مع استمرار الرفض الإسرائيلي لإجراء الانتخابات في القدس المحتلة، طالبت القيادة الفلسطينية المنظمات والدول العالمية لإلزام إسرائيل بالاتفاقيات ومنها السماح لسكان القدس المشاركة في الانتخابات.
غزة-»القدس العربي»: تتواصل الهجمات الاحتلالية ضد الشعب الفلسطيني على أكثر من صعيد، بهدف النيل منه، وحرمانه من أخذ كامل حقوقه المشروعة، التي كفلها القانون الدولي. فإلى جانب الهجوم الاستيطاني الشرس، صعدت سلطات الاحتلال من استهدافها الممنهج لتخريب الانتخابات الفلسطينية المقبلة.
وخلال الأيام الماضية، تعمدت قوات الاحتلال اعتقال عدد من المرشحين، ومنع إقامة فعاليات تثقيفية في مدينة القدس، التي يؤكد الفلسطينيون أنه لا انتخابات بدونها «ترشحا وتصويتا» كان الهدف منها التحضير لعملية الانتخابات البرلمانية المقررة في ايار/مايو المقبل، فيما تبقي حكومة الاحتلال على موقفها الرافض لإجراء الانتخابات في المدينة المحتلة، مخالفة بذلك الاتفاقيات التي أتاحت لسكانها المشاركة في الانتخابات التي أجريت أعوام 1996 و2005 و2006.
ولم تكتف سلطات الاحتلال عند هذا الحد، بل تجاوزت ذلك بحملات اعتقال واستجواب لمرشحين على قوائم الانتخابات، من فتح وحماس. ففي مدينة القدس اعتقلت قيادات من حركة فتح، بينهم المرشحة على قائمة التشريعي غادة أبو ربيع، خلال نصبها حواجز في محيط فندق «الإمبسادور» في حي الشيخ جراح حيث كان سيعقد لقاء تشاوري حول الانتخابات التشريعية بدعوة من مؤسسات وفعاليات المجتمع المدني.
وفي ذات اليوم من الأسبوع الماضي، اعتقلت قوات الاحتلال حسن الورديان، أحد مرشحي قائمة «القدس موعدنا» التي قدمتها حركة حماس، بعد أن شهدت الأيام السابقة اعتقال واستجواب آخرين من قائمة الحركة.
وقال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ «إن فض الاحتلال الإسرائيلي الاجتماع التشاوري الفلسطيني حول الانتخابات في شرقي القدس المحتلة هو خرق فاضح للاتفاقيات وتعد على حق التحضير المقدسي للمشاركة بالانتخابات التشريعية» وطالب دول العالم بالضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاقيات التي تمنح المقدسيين الحق في المشاركة تصويتًا وترشحًا. أما حركة حماس فقد أكدت أن اعتقال المرشح عن قائمتها، يعد «تدخلا سافرا في العملية الانتخابية الفلسطينية» مشددة على أنه يعكس المساعي الإسرائيلية الحثيثة لتخريبها، وقال المتحدث باسم الحركة فوزي برهوم، «إن هذه الاعتقالات بحق أبناء شعبنا الفلسطيني وكوادره في الضفة الغربية لن تفلح في تخويفهم أو إرهابهم أو ثنيهم عن المشاركة في الانتخابات، بل ستشكل دافعا للإصرار على المشاركة القوية والفاعلة فيها، وإنجاح الخيار الديمقراطي».
كما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين اعتقال الاحتلال المرشح حسن الورديان، واعتبرته «تدخلًا إسرائيليا تعسفيا في الانتخابات الفلسطينية، ومحاولة لوضع العقبات أمامها» وقالت إن إقدام قوات الاحتلال على منع انعقاد لقاء تشاوري لعدد من المقدسيين بشأن مشاركتهم في الانتخابات التشريعية هو «مؤشر خطير على موقف دولة الاحتلال تجاه مشاركة القدس في الانتخابات» وطالبت المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الأممية المختصة وأطراف الرباعية الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية الانتخابات.
ومع استمرار الرفض الإسرائيلي لإجراء الانتخابات في القدس المحتلة، أرسلت القيادة الفلسطينية رسائل متطابقة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، للمطالبة بالتدخل لإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الموقعة، بما فيها السماح لسكان القدس بالمشاركة في الانتخابات.
والمعروف أن التشدد الذي يبديه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حيال هذه المسألة، نابع من توجهاته السياسية، للظفر بأصوات اليمين المتطرف، من أجل تشكيل حكومته المقبلة، برفع شعار «القدس الموحدة» عاصمة لدولته، وذلك على وقع رفع وتيرة الاستيطان، وهي شعارات تقف خلفها الأحزاب المتطرفة، التي تدعو لطرد الفلسطينيين وتنفيذ عمليات «تهجير قسري» خاصة في القدس المحتلة، كما يرد الأمر لخشية إسرائيل من إتمام الوحدة الداخلية الفلسطينية، التي ستكون مقدمة للتوافق على برنامج واستراتيجية من أجل إزالة الاحتلال، وإقامة الدولة المستقلة.
تصاعد وتيرة هدم المنازل
جاءت جملة تلك التصرفات، في وقت لا تزال فيه الهجمات الاستيطانية تتواصل ضد المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، مع استمرار زيادة وتيرة هدم المنازل. وعلى مدار أيام الأسبوع الماضي، لم تنقطع هجمات المستوطنين الشرسة على أراضي الضفة، من خلال محاولات إقامة «بؤر استيطانية» وشق طرق جديدة، واقتلاع أشجار زيتون، والاعتداء على مزارعين وهي هجمات لاقت حماية من جيش الاحتلال، الذي شارك في اعتداءات أخرى، شملت هدم منازل وتجريف أراضي ومصادرتها، علاوة على الاعتداء على المواطنين ومنعهم من الوصول لحقولهم.
وفي كلمة نتنياهو أمام المستوطنين وقادتهم، خلال افتتاحه لحي استيطاني، ذكرهم بتاريخه في تعزيز الاستيطان منذ كان شابا، وشدد في معرض التملق للمستوطنين لكسب تأييدهم، على ضرورة تعزيز السيطرة على ما سماها «أرض إسرائيل» مشيرا إلى أنه ووزراء «حزب الليكود» يؤيدون تسوية أوضاع وشرعنة البؤر الاستيطانية بالكامل، وقطع للمستوطنين وعدًا بأنه في حال شكل حكومة يمينية تحت قيادته سيواصل البناء في المستوطنات.
وبما يدلل على ذلك، ذكر التقرير الجديد لمكتب تنسيق المساعدات الإنسانية في الأراضي الفلسطيني «أوتشا» أن السلطات الإسرائيلية هدمت 26 مبنى يملكها فلسطينيون في المنطقة «ج» والقدس الشرقية، بحجة الافتقار إلى رخص البناء، وأشار التقرير إلى أن ذلك أدى إلى تهجير 34 شخصًا، من بينهم 15 طفلًا، وإلحاق الأضرار بنحو 40 آخرين، لافتا إلى أن السلطات استُهدفت 22 مبنًى في 17 اذار/مارس في أربعة تجمعات بالمنطقة «ج» بما فيها ثماني خيام صودرت في خربة طانا (نابلس) ما أسفر عن تهجير 18 شخصًا، و11 منزلًا غير مأهول هُدم في تجمع النويعمة الفوقا البدوي (أريحا) ما ألحق الأضرار بـ21 شخصا.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال هدمت أربعة مباني في القدس الشرقية، بما فيها ثلاثة هدمها أصحابها، مما تسبّب في تهجير 12 شخصا، وحين تطرق التقرير لهجمات الاستيطان الأخيرة، ذكر أن مستوطنين إسرائيليين، هاجموا فلسطينيين، وأصابوهم بجروح وألحقوا الأضرار بعدة مئات من الأشجار التي تعود لهم، ويوضح أن فلسطينيين تعرضا للاعتداء الجسدي، أحدهما قرب تجمع سوسية (الخليل) والآخر بينما كان يفلح أرضه بالقرب من الخضر (بيت لحم).
وأفاد سكان قرى جالود وخربة صَرّة وتِلّ في نابلس وراس كركر ودير نظام في رام الله بأن نحو 300 شجرة وشتلة تعرضت للتلف، فيما قام مستوطنون بإلحاق الضرر في منزل ومناطق زراعية وثلاث مركبات في بيت إكسا (القدس) وكفر الديك (سلفيت). وفي منطقة البقعة (الخليل) شرع المستوطنون في تجريف أراضٍ يملكها الفلسطينيون ملكية خاصة.
كما رصد التقرير الدولي خلال الأسبوعين الماضيين، قيام المستوطنين بإغلاق عين ماء قرب طوباس، مما حال دون وصول الرعاة الفلسطينيين إليها. فيما نصب المستوطنون خياما على أراضٍ تعود لسكان قريتي تقوع وكيسان (بيت لحم). وأزيلت الخيام من كيسان في نهاية المطاف، في حين أمروا من قبل السلطات الإسرائيلية بإزالتها من تقوع بحلول 4 نيسان/أبريل.
كما رصد تقرير الاستيطان الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض، مخططات احتلالية جديدة لتوسعة الاستيطان، في مختلف محافظات الضفة الغربية، فتحدث عن مشروع «مشكنوت عميت» في مستوطنة هارحوما، على جبل أبو غنيم، وهو مشروع يتضمن بناء 125 وحدة سكنية استيطانية جديدة، وإقدام مستوطنين في محافظة بيت لحم على تجريف وتوسيع طريق زراعي، علاوة على الهجمة التي طالت مدينة نابلس شمال، من خلال مخطط الاحتلال لافتتاح مركز للشرطة الإسرائيلية في المنطقة الأثرية ببلدة سبسطية، تمهيدا لسرقة آثارها، وهي بلدة تتعرض لاقتحامات متواصلة من قبل المستوطنين، وقطع أشجار زيتون، وإخطار الاحتلال بمصادرة عشرات الدونمات من أراضي قرى حارس وسرطة وبروقين شمال الضفة.
أما في مدينة القدس، فقد كشفت جماعات «الهيكل» المزعوم على موقعها الإلكتروني في منشور خطير، قامت بحذفه لاحقا بناء على توجيهات من مستويات سياسية، حجم التنسيق الذي تقيمه مع قيادة الشرطة ووزارة الداخلية والأمن الداخلي، حيث قالت فيه إن تحولاً كبيراً جرى في مهام الشرطة الإسرائيلية، بعد ان تحولت مهمتها إلى حماية صلاة اليهود في داخل المسجد الأقصى.
وفي هجوم استيطاني خطير، استولى مستوطنون على ثلاث عمارات سكنية وقطعة أرض في سلوان بالقدس المحتلة، بعد أن قامت قوات الاحتلال، فجر الخميس بمحاصرة الحارة الوسطى في بلدة سلوان، ووفرت الحماية والحراسة لمجموعة من المستوطنين من أجل الاستيلاء على العمارات السكنية، حيث تضم البنايات التي جرى الاستيلاء عليها 15 شقة.
تحذير فلسطيني
وقد دفع ذلك رئيس الوزراء محمد اشتية، إلى إدانة ما وصفها بـ «عمليات التطهير العرقي» التي تقوم بها سلطات الاحتلال في المدينة المقدسة، من خلال محاولاتها الاستيلاء على منازل المواطنين في الشيخ جراح لصالح المستوطنين، إضافة إلى التهديد بهدم أحياء كاملة، حيث وجهت إخطارات بالهدم، والاستيلاء على نحو عشرين ألف وحدة سكنية في المدينة المقدسة، لصالح المستوطنين.
كما طالبت وزارة الخارجية والمغتربين المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه جريمة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، وأدانت الوزارة، في بيان، تصعيد الاحتلال الإسرائيلي الملحوظ لعمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في عموم الأرض المحتلة، خاصة القدس ومحيطها، والمناطق المصنفة «ج» التي تشكل مساحة غالبية الضفة الغربية المحتلة.
وأشارت إلى تقارير محلية وإسرائيلية ودولية، رصدت التصعيد الذي أدى إلى تهجير عشرات المواطنين، لافتة إلى أن سلطات الاحتلال ماضية بتنفيذ مشاريعها الاستيطانية الاستعمارية، محملة دولة الاحتلال وحكومتها المسؤولية الكاملة والمباشرة عن «جريمة هدم المنازل والمنشآت» محذرة من التعامل مع هذه الجريمة كأرقام في الإحصائيات فقط، ومن التعايش معها لأنها تتكرر يوميا.
وأكد نبيل أبو ردينة الناطق باسم الرئاسة، أن حكومة الاحتلال تحاول من خلال استمرار التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأرض الفلسطينية فرض الحقائق على الأرض ومنع إقامة دولة فلسطينية متواصلة عاصمتها القدس، وأضاف «إذا ما أراد المجتمع الدولي وتحديدا اللجنة الرباعية الدولية كما أعلنت، الحفاظ على حل الدولتين من أجل تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة فعليهم الضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف نشاطاتها الاستيطانية واستخفافها بقرارات الشرعية الدولية».