يتمسك بحلمية الطيف الشعبي. وتجسيد ذلك عبر الأزرق الشذري مثلاً، الذي يتلاءم مع المقدس للتعبير عن النقاء الروحي، فوجود الأنثى في لوحته مرتبط أساساً بوجودها وسط فيض روحي، وهي تؤدي أدعيتها وتراتيلها الصامتة. والذي يعبر أكثر عن وجودها، هو تقاطع الخطوط طولاً وعرضاً، مدللاً على سلطة منظومة الأسرة كذلك المجتمع، لذ نجد أن الأنثى هنا متقيده بالعُرف، عبر نقاء جسدها. إن الفنان يمتلك القدرة على الإمساك بدلالة اللون، فلوحته متعددة الألوان ومنها (الأصفر الصافي، الأزرق والشذري، الأحمر) وكل منها له دلالته وعلاقته بالرموز القديمة. فهي ألوان اتخذت التدرج في مسارها للتعبير على السطح، ونقاؤها نابع من نقاء الصيرورة. وتدرجها شكل حراكاً أنتج رموزاً مبنية على حراك ذهني (تداعيات) تتسلل إلى ذهن المتلقي البصري، الذي يمنحها هُويتها اللونية، أي وجودها اللوني الصرف، فهي ألوان غير مشوبة، ولا متحللة، إلا بمقدار ما يتطلب التعبير عن الظاهرة. وهذا بطبيعة الحال له علاقة بمسار للحياة اليومية، فهو يُنشئ جمالاً تعويضياً عن المُدَمْر، أي صياغة جديدة مليئة بالبهجة، ويغطي على الصورة اليومية المبتلات بالتشويه والتدمير والاقصاء.

022

شعرية اللون وإشراقاته

لعل اللون في لوحات الفنان عصام بتدرجاته، إنما يمتاز بالتناص مع أجناس تعبيرية كالشعر، فاللون مفردة تعبير شعرية، لها مساحتها في الشعر، من خلال كونه (أي الشعر) يتعامل مع المكونات في الوجود عبر التشكل اللوني في الإيقاع وجرس المفردة الشعرية. وفي التشكيل يعمد الفنان إلى الاقتراب من هذا، عبر خلق انسجام هرموني لوحدات لوحته (الخطوط والألوان) وبذلك يقترب إيقاع اللوحة من إيقاع الشعر، في كونهما يتعاملان بالرهافة والحس الشعري العابرين للأداة في التعبير. صحيح إن لكل جنس كيفياته، لكن المنتج هو الحاصل النهائي العاكس للرؤى. فالتشكيل والشعر، يلتقيان في درجة الحس المرهف للمكونات في كل منهما، لذا يجوز لنا أن نقول: هذا شعر استجمع تشكيله من لونية وخطية. وهذا رسم ذي نظرة شعرية مرهفة. ولعلنا نتلمس في المبنى الشعري علاقات توحي بها لوحاته المقتربة من العلاقات الحسية، مع نماذج شكلت محتوى بعض لوحاته، ونعني به وجود الإنسان في الزمان والمكان، فهو وجود مرهون بالقدسية، كما ذكرنا آنفاً، وبالعلاقات المجتمعية، فهو فنان يميل إلى خلق صيرورة لنماذجه، عبر اقترابهم من بعض، وفق بنية جامعة تعتمد على رؤى فكرية مجتمعية، إنه يرى نماذجه على مثل هذا الاجتماع والانسجام والحوارن وبما يوفر له تشكيل بنية حكائية، يعود من خلالها إلى المبنى الحكائي للوحة الشعبية، هذه المرة يأتي بما يؤدي إلى انسجام موجودات عبر مخيال شعبي يمتاز بالنقاء الفكري الفطري. فهي كما تبدو حيوات طيفية، أنتجها مخيال الفنان، ويؤكدها الخط واللون بانسجام في التعبير، فهي نماذج لا توحي إلا بالنقاء الوجودي، مرهون وجودها ضمن تشكلات ذات حساسية فنية جمالية، أي أن الفنان يبحث عن جمالية الوجود وسط أي وجود تُحيطه عناصر التشوهات والإرباك والاضطراب، أي أنه ذو نظرة تفاؤلية خالصة.
من كل هذا يمكننا الحكم على دأب الفنان في تعامله مع اللون، في كونه يتعامل بذلك من خلال نظرة بدئية (ونقصد نقية) نظرة الطفولة واستكانة الأنثى في حياتها، المحفوفة بدهشة الألوان والأطياف الناتجة عنها، سلطة اللون الظاهر من عنصر الطبيعة كالشمس والقمر؛ الضوء والظِل.

قراءات ليست نهائية

أرى إن قراءة منجز أي فنان لا تنتهي بعد انتهاء وتدوين ما يمكن تدوينه كانطباعات، وإنما يتواصل هذا وفق منجز لاحق، لاسيما أن الفنان في منجزه انضوى تحت مسمى (تخاطر) الذي ـ كما نرى ـ التحكم بالمنجز اللاحق باعتباره يشكل صفحة مضافة. فتجربة الفنان ووفق ما تقدم من قراءة بصرية للوحاته، يمكن ذكر أنه ووفق معايير عامة ما يلي:
• سأهم بجدية في خلق لوحة تميزت بإمكانية توظيف الكولاج، كحرفة وجمالية فنية.
• تعامل مع المشهد الحياتي بعفوية مدروسة وفق المنظور الفكري، الذي هو حصيلة أخلاقية بالتعبير الفني الإنتاجي.
• خواض فعالية التجريب وفق العمل مع الألوان بتجريبية واعية وحساسة.
• استحضار رؤى الطفولة، من خلال استنهاض الذاكرة وميلها إلى المفهوم الشعبي للفن.
• عنايته بالتصميم للوحته من خلال خلق انسجام بنيوي تبئيري راكز.
• تعامله مع اللون برهافة، والنظر إلى اشتقاقاته على أنها درجات لونية ذات مدلولات عامة وخاصة.

كاتب عراقي

021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية