تداعيات عامة في الفن التشكيلي

حجم الخط
0

اللوّحة.. أي لوّحة لها محمولات يفرزها الواقع على رؤى الفنان. وهذه المحمولات غير منفصلة عن بعض، بقدر ما تدور في فلك اللوّحة ( الفيكَر) أو وحدة النص التشكيلي. فمهما اختلفت المعيارية، يبقى المحتوى وما يتمثل فيه قادراً على جذب الذائقة للمتلقي البصري أولاً، ثم مثيراً لذائقة الناقد أو الدارس ثانياً. من هذا نرى أن الخطوط والألوان وتمثيلاتها تكون في حالات متباينة بدرجة اللوّن، وطبيعة الخط النازل والصاعد، أو تماهي الألوان وتداخلها، فإن هذا دال على بنية سردية قادرة على عكس ما هو مرئي في الواقع، برؤى فنية خالصة.
فالجمالية هنا تصبح هي المعيّار الذي تُقيّم من خلاله اللوحة، وهذا أيضاً خاضع للنسبي. فالمحتوى يعكس طبيعة الواقع افتراضاً، كذلك نظرة الفنان يقيناً. فعلاقة اللوّحة بالواقع قوية مهما اختلفت المناهج الفنية المنفَذة بها اللوحة، لأنها أساساً تعتمد مبدأ ملاحقة الانعكاس الذاتي ــ الجمعي. فالفنان كائن يتفحص ما حوله، وله من المعرفة ما يُعينه على تشكيل رؤاه، فنظرته معتمدة فلسفة معينة، صاعدة بأدواته نحو جدلية تلك العلاقة، بما يُحقق نوعاً من المهادنة تارة، والألفة بدرجة الاقتراب تارة أخرى. وهذا يُتيح له حالة بلوّرة رؤاه ونظرته المتجسدة في وحدات ما يُنجز، لاسيّما حين يكون الفنان أكثر معرفة وثقافة ذاتياً وموضوعياً. وهذا لا يُلغي الحس الفني البيئي، خاصة عند الفنان الفطري. فهو يمتلك رؤى اجتماعية فئوية وطبقية، ورؤى فلسفية بدئية تعمق من ظاهرة فرز الأشياء بما يخلق في إنتاجه نوعاً من الموازنة الفنية والفكرية ـ الجمالية.

المرئي واللامرئي

أما في ما يخص المباشر وغير المباشر في اللوحة، فقد جسده ميرلوبونتي في ما ذكر في كون المرئي يُخفي لا مرئيا. وبذلك يقودنا سطح اللوّحة إلى معنى مضمر، بعد أن وضعنا أمام معنى ظاهر. والاثنان متلازمان، لأن الثاني يعمق الأول، بما يحمله من معان جديدة. فالمكوّنات عبارة عن دالات للوصول إلى اللاممكن المباشر من المعنى العام. وهذا بطبيعة الحال يُشير إلى حالة من جدلية تشكيل اللوحة بمحتواها الزاخر بالمعاني. فالمواد (الأشجار، الحجر، المرمر، الطين، الخشب، القماش) تُحوّل أشياء الوجود ومكوّناته إلى كلمات مرئية لتأليف خطاب فني متماسك. اللغة البصرية قادرة كالحروف في تجسيد الظواهر، فهي لغة مكتفية بمكوّناتها الفنية وفائضة؛ بمعنى منفتحة على الأجناس الأخرى تُعطيها وتأخذ منها. لقد ذكر غادامير في كون اللوحة نص تثبيت الكلام. فهي بذلك جزء من وسيلة المجتمع في احتواء مكونات وجوده، فهي صورة مفترضة وممكنة للواقع وفق منهج ونسبية نظرة الرائي البصري عند تقييم اللوّحة كخطاب. وهي رؤى لاحقة لفرضية الفنان حصرا.

الموروث والصياغات الجديدة

يُعَد فعل الالتفات إلى الأزمنة المنصرمة؛ محاولة لترميم الزمن المعاش من الجانب الأنثروبولوجي. أما في الجانب الإبداعي والخلق الفني فيُعَد محاولة للتوظيف من خلال اختيار أبجدية جديدة، يتمكّن الفنان أو منتج النص من التعبير بوسيلة وأسلوب قد يتغاير مع ما هو متعارف عليه، أو فيه شيء من الابتعاد عن المألوف. وعدّت كريستيفا ذلك بتوصيفه بـ(التناص) ووصف كإجراء في النقد العربي القديم بـ(وضع الحافر على الحافر) وفي الفن التشكيلي؛ يمكن توصيفه بنوع من تأصيل النظرة الذاتية للظواهر، من خلال توظيف مفردات النص القديم واستدعائها كمُعينات في التعبير. وقد وجدنا في جُهد الفنان محمود عجمي أبرز مثال في الرسم والنحت، فقد تمكّن من توظيف عنصرين ورمزين سومريين هما (الجسد الأنثوي + الثوّر كجسد) مضافا إلى ذلك الحرف المسماري. لكن ما يميّزه في هذا الفعل للخلق؛ هو التلاعب بهذه المفردات وفق ما يُمليه عليه الذهن الفني، عبر رؤى قادرة على خلق العلاقات الجديدة. إن سياق التوظيف مفتوح، لأنه مبداً يعتمد على جدلية معرفية إبداعية، سواء في الفن أو الكتابة شعراً ونثراً وتشكيلاً. وينضوي في هذا توظيف الحرف العربي، باعتباره يمتلك قدرة على التعبير والتشكل.

من أعمال الفنان شاكر حسن ’ل سعيد

تحوّلات الألوّان والخطوط

الفنان أي فنان من خلال ممارساته للرسم ، وعبر معروضاته يمتلك ميّلاً إلى تغيير مفردات بنية اللوّحة، ونقصد في هذا إعادة النظر في تركيب مكوّناتها. ولعل ما يشفع له كمبدع متحول الأساليب والرؤى في مثل هذه الممارسة؛ إنه شديد العناية بتركيب الألوان وصياغة بناءها من حيث ألفتها واشتقاقاتها. فهو يميل إلى الزخرفة اللوّنية، مقترباً من الحس الشعبي الذي يهتم كثيراً بتنوع الأشكال الهندسية على رقعة تشكيلته اللونية في البُسط الشعبية. فالصناعة الشعبية حرفة، لكنها تأخذ من المخيال الشعبي صيرورته لتضفيها على لوحة البساط. والفنان هنا يدرس اللوّن واشتقاقاته، ويهتم بهندسة مكونات لوحته، كما لو أنه يستعير مخيال الفنان الشعبي، ليضيف البهجة التي تصوغ الألوان والرؤى الهندسية. فهي ليست موجودات عشوائية، وإنما تأخذ بمبدأ التناظر والتواؤم والتوازن. والفنان في ما يحاكي من مفردات، الغرض منه توسيع مجال توظيف الخيال، لكي يصوغ مفردات جديدة، فالألوان في لوحته تشهد مجموعة حركات في مواضعها، كذلك في فعل زحزحة المجال كي تُعطي مآلاً تعبيرياً يوحي ويقود إلى القراءة التأويلية البصرية، وهذا بطبيعة الحال يُجدد حيوية اللوحة في شكلها العام، وينمّي فعلها التكويني، لأنها نص بمواجهة التلقي.
إن ما يتخذه الفنان ضمن كل لوحة، هو مبدأ الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المتغير في المشهد من جهة، وتغير الرؤى من جهة ثانية، كذلك تغيّر المعرفة من جهة ثالثة. فالفنان هنا توّاق إلى إضفاء تشكيلة جديدة ذات مفردات أكثر حيوية. ولعل الانسجام الهرموني من الخصائص المركزية في لوحته. فالخطوط والألوان تتحرك وفق (فيكَر) مركزي، فهي ليست عائمة في فضاء تجريبي، يحتمل أكثر من نتيجة موضوعية. إن مركزية السطح تُعد من أكثر المكوّنات في تشكيل اللوّحة لأنه أساساً يرتبط بالفكر، أو المتداول المعرفي. إن الفنان يمتلك مجالات متعددة، تنتج اختيارات متعددة. لكنها مدروسة، بسبب تشكّلها وفق مركزية فكرية متأتية من معرفة. ونحن إذ نتابع أي فنان في نشاطات معروضاته، نجده لا يستقر على تشكيل بنيوي ثابت، بقدر ما يحاول استكناه الذات ومعرفة حس الآخر. وهذا ما يُشكل مكوّنا عاما يُحدد خطوات مدروسة ومنعكسة على لوحاته. فالتآلف والانسجام يوحي بتشكل جمالي خالص.

قوة الرمز

أما الرمز، فقد وجد له مجالاً في تشكل اللوحة وفق رموز بيئية، ذات بُعد دلالي قديم. وهي رموز تحاكي ظاهرة التخصيب في البيئة، محاولاً العبور به كبنية دلالية إخصابيه في الواقع. وهي في مجملها رموز مائية، ترتبط بما هو رمز إخصابي مركزي هو النهر بكل مكوناته ومحمولاته. مثل (الأسماك، قطع الأعشاب، جريان المياه، الضفاف، العمق). هذه الدالات تآلفت مع الإنسان الأول، وسيّرت حياته، فالسمكة رمز قوي كبنية، لأنه لا يشكل عنصراً يُحقق ذات الإنسان حسب، بل إن دلالته الأبعد ما يذهب إليه الفنان. وذلك لارتباط وجود السمكة مع وجود المياه، والمياه بوجود النهر وما حوله من أشجار وحقول مترامية، وهذه كلها تكشف صورة حركة الزمن. فالنهر مكان (حيّز) وحركة مياهه زمان. لذا نجد الفنان يختار بتلقائية إبداعية أهم عنصر (رمز) في الحضارات القديمة، ليقدمه تمثيلاً موضوعياً بما يوّفر له تشكيل دلالات جديدة عبر صياغة جديدة، وانسجام جديد مع مفردات أخرى في تشكيل اللوحة. أما ما يُزين الطبيعة، ويُضفي عليها جمالية فائقة، ونقصد به الاخضرار الذي يوحي بحيوية الوجود، فالفنان بما يشكله في اللوحة من باب جمالية الرؤى في صياغة شكل ومبنى هو تعبير عن رؤى قارّة لوظيفة الفن.
إن الرموز المذكورة وجدت لها متسعاً في اللوحات عبر هندسة مفرداتها، وكما ذكرنا في محاكاة الفنان الشعبي، ومنها (الدائرة والمثلث والمربع والمستطيل) هذه الأشكال هيأت رؤى تتجه إلى الطبيعة أيضاً، الأخذ منها والتأثر بها من قبل الفنان الشعبي كمنعم فرات في مجسماته مثلاً. غير ان الفنان هنا يُعيد النظر في ما كان ملاذاً تعبيرياً له، فمال إلى الطبيعة الخام ليشكّل رموزه منها، وبتلاعب فني بنيوي ذاتي، يوحي بدلالات موضوعية. فالقوس في تنامي الأشكال الهندسية، لعب دوراً في صياغة وتمثيل الشكل الجديد (الرمز الجديد). إن قدرة الفنان تتجسد في إمكانياته في اللعب بالأشكال وتغيير بنيتها من خلال مواضعها، مع المحافظة على تكوّنها من خلال دلالاتها. والفنان لا يبتعد عن وجود الجسد، معبّراً وفق بنية لا تبتعد عن محتويات ألوانه من الأشكال والهيئات الهندسية واللونية، فهو معني بالمرأة ككيان وجسد. وطيفه يتمسك بحلمية الطيف الشعبي. وتجسيد ذلك عبر الأزرق الشذري مثلاً، الذي يتلاءم مع المقدس للتعبير عن النقاء الروحي. فوجود الأنثى في اللوحة مرتبط أساساً بوجودها وسط فيض روحي، وهي تؤدي أدعيتها وتراتيلها الصامتة، والذي يعبّر أكثر عن وجودها، هو تقاطع الخطوط طولاً وعرضاً، مدللاً على سلطة منظومة الأسرة كذلك المجتمع. لذا نجد الأنثى هنا متقيّده بالعُرف، عبر نقاء جسدها. إن الفنان يمتلك القدرة على الإمساك بدلالة اللون. فاللوحة تبدو متعددة الألوان ومنها (الأصفر الصافي، الأزرق والشذري، الأحمر) وكل منها له دلالته وعلاقته بالرموز القديمة. فهي ألوان اتخذت التدرج في مسارها للتعبير على السطح. ونقاؤها نابع من نقاء الصيرورة. وتدرجها شكّل حراكاً أنتج رموزا مبنية على حراك ذهني (تداعيات) تتسلل إلى ذهن المتلقي البصري، والذي يمنحها هُويتها اللوّنية، أي وجودها اللوّني الصرف، فهي ألوان غير مشوبة، ولا متحللة، إلا بمقدار ما يتطلب التعبير عن الظاهرة. وهذا بطبيعة الحال له علاقة بمسار الحياة اليومية، فالفنان يُنشئ جمالاً تعويضياً عن المُدَمْر، أي صياغة جديدة مليئة بالبهجة ويغطي على الصورة اليومية المبتلاة بالتشويه والتدمير والإقصاء.

كاتب عراقي

من أعمال الفنان رستم أغالا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية