أدب التراجم والأخبار
تتأصل نزعة التعبير عن الذات في تربة الأدب العربي؛ فهي قديمة تضرب جذورها في العصر الجاهلي، ويمكن القول إن تلك النزعة هي التي أوجدت الشعر الغنائي بوصفه أرهص لميلاد السيرة الذاتية، بل قام مقامها على نحو ما، فما أكثر الأخبار التي وصلتنا من الجاهليين يعبر فيها العربي عن نفسه، مُفاخرا بأصالة نسبه، أو بشجاعته وكرمه. وعندما جاء الإسلام عمق القرآن الكريم عند العرب الإحساس الدقيق بالتاريخ، حين قص عليهم قصص الأمم الخالية، واكتسى تاريخ الأشخاص معنى أخلاقيا دينيا، وكانت «السيرة النبوية» بمثابة العلم المختص بجمع ما ورد من وقائع حياة النبي وصفاته الخُلقية والخِلقية، مُضافا إليها غزواته وسراياه، كما وضعها ابن إسحاق وعمل ابن هشام على تكملتها. وفي سياق الاهتمام بسيرة الرسول، انصرف مجهود المهتمين الأوائل إلى الحديث عن المغازي والفتن وأيام العرب والأنساب والفتوحات.
ثم أخذ استعمال مفهوم السيرة يتطور ليدل على حياة الشخص بصفة عامة مثلما يذكر صاحب «كشف الظنون» إذ تَجسد في شكل سير وتراجم وطبقات حفزتهم على تأليفها بواعث شتى بين ذاتية وموضوعية، وعنوا فيها بالتأريخ للفرد وترجمة حياته بصورةٍ من الصور. وتصل إلينا أصداء السيرة الذاتية من عيون التراث الأدبي والثقافي: فهذا كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني ينقل مقاطع سيرذاتية متفرقة لشعراء ومغنين يتحدثون فيها عن أنفسهم وصنيعهم الفني ومجالسهم، ويورد ابن أبي أصيبعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» أجزاء من سير أطباء وفلاسفة مثل، حنين بن إسحاق وابن الهيثم وابن سينا، وفي المعجم الذي ألفه ياقوت الحموي وخص به طائفة الأدباء والنحويين، نعثر على «أمشاجٍ سيرية» يتحدث فيها هؤلاء عن ذواتهم. ويذكر الحموي، في مقدمة الكتاب، أن ثمرة تأليفه أتى من شغفه بأخبار العلماء والأدباء، وتطلعه إلى أنبائهم وأحوالهم ونكت أقوالهم، معترفا بـ«أن جماعة من العلماء والأئمة القدماء أعطوا ذلك نصيبا من عنايتهم وافرا» وأن كتابه يستفيد من جهودهم ويزيد عليها. وألف آخرون كتبا ورسائل قائمة الذات هي بمثابة تراجم وسير ذاتية صرفوها، تعبيرا واعتبارا، في الحديث عن أهواء النفس وصراعها الروحي، وذكرياتهم، واضطرابات عصرهم وقلاقل دولهم؛ مثل أسامة بن منقد، وأبي حامد الغزالي، وأبي حيان التوحيدي، وعبد الله بن بلقين، وعماد الدين الأصفهاني، وعبد الرحمن بن الجوزي، وعبد الرحمن بن خلدون، وجلال الدين السيوطي، وشمس الدين محمد وعبد الوهاب الشعراني وغيرهم.
ولا شك في أن التأريخ للأفراد قد اتسع وبلغ مداه مع أدب التراجم والطبقات، الذي تلا عصر الرواية والتدوين، وتمخض عنه تدوين سير الرجال ضمن ما عرف بـ«علم الجرح والتعديل» وهو ما ساهم في انبثاق التجارب الرائدة في مجال تمحيص تاريخ حياة شخص ما، إلى أن أصبح نموذجا للمعاجم، أو الكتب السيرية التي تناولت بروح الدقة والصرامة تراجم الرجال في شتى فنون المعرفة. وقد شملت الكتابة السيرية في تطورها أنماطا من السيرة، والترجمة، والبرنامج، والفهرسة والمناقب. وإذا كان الأولان قد انتشرا بشكل واسع على المستويين التاريخي والجغرافي، فإن مصطلحي البرنامج والفهرسة ارتبطا بمناطق جغرافية وحقب زمنية محددة؛ فمصطلح «برنامج» استُعمِل بمعنى سيرة حياة في إسبانيا الإسلامية وتحديدا منذ القرن الثامن حتى القرن الخامس عشر، فيما انحصر استعمال الفهرسة بمعنى السيرة أو السيرة الذاتية في شمال افريقيا، في السياقات الصوفية فقط. أما مصطلح المناقب الذي يعني «الفضائل» بالمعنى الحرفي فقد ارتبط ارتباطا واضحا بالثناء والمدائح، قبل أن يتحور ليعني السيرة الذاتية. وأمامنا نماذج كثيرة تأتينا من التراث العربي تكشف كون السيرة الذاتية فنا أصيلا، بل مترامي الأطراف؛ حيث نجد في بعض الكتب المتأخرة؛ وهو كتاب «ترجمة النفس: السيرة الذاتية في الأدب العربي» لدويت راينولدز، مسردا إحصائيا للسير الذاتية العربية يضم ما يزيد على مئة وأربعين سيرة ذاتية عُثر على نصوصها أو وُجدت أخبارٌ متداولة عنها حتى مطلع القرن العشرين. ويُفاجأ الباحث، رغم هذه الكثرة الكاثرة، أن يجد أن معظم الدراسات التي اهتمت بالتأريخ لبدايات النثر العربي القديم وأطواره وأجناسه، لم تذكر فن السيرة أو حظي عندها بذكر معتبر.
التحدث بنعمة الله
يذكر بعض الدارسين أن هيمنة ضمير المتكلم في السيرة الذاتية، وما يستتبعه من نوازع الغرور والشعور بتضخم الأنا، وكونها كشفا ذاتيا وبوحا اعترافيا، كان من أبرز العوامل التي أخرت ظهور هذا الفن في أدبنا العربي؛ وهذا ليس صحيحا. فمن جهة أولى، نرى أن «ما صنف علماء العرب في أحوال أنفسهم» تراث موجود وغزير ضمن ما تركه لنا العرب القدماء من كتب التراجم أو السيرة الذاتية، غير أن هذا التراث يبين ملامح واشتراطات ومواصفات خاصة به، يجب أن يُقرأ داخلها ووفق ما كانت تمليه، إذا أردنا تصنيفه وإعادة تجنيسه، لا أن يُقرأ – ضمن الوهم الذي أشاعته القراءة الاستشراقية – بجريرة البوح والاعتراف بهدف التكفير عن الخطايا كما جرى الأوروبيون على ذلك في قراءة أدبهم السيرذاتي من منظور مسيحي أو لائكي صرف.
يُقر الإمام جلال الدين السيوطي، في كتابه «التحدث بنعمة الله» بتلك الحقيقة التي مفادها أن الأدباء والكُتاب والرحالة العرب والمسلمين، كانوا منهمكين على مدى عشرة قرون على الأقل في كتابة التراجم والسير الذاتية، إذ يقول: «ما زال العلماء قديما وحديثا يكتبون لأنفسهم تراجم». وبخصوص الوظائف من كتابة السيرة الذاتية وغاياتها وتبريراتها، فإن «لهم في ذلك مقاصد حميدة، منها التحدث بنعمة الله شكرا، ومنها التعريف بأحوالهم ليُقتَدَى بهم فيها ويستفيد منها من لا يعرفها، ويعتمد عليها من أراد ذكرهم في تاريخ أو طبقات». فهو يضع مفهوم «السيرة الذاتية» في سياق التقليد السيرذاتي العربي – الإسلامي، أي ضمن خطاب «التحدث بنعمة الله» باعتباره مطلوبا شَرعا بغرض توجيهه لله تعالى، دون المباهاة والتكبر؛ فقد استشهد على أن العلماء السابقين له قد كتبوا لأنفسهم تراجم أو سيرا ذاتية، منتقدا منهم من كتب محكي ذاته مُركزا على أناه الفردي «رياء وفخرا». وبغض النظر عما يمكن أن يوحي به السيوطي في كلامه من أن هذه التراجم قد لا تنطوي على اعترافات كبيرة، وأنها تكون سانحة لتعظيم الذات وحمل صاحبها على المبالغة والتباهي والغرور، إلا أن ما يهم هو وعيه بوجود تقاليد للسيرة الذاتية قبله، ولا يقطع كلامه مع كون التراجم بوصفها سيرا ذاتية قد تنطوي على قدر من الحقيقة ذي قيمة، وأنها لم تكن تلغي البتة أنا الفرد لحساب أنا الجماعة. فالدوافع التي كانت توجههم إلى كتابة السيرة الذاتية، تترجح بين أن تكون ذاتية، واجتماعية، ودينية، وفكرية وإخبارية؛ بحيث إنهم دونوا فيها تجاربهم، وأخبارهم، واعترافاتهم، ومذكراتهم، ومشاهداتهم ومواقفهم ووقائع عاشوا وتأثروا بها. فنجد الذات الساردة، بضمير المتكلم أو الغائب، تتمظهر بأشكال مختلفة تعكس ـ على نحو ما- انفعالاتها الداخلية وأطوار نُمو شخصيتها في مراحل متعددة وحاسمة، تبدأ من الطفولة، فالصبا والشباب ثُم ذروة النضج، وتنتهي بالشيخوخة إذا عمر صاحبها؛ في سبيل توكيد الجانب الاعتباري لتكوين الذات. كما كان هاجس التلقي لدى كاتب السيرة ماثلا، وهو يدعو القارئ إلى الاقتداء بسيرته، أو تبيين نعم الله عليه بدليل الآية الكريمة التي تقول «وأما بنعمة ربك فحدث». لهذا، فقد استهوى هذا الفن أصحاب مهن مختلفة، فمنهم أدباء وعلماء وأمراء وفلاسفة ومؤرخون ومتصوفة وقادة وساسة وأطباء وتُجار من وضعيات ومعتقدات ورطانات مختلفة.
سرد الذات والتاريخ
لم يكن هذا الفن المسمى عندهم ترجمة، «نوعا أدبيا» قائم الذات، بل كان خليطا من السيرة، والرحلة، والمذكرات، والشهادات، والرسائل الإخوانية، والسرود الإخبارية، والتدوين التاريخي. فكان كاتب السيرة الذاتية، أو الأنا السيرذاتي، يروي أحداثا شخصية يمزجها بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهدات والأحداث التاريخية الكبرى، ويقع تحت تأثير سردياتها عليه، أكثر من عنايته بوصف ذاته وأشيائها الحميمة وموقفها من الحياة. وتبعا لهذا الجرد السيري، يكاد يكون هناك تجاوبٌ ظاهر بين أدب السيرة الذاتية كما كتبها العرب القدماء، ووقائع التاريخ الفردي والجماعي؛ فالمؤلف إذ يُقدم على كتابة سيرته يجد نفسه مشبعا بالحس التاريخي، فيعمد إلى تقسيم سيرته الذاتية إلى فصول تبعا لمراحل حياته، بمعنى أنه لا يستطيع أن ينفي حضور التاريخ في قلب المادة التي يسوقها سردا مهما بلغت درجة الذاتية، ولا تستطيع سيرته أن تسقط عن فضائها بعد الزمن الذي يرتبط عند أناها السيرذاتي بالعودة إلى مرحلة أو عدة مراحل من ماضيه الشخصي، متشابكة في سياق محكيها الحاضن لمادة تاريخية غنية، بشخوص وفضاءات وتواريخ مرجعية تؤرخ لمناقب هذا الأنا وتحولاته. وبالنتيجة، فإن الإحساس بالتاريخ والوعي بقيمته يمثلان في وحدتهما باعثا طبيعيا لكاتب السيرة الذاتية على ضبط أهم المنعطفات والتحولات الحاسمة والدالة في حياته؛ إنه يحكي معيشه وحياته الخاصة، وبالقدر ذاته يحكي الدروس السياسية والأخلاقية التي استخلصها من تقلبات عصره. وفي هذا السياق، يذكر إحسان عباس أن «الحس التاريخي هو الأدب المنجب للسير» وكان المؤرخون المسلمون أنفسهم يرون السيرة جزءا من التاريخ، بل التاريخ ليس سوى سِيَرٍ جارية مع الأيام حالا ومآلا، وإن كان الكاتب نفسه قد وقع تحت هيمنة إعجابه بالكتابة السيرية الغربية.
صحيحٌ أن هذا النمط من التراجم القديمة لا يخضع في أغلبه لتقنيات السرد بمدلوله الفني، بيد أنه كان يجمع في الأغلب على شكل فصول محاولا إيجاد الوحدة والتماسك بينها بقدر الإمكان، ولاسيما عن طريق إبراز التطور الزمني في ذكر مراحل حياة المؤلف وشخصيته. مثلما كان يعبر عن نثر تمثيلي يركز على الاهتمام بنقل الخبر من الذاكرة، لإبراء الذمة مع النفس والآخر، وتدوينه كوثيقة أكثر من صَوغه صياغة فنية ضمن أي شكلٍ سردي مُتطور بناء وأحداثا، وتجري ضمن نسقه الحكائي أنواع ومعارف من شعر وترسل وأحلام ورؤى وعجائب.
كما أن جزءا ذا بال في بناء السيرة الذاتية عندهم كان مُتعلقا على نحو مباشر بالأنا، بما يعنيه هذا التعلق في نمط السرد السيري من حكي وكشف وتبرير واعتراف، خاصة داخل السير الذاتية ذات المنحى الصوفي أو الروحي، التي اهتم فيها أصحابها من أمثال ابن حزم وأبي حامد الغزالي وابن العربي، بتدوين الحياة الداخلية للنفس. وعلى هذا النحو، كانت السيرة الذاتية تتنوع حسب المقاصد من كتابتها وتدوينها، وطرائق تلفظها السردي وعلاقتها بما تسرده ومن يُسرد له: بين سيرة ذاتية تعكس الصراع الروحي، وأخرى تسرد تجارب الأنا السيرذاتي ومغامراته، وثالثة بغرض الاعتذار والتبرير، أو بغرض التأريخ والإخبار.
ما زال أمام الباحثين المعاصرين مجال ذو اعتبار لإعادة قراءة المنجز السيري العربي القديم وتجنيسه بأدوات ومنظورات معرفية جديدة، لكن تقرأ خصائصه وظواهره من حيث هي بلا تعسف أو إسقاط خارجي، وأجد في دراسة نورالدين أحمد بنخود، المعنونة بـ»فن السيرة في التراث العربي» (تونس 2024) نموذجا للدراسات الجديدة التي نظرت إلى السيرة بوصفها جنسا أدبيا ضمن نظام الأجناس العربي القديم، وسعت عبر دراستها لمدونة نصية واسعة ومُمثلة إلى الكشف عن جوانب مجهولة من هذا الفن الأصيل والعريق، تحتاج إلى من يستثمرها ويزيد عليها، وذلك ـ لعمري- ديدن البحث العلمي وغايته.
كاتب مغربي