دمشق ـ «القدس العربي»: انتشر مقطع مرئي على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فيه عمليات تخريب من قبل «أشخاص متطرفين» لـ»مقبرة خاصة بالمسيحيين وتكسير الصلبان وبعض الرموز الدينية المسيحية» في قرية زيدل ذات الغالبية المسيحية في ريف حمص الشرقي، حسب شبكات محلية تعنى بتوثيق الانتهاكات ضد المسيحيين في سوريا.
انتشار المقطع المصور وعمليات التخريب والعبث في مقبرة مسيحية يوم الإثنين 17 فبراير/ شباط، أثار حفيظة السوريين من كافة أطيافهم، لكن سرعان ما أكد معنيون أن وراء هذه التجاوزات «عبث الأطفال» كما طلب ناشطون وحقوقيون، من رؤساء الطوائف المسيحية «الوضوح وعدم استغلال الضعفاء» مؤكدين أن هذه الحوادث بعيدة عن أي صبغة طائفية، كما تساءل ناشطون عن المستفيد من إشعال الفتنة.
تعديات
وأفادت «مطرانية حمص وحماة وطرطوس وتوابعها للسريان الأرثوذكس» في بيان عن تعرض مقبرة الطائفة في بلدة زيدل في ريف حمص، الى تعديات وعمليات تخريب وتكسير في عمل وصفته بأنه «يتنافى مع القيم الأخلاقية والإنسانية، ويمس بكرامة الأموات».
وأدان البيان واستنكر «بشدة هذا الفعل، ونؤكد على ضرورة احترام المقدسات والمقابر باعتبارها أماكن لها حرمتها الدينية والإنسانية». وأضاف: «بأسف شديد وبقلق بالغ تتابع مطرانية السريان الأرثوذكس في حمص مع كاهن ولجنة أوقاف رعية زيدل ما تعرضت له مقبرة الطائفة في زيدل من تعديات، ما يهمنا أن نعلن للرأي العام أنه وبعد متابعة الموضوع مع الجهات صاحبة الاختصاص تبين بأن من قام بهذا الفعل هم مجموعة من الأطفال اليافعين المعروفين، وتتابع الكنيسة حيثيات هذا التصرف».
ودعت المطرانية «جميع أبناء الوطن إلى التمسك بروح المحبة والتسامح، وعدم الانجرار وراء أي محاولة لإثارة الفتنة، بل اللجوء إلى الحكمة في مواجهة مثل هذه التجاوزات ولئن تكررت في أماكن مختلفة، ونرفع صلواتنا إلى الله تعالى ليحفظ بلدنا الغالي سوريا وشعبنا من كل سوء، ويملأ قلوب الجميع بروح المحبة والسلام».
الناشط الحقوقي المحامي، ميشال شماس، كتب على صفحته الشخصية على «فيسبوك» يقول: «لا أستبعد أن يكون تخريب وتكسير الصلبان بتحريض من صفحات من الخارج متل صفحة (جنود المسيح) وهذه نتيجة من يصغي لصفحات مشبوهة».
وأضاف: «على رؤساء الطوائف المسيحية إجراء مراجعة نقدية والاعتذار عن كل التصرفات السابقة، وإذا لم تتوفر لديهم الشجاعة على إجراء هذه المراجعة، ليتنحوا جانبا ويفسحوا المجال لغيرهم، وهكذا يكونون قد أدوا خدمة لمن يعتبرونهم أبناءهم».
كما وصف بيان «مطرانية السريان الأرثوذكس في حمص» بـ «البيان المخزي». وخاطب رؤساء الطوائف المسيحية بالقول: «كونوا واضحين ولا تستغلوا الضعفاء من رعيتكم ولا تستغلوا خوف الناس، بيانكم عار والطريقة التي عالجتم بها القضية عار واستغلال الضعفاء عار».
في الموازاة، كشفت الإعلامية سيلفا كورية من أبناء قرية زيدل، لـ «القدس العربي» أن هذه «انتهاكات مفبركة تداولها إعلاميو نظام الأسد، ودعمهم بنشرها شبكات محلية تعنى بتوثيق الانتهاكات، رغم معرفة هذه الشبكات بهوية الفاعلين».
كورية لـ«القدس العربي»: طفلان أرادا تقليد مقطع يوتيوب في البحث عن كنز
وأضافت: «لم يكن ما حصل في قرية زيدل أمرا يستحق أن يتحول إلى قضية رأي عام لولا تقصد البعض استغلال حالة عدم الاستقرار السوري بعد هروب بشار الأسد».
وزادت أن قرية زيدل هي «قرية مسيحية الصغيرة عاشت لسنين طويلة مع وسط مسلم لم يحدث بينهم مرة أي عداء على العكس كانت هناك روابط جيرة».
ووصفت كورية، وهي من أهالي قرية زيدل «البيان الصادر عن المطرانية بأنه بيان مخز» حسب تعبيرها. وتابعت: هذه الحادثة «كان يجب لها ألا تحدث من الأساس، يمكن بكل مكان وبكل زمان أن يحصل شي مشابه من قبل أطفال، ويتم التعامل معه ببساطة ضمن حدود المساحة الجغرافية التي حصلت به، الخطير في القضية هو من سرب فيديو غير حقيقي وألبسه صبغة طائفية جرمية متعاونين مع جهات مشبوهة تروج لانتهاكات تحصل ضد المسيحيين، وهو الأمر العاري تماما من الصحة والذي إن حصل في ظل الانفلات الأمني فيجب على المعنيين التعامل معه ضمن المؤسسات الرسمية للدولة فقط وعقلانية تامة».
وأكدت المتحدثة أن وراء هذا العبث «طفلين صغيرين لا يتجاوزا 12 عاما دخلا إلى المقبرة ليقلدا أحد مقاطع اليوتيوب في البحث عن كنز، حيث كانا يعبثان بشواهد القبور دون أي أبعاد أخرى، وتبدأ القصة بفتاة تسجل مقطع فيديو لهما وترسله إلى أحد الاقارب، الذي سرعان ما نشره ووصل إلى رئيس البلدية وبعض الوجهاء والشباب».
وزادت: «في الحالة الطبيعية كان يجب على من صور أو شاهد المقطع أن يدخل المقبرة ليتعرف على الفاعلين ويوفقهم سيما أنه واضح بالصورة أنهم صغار السن ولا يخافون أحدا، لكن نظرا لحالة الخوف المسيطرة ربما عند الجميع ولمشاكل سابقة مع تعديات للبدو على الأراضي الزراعية دفع العقلاء الخائفين للاتصال بمخفر القرية الذين جاؤوا مباشرة وتم التعرف على هوية الأطفال وأنهم من سكان القرية ذاتها وذات الهوية الطائفية وقال آباؤهم إنهم كانوا يلعبون فقط ضمن مساحة مفتوحة دون جدار يمنع أو حارس في ظل غياب الحدائق والملاعب المخصصة للطفولة».
وأكدت المتحدثة لـ «القدس العربي» وجود «جهة تقصدت إرسال مقطع الفيديو إلى صفحات تدير الرأي العام المسيحي وتدعي الدفاع ضد انتهاكات ضد المسيحيين في سوريا، كصفحة جنود المسيح والمقاومة المسيحية وبعض إعلاميي النظام السابق».
وقالت: «تم استغلال ذلك وانتشر المقطع بسرعة كبيرة، ليأتي بعد ساعات بيان لمطرانية السريان الارثوذكس مصاغ بطريقة ضبابية لا توصل الى الحقيقة، وتفاعل معه بعض رجال الدين فاتحين صفحاتهم لتعليقات اعتبرت أن هناك لفلفة تمت وتسوية ما غير الحقيقة».
اللافت في الأمر، وفق وصف المتحدثة «تغافل كل من بيان المطرانية والكاهن عن حقيقة الأمر وبأنه لا يستحق التعليق عليه».
وقالت «كان الواجب عليهم محاسبة الذي صور ونشر الفيديو وأن يتخذوا موقفا صريحا من الصفحات المشبوهة التي استغلت لعب أولاد وحولته إلى انتهاك، كما كان يمكن لهذه القضية أن تنتهي قبل أن تبدأ».
وتساءلت كورية «من المستفيد من إشعال فتنة؟ ولماذا أغفل بيان المطرانية دور الصفحات المشبوهة ولم يصدر أي بيان ضدهم سيما أن مخفر القرية يعرف هوية الأطفال وهوية من صور المقطع ومن نشره، فلماذا أغفل بيان المطرانية ذلك وأصروا على وجود انتهاكات هنا وهناك؟».
موقف رئيس البلدية
إلى ذلك، نفى رئيس بلدية قرية زيدل عيسى عبود في منشور على «فيسبوك» «موضوع الانتهاك جملة وتفصيلا، وبعد التدقيق تبين انه تصرف فردي من طفلين لا أكثر ولا أقل» مؤكدا ضرورة «الابتعاد عن الفتنة وتحييدنا عنها». لكن هذا المنشور لم يكشف حسب سيلفا كورية «هوية الفاعلين ولم يبد أي تصرف ضد من نشر الفيديو» مؤكدة أن «البيان الذي أصدرته المطرانية غير مفهوم الأبعاد، سيما وأن المقبرة ذاتها شهدت خلال السنوات السابقة اعتداءات أكثر جدية طالت سرقة ألواح الرخام وسط مطالبة أهالي القرية بإيجاد حل لهذه السرقات وهو رفع السور المحيط بالمقبرة».
وقبل هذه الحادثة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قضية اعتقال عدة شبان من الطائفة المسيحية، حسب شبكة «شام» الإخبارية، وتبين لاحقا أن «جهاز الأمن العام اعتقل 7 شباب من الطائفة المسيحية من وادي النصارى قرب مفرق عين العجوز وهم يقومون بإنشاء حواجز في المنطقة ويتنحلون صفة جهاز الأمن في مناطقهم».