الصياغة المتأتية من توظيف الجدار، تعتمد على الكيفية التي يراها الفنان مناسبة لهذا الضرب من الاستعمال أو ذاك. مثل هذه النظرة العملية لفهم وظيفة الجدار، تمنح الفنان على طول مسيرته الفنية، حقيقة جدلية محتوى اللوحة، التي تستعين بمفردات قادرة على تجسيد الأسلوب من جهة، ومنح الممارسة الفنية شيئا من التجديد الذي يمكن نعته بالإشراق من جهة أخرى، لأنه يتكئ على إمكانية ذاتية سائرة وفق تحول مكين، بعيداً عن الافتعال. وهذا ما كان واضحاً لنا ونحن نراقب تجربة الفنان فاضل ضامد لزمن ليس بالقصير، قياساً لما لاحظنا من تحولات في الأسلوب، مع بقاء (الفيكَر) قائماً كالمركز الذي تدور حوله الأفلاك.
إن السمة التي تميز أعمال الفنان وأقرانه؛ كونه يعتمد التدرج في التحول. فجدار لوحته زاخر بالأسس التي تنبئ بحراك التغير الذي يمكن أن نقارنه بتطور الشعر العربي، في ما يخص ميزان الكتابة. وحين نذكر جدار الفنان، إنما نعني ما يؤسسه من عمارة، فهو فنان مولع بتشييد عمارته، لذا وجد أن التدرج في التحول، يضفي عمقاً لما هو جار على المحتوى الجمالي. فعمارته لا تستقر على حال، وعدم استقرارها يواكب تطور المعرفة المجسدة في النوع وليس الكم. كذلك المراقبة والفحص الدائمين للمنجز، ففي سياق تجربته، وجدنا أن عمارة لوحته، ونقصد محتواها وشكلها، ساير منطق اللون المجزأ، والمرتبط مع المجاور، والخط الذي يمثل سردية المحتوى، كل هذا نابع من حرص الفنان على توثيق صورة المكان بأسلوب التجريد، مع الإبقاء على الملامح الدالة على خصائص المكان، عبر مفردات لونية وخطية.
إن الشكل الهندسي في تشكيل المحتوى، دليل نظام الرؤى التي تبحث عن مستقر المكان في الذاكرة، إذ نلاحظ أن عمارة الفنان تمثلها بهرجة الألوان ورصانة الاصطفاف بين الأشكال الهندسية التي تشكل مجموعة جدران تتجاور، أو تتقاطع في حركة دائمة، تؤسس لمعنى عام في اللوحة. ولعل ما استجد في محتوى اللوحة، أو عمارتها؛ هو الدليل على المركب الجديد للعمارة، فثمة عمارة علوية وأخرى سفلية، هذا المنطق أو التسلسل السردي أضفى على حركة المحتوى تخاطباً وتخاطراً يوحيان بوتيرة التنامي والتراتب، وفق منطق فني واضح، فوجود مقطعات الألوان لا يُحدث كثافة زائدة، بقدر ما يمنح تشوفاً مستقراً ومهيأ لتلقٍ بصري ينعكس عليه الهدوء والامتصاص الموضوعي للأشكال.

الحراك الذاتي والموضوعي
من الملاحظ على محتوى لوحة الفنان؛ أنها تكتسب سعة في المجالات التي تتحرك فيها الأشكال، أي ثمة سببية تمكن تلك المركبات اللونية والخطية من تجسيد المعنى، على الرغم من اتساع رقعة المعاني ضمن كل لوحة. فسطحها زاخر بالتحاور والمواءمة، وجدلية السبب والنتيجة. وهذا الصراع السلمي بين المكونات هيأ فضاء أكثر سعة، وقدرة على استيعاب رؤى المتلقي البصري، لاسيما انعدام التنافر المحتمل بين المكونات، لأن الفنان حريص ـ كما نرى ـ على أن يتعامل مع المكان بأسلوب مغاير، أو وفق ما يرى فيه من خصائص، يجسدها على سطح اللوحة، فهو معني بالخصائص الذاتية الجمالية، وليس الحرفية. فنقل خصائصه من بيئة المكان إلى بيئة اللوحة تتحكم فيها الرؤى الذاتية، مجسدة لما يراه جميلاً في المكان، أي تشكيلات المكان الخام . غير أن ما يؤكد هذا الحرص، في كون الفنان يتعامل مع اللون في الطبيعة كأسلوب ونظرة جمالية أكثر، وهذا ما وجدناه في الخاصية الذاتية، سواء لرؤيته الذاتية، او تطبيقاته الفاعلة على سطح الجدار، إنه ينظر إلى المكان وفق خصائصه الذاتية المكونة لوجوده، لاغياً سمات الخراب التي تتعرض إليها الأمكنة عبر الأزمنة الصعبة، فهو فنان ضمن مجموعة فنانين في المدينة، تتعدد رؤاهم للمكان، وأساليب تجسيد خصائصه، والفنان ضامد يسعى إلى اختيار أسلوبه في عكس خصائص المكان. فنراه معني بتشكلاته المقاومة للمحو والإزالة لوجوده، والتأكيد على خصائصه الدالة. وهذا منطق نجده قار، بالنسبة إلى وجود المكان ومحاولة امحائه، إذ تبقى وفق رؤية الفنان لخصائصه الذاتية التي يجسدها الفن.
فإذا كان بعض الفنانين يحافظون على الصورة عبر الأسلوب الانطباعي، فإن آخرين يجدون في ملاحقة مكوناته الأساسية مرمى لوحاتهم كالخطوط والألوان. بمعنى الميل في التعبير باتجاه شعرية أخرى مضافة لما قدمه الانطباعيون، فالأمكنة متداولة خاضعة لأساليب الفنانين، الأمر الذي يؤكد كيفية المحافظة على ذاكرة تنطوي على صور تتمثل نصاعة المكان. وفي تقديري إن هذا مهم كرسالة فنية ملقاة على عاتق الفنان.
في لوحة الفنان لا بد من (أعلى وأسفل) كما رأينا في لوحات رافع الناصري، وكل الأجزاء من هذه المكونات السردية، له اشتغاله في ما يخص المعنى، لكن في خلاصة العمل، نجد ثمة تظافر حاصل بين المستويين.
ولعل الانسجام الدائر بين مفردات اللون واحدة من خاصيات تشكل اللوحة، فالضربة اللونية لا ترتكن إلى العشوائية أو التجريب البحت، بقدر ما اعتمدت الرؤى في تشكيلها ومجاوراتها، فالذاتي يؤدي إلى الموضوعي في حراك الألوان، وسطح اللوحة متسع لمثل هذا الحراك النامي والجدلي، فالأجزاء كعلامات تؤدي وظيفتها بشكل يوحي بسعة النظرة للون والخط لأنها ـ كما نرى ـ وعت الضرورة والحتمية التي تربط هذه المكونات مع بعضها. إن الفنان ينظر بعين الشاعر والسارد وهو يتعامل مع مكونات لوحته، فالأجزاء تتظافر من أجل عكس الكليات في كل لوحة. وهذا نوع من الدرس الذي اتبعه الفنان وهو يداور مفردات اشتغاله ذهنياً وعملياً.
في لوحة الفنان لا بد من (أعلى وأسفل) كما رأينا في لوحات رافع الناصري، وكل الأجزاء من هذه المكونات السردية، له اشتغاله في ما يخص المعنى، لكن في خلاصة العمل، نجد ثمة تظافر حاصل بين المستويين. وهو أسلوب اتبعه القاص العراقي محمد خضير في واحدة من قصصه وهي «منزل النساء» ضمن مجموعته «في درجة 45 مئوي» وهو أسلوب أغرى الفنانين، أو أوصلتهم إليه طبيعة المعالجة الفنية المعتمدة على شفاهيات ذهنية، مستنبطة من مشاهدات مكللة برؤى فلسفية خالصة وجدلية حيوية. فالفنان يتعامل مع اللون بحذر، ويتعلق أكثر مع الأبيض الذي يكسر في جميع الحالات صرامة بقية الألوان، وتوحدها يأتي من نصاعة الأبيض المشرق والدال على الدعة والسلام بين الإنسان وأخيه الإنسان. ولا يبتعد عن تأثير الأصفر الذي يُضفي إشعاعاً يُبدد العتمة التي قد تنخلق من جراء حراك وزحمة الألوان مع بعضها، فالأبيض والأصفر يمثلان فاصلة التنقيط في المكتوب التشكيلي.

التقنية والرؤى الهندسية
الفنان ضامد أكثر الفنانين ولعاً بهندسة أجزاء اللوحة مستعيناً بوحداتها كـ(المثلث، المربع، المستطيل، الدائرة) متخذاً منها علامات سردية لتحقيق المحتوى، أو تحاور الأشكال لتشييد عمارة اللوحة، فلوحته معنية بالترابط بين هذه الأشكال باعتبارها تشكل الكينونة في العمارة، التي وجدناها مثلاً عند المعمارية زها حديد، ذات البُعد الحلمي الشفاف، وكسر النمط، معتمدة على الانسياب التلقائي لأداء وظيفة الشكل الظاهر للعمارة، ولعل هذا كما ذكرت في مناسبة، أنها تأثرت بانسيابية ماء الأهوار وهي بصحبة والدها وهي صغيرة ما زالت. والفنان ضامد متأثر كثيراً بطبيعة ما رأى ويرى في العمارة، لكنه مصر على أن يُقدم عمارته عبر نظرته للمبنى، تماماً كما رأت حديد، المهم هنا الصياغة، والأهم في هذا طبيعة النظرة الذاتية التي تقود بطبيعة الحال إلى الموضوعية، مجسدة عنده في اللوحة كاملة.
وكما تكون نظرتنا للعمارة في اللوحة، نكون بمواجهة عمق الفنان ضمن خصائصها الذاتية، كونها تمتلك خاصية ظاهرة وباطنة، فالشكل الظاهر يوحي بما في داخله. وهنا تتحقق ازدواجية التوظيف للشكل بصورته العامة، فهو لا يؤدي وظيف ظاهرة كما هو مبنى هو عند حديد، إذ لا بد من وظيفة باطنة، وهي من أهم الوظائف على صعيد تأسيس المبنى. التظافر يعني الشكل الخارجي والباطني. ولوحة الفنان تمتلك هذا، لأن الشكل الخارجي يوحي بطبيعة الوظيفة المؤدية لما هو في الداخل، التي تجسد التظافر ما بين الشكل الخارجي وداخله. ولوحته زاخرة بمؤشرات شعبية، هي أيقونات ينتجها العقل الجمعي الشعبي، كالتمائم والأشكال المستنبطة من المخيلة، والمخيال الديني. وهي شعيرات مرسومة، تتجسد من خلال الأزرق الشذري والأبيض الكاسر للنمط، هذه المنمنمات تؤكد على شعبية رؤى الفنان، عبر تزيين محتوى لوحته بها، لكي يُبقيها ضمن دائرة المقدس والشعبي، فلما كان اهتمامه يعكس خصائص المكان، فلا بد من تأثيثه. وهذا ما أكده الفنان في لوحاته.
لعلنا ندرك جُهد أي فنان بمقدار الجُهد المبذول في اللوحة، ومراقبة جُهد الفنان ضامد عبر اشتغال محترفه التشكيلي، والمحفوف بالتأني في التنفيذ؛ فقد وجدنا حرصه على تهيئة لوحة تتضمن طبيعة اشتغاله المتواصل للتحول وفق منطق الرؤى والمعرفة. فهو ينظر إلى لوحته بعين الناقد التشكيلي، وهي سمة معنية بموضوعية الفن ورسالته في الحياة.
كاتب عراقي