فيلم الأب: تراجيديا مسرحية كئيبة في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي

بدأت الدورة 42 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بفيلم الافتتاح «الأب» للمخرج فلوريان زيلر وبطولة أنتوني هوبكنز وأوليفيا كولمان، وهو إنتاج مشترك بين المملكة المتحدة وفرنسا.
والفارق في هذا الفيلم عدة أشياء، أولها أنه يعكس مكونين ثقافيين لدولتين كبيرتين، إنتاجياً وفنياً وثقافياً وسياسياً، ويطرح فكرة إنسانية تختلف كثيراً عن محتوى السينما الأمريكية، التي تهتم في معظم إنتاجها بالترويج التجاري، وتتفنن في عملية الإبهار، والتركيز على ما يجذب الجمهور بعيداً عن القياسات المتعارف عليها في السينما الأوروبية، الساعية إلى استهداف المضمون والرسالة، مخالفة للنظام التجاري المعهود، والسعي الحثيث لجلب الملايين من الدولارات.
يركز فيلم «الأب» على محنة رجل مُسن يتقدم به العمر، وتتدهور صحته فيصير عبئاً على ابنته التي تتولى مسؤوليته، ويزيد من هذا العبء أن الأب عنيد ومتشائم وفاقد الثقة في كل من حوله، وهذه الأزمة التي تصاحب الإنسان في شيخوخته جرت معالجتها في العديد من الأفلام، سواء الإنكليزية أو الفرنسية، بأشكال مختلفة تتنوع في الأطر والسياقات، ولكنها تتشابه من حيث المضمون. لكن تظل التجربة الأخيرة دائماً هي الأكثر تأثيراً في المشاهد، لأن هناك حتماً جوانب وأبعادا أخرى تُضاف إلى الفكرة، وطُرق توظيفها ومكتسباتها الفنية والإبداعية، إذ تلعب التكنولوجيا بتطوراتها المتلاحقة، دوراً في خلق فوارق نوعية بين التجارب السينمائية مهما تعددت وتشابهت في مضامينها. ولعل ما يميز فيلم «الأب» على وجه الخصوص، أن مخرجه كاتب مسرحي متميز له رصيد وفير نسبياً في هذا المجال، فقد كتب نحو عشر مسرحيات أخذت معظمها الطابع التراجيدي، أو ما يمكن تسميته بالتراجيديا السوداء، وقد دعا نجاح زيلر المسرحي إلى اقتحام المجال السينمائي، والتجريب داخل مدار آخر يختلف كلياً وجزئياً في التكنيك والأدوات والقدرة الإبداعية، وهي المُعضلة الأساسية التي تواجه عادة من يخرج عن طوره، ويغير جلده ليجمع بين الحُسنيين، فخشبة المسرح بما تتطلبه من تقنيات وأفكار ونوعيه خاصة من الجمهور، والسينما بإبهارها وانتشارها وتأثيرها الطاغي على المُتلقي بمختلف مستوياته وأهوائه ورغباته.
فيلم «الأب» هو التجربة السينمائية الأولى للمخرج المسرحي فلوريان زيلر، وهذا ما يميزها ويحيطها بالأهمية، وأحدثت دوياً واسع الصدى عالمياً ودولياً، فوصلت إلى مهرجان القاهرة، لتكون دُرة التاج للدورة الثانية والأربعين، وإحدى مقومات النجاح ومُنشطات الدعاية اللازمة، لثبيت الاحتفالية السنوية الكرنفالية القائمة على الدعم اللوجستي من الهيئات والشركات والأفراد، والحاملة لاسم القاهرة كواحدة من العواصم العربية الكبرى، إن لم تكن الأكبر في المُطلق، وهو ما يُعطي للمهرجان قيمته ووضعيته الدولية بين المهرجانات المنافسة، ويمنحه الحياة، ويضيف إلى عمره الافتراضي سنوات عديدة مُقبلة حسبما هو منشود.


ومما لا شك فيه أن وجود شخصيات مهمة كالكاتب البريطاني كريستوفر هامبتون ضمن المكرمين، ومنحه جائزة الهرم الذهبي، عن رحلته الإبداعية الطويلة، سيكون مُعززاً بشكل كبير للدورة الحالية، التي بدأت في 2 ديسمبر/كانون الأول والمستمرة حتى 10 من الشهر نفسه، فهامبتون هو كاتب السيناريو لفيلم الافتتاح «الأب» بالتعاون مع المخرج فلوريان زيلر، ويعود اختيار السيناريست البريطاني للتكريم والمشاركة، إلى أنه عاش فترة قصيرة في مدينة الإسكندرية فيس مصر، أثناء تنقل عائلته بين عدة عواصم مختلفة، وهو ما ترك انطباعاً إيجابياً لديه عن مصر وجعله مرتبطاً بها، ومعجباً بتاريخها الثقافي والحضاري، لاسيما الإسكندرية، مدينة الشعراء كما يُطلق عليها.
بدأ اهتمام هامبتون بالمسرح أثناء دراسته في جامعة أكسفورد، قبل أن يتحول نشاطه إلى السينما في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما ترك أثراً واضحاً على الغالبية العظمى من أعماله السينمائية، فكثيراً ما جمع بين الشكل السينمائي والخلفية المسرحية، والدال على ذلك عدة شواهد من بينها فيلمه «علاقات خطرة» المُنتج عام 1988 الذي حصل بموجبه على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو مقتبس من رواية ونص مسرحي، وقد ترشح للأوسكار عن فيلم «تكفير» عام 2007 وترشحت بعض أعماله ثلاث مرات لجائزة الباﭬتا البريطانية المهمة، ولكنه فاز بها مرة واحدة حين قدم فيلمه الاستثنائي «علاقات خطرة»، وسبق له الحصول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان كان في فرنسا عام 1995.

https://youtu.be/60wDuQMJl2Q

وتُعد تلك الخلفية الحياتية والإبداعية، من أهم ركائز اختيار الكاتب والسيناريست الشهير ليكون واحداً من أهم ضيوف مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في دورته 42 إلى جانب مخرج فيلم الافتتاح فلوريان زيلر، وهي الإشارة إلى المتغير الاستراتيجي الطارئ على سياسة المهرجان، حيث الانفتاح على السينما الإنكليزية والفرنسية، من دون التركيز الكلي على الأفلام الأمريكية ذات الصبغة التجارية الفجة، وهو ما يعني أن هناك عملية إحلال وتبديلا للبضاعة الأمريكية السينمائية داخل المهرجانات المصرية، يمهد لها مهرجان القاهرة في واحدة من الخطوات الجادة نحو الفكاك من قبضة الثقافة الأمريكية، وهيمنتها على العقلية المصرية، أو محاولة فرض سطوتها بالإنتاج الغث المُكثف، بغير تمييز أو بتمييز مُتعمد ومقصود، لصرف الأنظار عن الإبداعات الأخرى المنافسة في القارة الأوروبية وغيرها.
بيد أن المساعي المستمرة لربط فعاليات مهرجان القاهرة بالإبداع السينمائي الافريقي، هو أيضاً من دواعي التغيير والاختلاف في السياسات العامة لتفعيل دور السينما المصرية، وتعديل وجهتها صوب المسار الصحيح، عسى أن تُسفر هذه المشاركات التفاعلية عن إنتاج تجارب سينمائية افريقية مشتركة لربط أواصر العلاقات الدبلوماسية والثقافية والإبداعية، والوقوف على أرضية مشتركة في مواجهة الغازي الثقافي القديم والجديد، أو بالأحرى الأمريكي ـ الإسرائيلي، خاصة أن الأخير أخذ في فرد أشرعة التطبيع والتغلغل في قلب المنطقة العربية المريض وجسدها العليل.

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية