تحية الإعزاز لجيش الوطنية والكرامة

تقول لنا وقائع التاريخ الموثقة ان الولايات المتحدة الأمريكية وضعت، في أعقاب حرب عام 1956 التي قامت بها إنكلترا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، خطة ممنهجة لاحتواء الثورة المصرية وترويض زعيمها جمال عبد الناصر، لكي يكتسب إرثها في الشرق الأوسط مقومات السيطرة على المكان، وتمسك بيدها أدوات تيسير الزمان على هواها.
وعلى امتداد احد عشر عاماً فشلت إدارات ثلاثة رؤساء أمريكيين متعاقبين (دوايت إيزنهاور وجون كينيدي وليندون جونسون) في تحقيق هذين الهدفين.
فشلوا في ضم القاهرة إلى حلف بغداد، وفشلوا في تقويض اتفاق تسليح القوات المسلحة من الكتلة الشرقية، وفشلوا في وأد فكرة تأسيس منظمة عدم الانحياز، وفشلوا في كف يد النظام الثوري الحر عن تقديم العون لحركات التحرر العربي والأفريقي، وفشلوا في وقف خطط التنمية الخماسية، وفشلوا في إقناعه برغبة الولايات المتحدة في ‘تسوية النزاع العربي الإسرائيلي’. وجاء رد عبد الناصر على الرئيس كينيدي1961 قاطعاً، ‘لا يوجد إلا طريق واحد للتسوية، هو رد الحق لأصحابه’.
ولما وقعت هزيمة عام 1967 ظنت واشنطن أن ما لم يتحقق بينها وبين القاهرة بالتفاهم والرضا يمكن أن يتحقق بعد انكسارها السياسي والعسكري، بالقوة والإجبار، وكان مدخلها إلى ذلك حالة التراجع والانهيار التي وجدت القوات المسلحة نفسها فيها، وقامت بتوزيع الأدوار.. إسرائيل عليها ان تستنزف قوى الشعب المساند باقتدار لقواته المسلحة رغم هزيمتها، مادياً ومعنوياً. أما الدول الغربية فعليها أن تضرب حصارها المحكم على مصر، اقتصادياً وتسليحياً.
ولم تركع مصر ولا استسلم شعبها.. وخاضت القوات المسلحة وشعب مصر كله حرب إكتوبر 1973، بكل الحزم وحسن التخطيط والإرادة الحرة، وتحقق النصر. وخرجت القوات المسلحة أقوى مما كانت وأعز مما كانت وقررت قياداتها المتعاقبة الحفاظ على ولائها للشعب في كل الأحوال. ولم يُرض ذلك لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل.. إذن ما العمل؟
اقترح هنري كيسنجر على الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (1977 1981 ) ضرورة العمل على تكبيل الدولة المصرية باتفاقية سلام مع إسرائيل، تفرض عليها تحديد قواتها المسلحة في سيناء، بحيث يكون هناك نوع من الخلخلة الأمنية، وأن يكون تحريك القوات بين المناطق أ و ب و ج مشروطاً بموافقة إسرائيلية، وأن تربط القوات المسلحة بمعونة امريكية سنوية يعود أكثر من نصفها للشركات الأمريكية التي تعمل على تحديث القوات المسلحة المصرية والخبراء العاملين في هذا الخصوص.. إلى جانب معونة اقتصادية قابلة للخفض والتراجع والتأخير، اذا تطلب الأمر ذلك.
من هنا ظهرت إلى الوجود اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، التي تم التوقيع عليها يوم 17 ايلول/سبتمبر 1978، متضمنة البنود التي تنص على هذه المقترحات.
وعلى الرغم من هذه النصوص المجحفة، طال انتظار الإدارات الأمريكية لأن يتحقق حلم الهيمنة والسيطرة والتوجيه بالكامل.. ولم تسلم القوات المسلحة المصرية رايتها لواشنطن ولا خضع قادتها لمخططاتها.
إذن ما العمل؟
لقد هرم نظام حكم مبارك وقاوم الشعب وقواته المسلحة حلم التوريث. إذن لا بد من العمل على نقل السلطة في القاهرة إلى التيار السياسي الاسلامي.. وكان على واشنطن ان تنتظر اللحظة المواتية لتحقيق هذه الخطوة، لأن كل المؤشرات حتى منتصف عام 2010 كانت تؤكد أن الشعب المصري يعيش حياته في سبات عميق وليس لدية الرغبة في الثورة.. وجاءت الفرصة على طبق من بلاتين. فلما احتضن الشعب بكل فئاته ثورة الشباب في كانون الثاني/يناير 2011، سارعت واشنطن إلى استخدام ادواتها في الضغط على المجلس الأعلى للقوات المسلحة لكي يعمل على إفساح الطريق لتيار الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين ‘الأكثر جماهيرية والأكثر تنظيماً والأغني تمويلا ‘، لكي يشاركوا في التغيير عبر صندوق الانتخابات، وفي نفس الوقت توافقت مع الجماعة على تثبيت أركان حكمهم إذا هم عملوا بنصيحتها في إدارة شؤون البلاد، عن طريق الالتزام برعاية مصالحها في المنطقة تحت شعار ‘معاداة من يعاديها والتعاون مع حلفائها’.
أيقنت إدارة الرئيس أوباما بعد 30 حزيران/يونيو 2012 أن مشروع الهيمنة والتسلط على القاهرة قد بدأ مشوار تأسيسه لشرق أوسط جديد، يحذو حذو تركيا في نهجها الإسلامي، وأيقنت جماعة الإخوان المسلمين أن انتظارها لأكثر من 80 عاما لفرض رؤيتها على الشعب المصري قد تحقق ولن تتراجع عن هدفها الأسمى، فبدأت فوراً في العمل من أجل أخونة مفاصل الدولة المصرية على كافة المستويات، خاصة الأمنية والإعلامية، وسعت بشكل سافر إلى إحداث انقسام ووقيعة بين قيادات مؤسستي القضاء والقوات المسلحة. وبدأ الطرفان في العزف المشترك المتناغم ..
واشنطن بدأت في الترويج للحكم الإسلامي الرشيد الذي تحقق في القاهرة.. وأيدت في سكون تام كل ما كان يجري على الساحة من اعتداء علي هيبة الدولة، وغضت بصرها عن مسلسل الإرهاب الذي بدأ في سيناء في اب/ أغسطس التالي، وشجعت الرئيس المصري المنتخب على إسكات صوت المقاومة الذي كانت تمثله حماس..
وأوصت بقبول الودائع التي أتت للقاهرة من عواصم خليجية ذات صلة متينة بها.
ولم تعلق على اقامة احتفال بنصر أكتوبر تتصدره قيادات أبعد ما تكون عن السياسة والعسكرية والوسطية والدعوة للديمقراطية.
ولم تبد اعتراضا على قرارات التحصين التي أصدرها الرئيس – بعد خمسة أشهر فقط من انتخابة – لا من حيث كونها اعتداء صارخا على أي شكل من اشكال الحكم ما عدا الفاشية منها، ولا من حيث تعطيلها للتحول الديمقراطي الذي كانت تصدع به أدمغتنا طوال الوقت. واعترضت بلا روح على كافة ما جرى طوال عام كامل من اعتداء متتال على حقوق الانسان، وسمحت سفيرتها في القاهرة لنفسها أن تناقش مع غير ذوي الاختصاص أو المسؤولية أدق الملفات المتعلقة بالأمن القومي واستقرار الوطن والمواطن.. وتجاوزت عن الوعود التي بذلها رئيس الجمهورية المنتخب بالتنازل عن مساحة من الأرض والسيادة المصرية هنا وهناك.
وفجأة ثار الشعب المصري وقلب مخطط التمكين رأساً على عقب، وأعلن موت المشروع الأمريكي، وأعاد الأمور إلى نصابها الحقيقي.
وفجأة أيضا وقف الجيش خلف الشعب الذي يعمل في خدمته منذ قديم الزمان، مؤيداً حقه في أن يقول رأيه في نظام الحكم الذي يرتضيه وأن يولى عليه من يراه الأصلح.
واستشاطت واشنطن غضباً ووصفت ما حدث بأنه انقلاب، وهي تعرف أنه ليس انقلاباً، ولكن الغضب يعمي بصيرة الأمم كما يعمي بصيرة الأفراد.. وتمسكت لأكثر من شهرين بضرورة عودة الرئيس المخلوع إلى رئاسة الجمهورية، ثم اعترف رئيسها من فوق منبر الأمم المتحدة، بأن هذا الرئيس لم يُفلح في إدارة البلاد وأنه فشل فشلاً ذريعاً في إقامة حكم ديمقراطي، وأن من حق الشعب المصري أن يختار من يحسن إدارة شؤونه’.
الجيش المصري لم ينقلب على سلطة شرعية، ولكنه نفذ امر العزل الذي أصدره الشعب ضد من لم يعد يتمتع بالرضا والقبول، لذلك لم تتول قيادته المسؤولية بشكل مباشر، ووضعت بالاتفاق مع القوى السياسة والمدنية والثورية خارطة طريق جار تنفيذها خطوة خطوة، وسيساهم الشعب بكل طوائفه في تحقيقها بنسبة كبيرة من النجاح، بدءاً من وضع دستور جديد للبلاد وانتهاء بانتخابات برلمانية ورئاسية.
واشنطن لا يعجبها هذا التصرف ولم ترض بعد عن خارطة الطريق، ولكنها سوف تضطر في نهاية المطاف إلى القبول بكل ما سيختاره الشعب المصري لتحديد مستقبله.
واشنطن تبحث بكل السبل عن كيفية تقديم رشوة لقيادة القوات المسلحة، ولكنها ستفشل، كما حدث لها من قبل مع عبد الناصر، حين ارسلت إليه رشوة مليون دولار فاستغلها في بناء برج القاهرة ليكون رمزا للعزة والكرامة وطهارة اليد. الجيش المصري لن ينحاز إلا للشعب.. ولن يخدم إلا الشعب.. ولن يخضع إلا لقياداته العسكرية.. ولن يكون ولاؤه إلا لوطنه وحرفيته التي تربى عليها منذ مئات السنين.
فتحية له في يومه نصره، وتحية موصولة لقياداته لمواقفهم الوطنية وولاءاتهم الشعبية..

‘ إستشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية