«تحية من حلب»… الحياة رغما عن الموت

في نحو 17 دقيقة فقط هي مدة التوثيق السينمائي التي يشملها الفيلم الأهم، «تحية من حلب» نستطيع التسلل إلى الواقع المأساوي داخل المدينة العربية الباسلة التي نطالع فيها صور الخراب والدمار، من هول آليات القصف الدائرة ليل نهار، ولكننا وسط ركام الحرب ومخلفات التدمير نعيش اللحظات الفارقة في عمر الشعب السوري البطل، ونلاحظ ذلك الواقع الجديد الذي يتجاوز بكل جدارة وصلابة، عنفوان الموت ورائحته المنتشرة في كل مكان من أرجاء المدينة الحية، فالليل الحالك لم يستطع تبديد شمس النهار، ولم يقطع صيرورة الحياة في الشوارع والميادين، ولم يمنع لهو الصبية والأطفال ولا ركضهم ذهابا وإيابا نحو غاياتهم البريئة.
كل الأشياء تسير كالمعتاد، لا خوف ولا حذر ولا توار عن الخطر، العناد والشجاعة والتحدي تحرك سكان المدينة في الاتجاه الصحيح، فلا يبالون بالقنابل والدانات والقاذفات، إنها القوة الكامنة التي استحضرتها الحرب لدى الأفراد والجماعات، وأيقظتها المحن من داخل الأعماق الإنسانية فصارت هي الوقاية والحماية والدروع، في معنى جليل وبليغ لاستنهاض الهمم والإصرار على الحياة، رغم الموت المحدق، المطل من النوافذ وعيون المدافع وأزيز الطائرات والعتمة التي تلف البيوت والمستقبل المجهول للأطفال الصغار.

القراءة الضمنية لما يُريد أن يقوله الفيلم في صمت يغني عن الكلام، وإدانة أشبه بعار يطارد أصحابه كشبح، يظل ما ظل الموت مُحلقا والدمار عنوانا.

ملامح تشي بها الصورة التي صنع منها المخرج عيسى توما بانورما فيلمه الوثائقي الإنساني في زمن قياسي يسجل ما جنته الحرب في سنوات، مستطلعا الوجه الآخر لحلب التي باتت صورا للأطلال، ومذكرا بمجدها وحضارتها ورقي أهلها، فها هم الأطفال يلعبون في ثبات وعناد متناهيين، وتلك عائلات تقيم في الملاجئ وتبدل أحزانها فرحا ونحيبها أغنيات، والفتيات يرقبن حالات التصعيد وتصور القصف ويسخرن من أكاذيب السوشيال ميديا ونشرات الأخبار التي تنقل واقعا آخر، وتتحدث عن شعب آخر وحياة لا تشبه الحياة السورية، لا في حلب ولا في غير حلب، إنهم يصورون وينقلون ما يريدون نقله وتصويره، بعيدا عن الشروط المهنية للرسالة الإعلامية، وهو الخيط الرفيع في الفيلم الوثائقي الذي يمثل إدانة لمؤسسات الإعلام العربي والعـــــالمي، حيث وجهات النظر والتوجهات تغلب على المضامين، ويلعب رأس المال لعبته في تحريك البوصلة نحو الاتجاهات غير الصحيحة، لتظل الصورة ثابتة في كادر واحد لا يتغير، إما مع وإما ضد، وهو ما يدل على عبثية المشهد الإعلامي كله، كما يدل أيضا على عبثية الحرب والفجوة التي تفصل الواقع عن الحقيقة فتُخضع الرؤية لمجرد الصورة المنقولة عبر الأقمار الصناعية والشاشات التلفزيونية، بدون تحر أو تدقيق، فتكون النتيجة مزيدا من الأكاذيب ومزيدا من التواطؤ، ومن ثم ترتفع نسب الضحايا، ما بين قتلى ومصابين ومفقودين!
تلك هي القراءة الضمنية لما يُريد أن يقوله الفيلم في صمت يغني عن الكلام، وإدانة أشبه بعار يطارد أصحابه كشبح، يظل ما ظل الموت مُحلقا والدمار عنوانا، ولكن يعود المخرج وكاتب السيناريو عيسى توما ليؤكد أن الحياة داخل حلب ستستمر، رغم العذابات والآهات، لأن الشعب يرفض الفناء ويتمسك بحقه في البقاء.
ينجح المخرج في بث روح التفاؤل وتقوية عزائم الباقين في حلب الباسلة، وهي الرسالة المعنوية المستهدفة من الفكرة السينمائية الوثائقية، ولكن يبقى الجزء المتصل بالتقنيات الفنية عائقا أمام الجودة في الصوت والصورة والإضاءة، وهو الجانب السلبي الذي خصم الكثير من أسهم الفيلم، وهذا أمر معلوم ومتوقع لأن ظروف الإنتاج لا تسمح بأكثر من الإمكانيات المتاحة، بحكم عدم وجود مصادر للتمويل، وكذلك صعوبة التصوير في بؤر الصراع والتقاتل، وعدم القدرة على الوصول إلى الأماكن الملائمة لإنجاح التجربة السينمائية وتجهيزها بالشكل اللائق فنيا وتقنيا، ومع ذلك يُحسب للفيلم وصُناعة أنهم استطاعوا رصد وتوثيق الصور الراهنة في الواقع السوري ـ الحلبي بما يساعد على تصحيح المفاهيم ونقل الحقيقة من الداخل بدون تزييف وبمنتهى الصدق.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية