ترامب يغادر السياسة خاسرا وتبقى القضية الفلسطينية حاضرة

أشرف الهور
حجم الخط
0

عمل جاهدا تدمير مبدأ “حل الدولتين”

غزة-“القدس العربي”: لم تعش القضية الفلسطينية، منذ انطلاق ماراثون عملية السلام في العام 1990 مرورا بالتحولات التي قادت لقيام السلطة الفلسطينية، ومن قبل إبرام “اتفاق أوسلو” الذي لم يلب كامل الطموح الفلسطيني، فترة أسوأ من السنوات الأربع الماضية، التي تربع فيها دونالد ترامب على مقعد البيت الأبيض، والتي حاول خلالها بكل الطرق، وبمساعدة أطراف عربية، على تصفية القضية، وتدمير آمال الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود العام 1967.

العداء للفلسطينيين

بدأ ترامب إدارته بانتهاج سياسة العداء للفلسطينيين، وشارك إسرائيل في عدوانها على الفلسطينيين، بدءا بدعم الاستيطان، ومحاولاته شطب ملف اللاجئين، وبمرارها الأشد عندما أطلق “صفقة القرن” بمباركة أنظمة عربية. ويترقب الفلسطينيون شعبا وقيادة، العشرين من كانون الثاني/يناير المقبل، ليروا فيه الرئيس الأمريكي يغادر الحكم، من دون أن تغادر قضيتهم عالم السياسة.

والمتابع للمواقف المتسارعة التي اتخذها ترامب وفريقه المتصهين، الذي اختاره بعناية فائقة، بدءا من صهره جاريد كوشنر، والمبعوث السابق لعملية السلام جيسون غرنبيلات، ومن ثم السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان، أكبر الداعمين للاستيطان، يرى كيف تتجه الإدارة الأمريكية بشكل غريب في تغيير سياستها الخارجية، الخاصة بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، حيث بدأ ترامب وفريقة بتغيير دراماتيكي في البداية تمثل في الاعتراف في اذار/مارس من عام 2019 بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السوري المحتل، لتكن نقطة الانطلاق نحو منح إسرائيل مزيدا من الأراضي المحتلة عام 1967 لكن هذه المرة من الأراضي الفلسطينية، وتحديدا من الضفة الغربية.

وقبل ذلك كانت إدارة ترامب قررت قطع المساعدات المقدمة للفلسطينيين، ولوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” في مسعى للضغط على الفلسطينيين للقبول بأفكاره التي تخالف القانون الدولي، ولدفعهم نحو تقديم التنازلات، ليأتي بعده قراره الخطير نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس المحتلة، في ايار/مايو من العام 2018 في خطوة أحجمت الإدارات الأمريكية السابقة على اتخاذها، لعلمها بخطورتها على العملية السياسية.

ولم يتوقف ترامب وإدارته عند هذا الحد، إذ بادر في نهايات كانون الثاني/يناير الماضي، بطرح مخططه الأخطر على القضية الفلسطينية، والمعروف باسم “صفقة القرن” والذي أراد من ورائه وئد “حل الدولتين” بمساعدة بعض الدول العربية صيف العام الماضي، وتمثل دعم الفكرة في طرح المخطط الاقتصادي للضفة خلال ما عرف باسم “ورشة البحرين الاقتصادية” التي عقدت في المنامة، رغم مقاطعتها من الفلسطينيين، ولم يكن وقتها في الحسبان أن تلك التطورات الخطيرة في مواقف بعض الدول الخليجية، ستقودها نحو منح ترامب جوائز جديدة، بقبولها تحت مظلته إبرام اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، في مخالفة واضحة لقرارات القمم العربية ومبادرة السلام العربية.

دولة منقوصة السيادة

لكن أخطر ما ورد في بنود تلك الخطة، حملها نصوصا واضحة، لو قبلها الفلسطينيون، لمات أي حلم لهم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفق قرارات الشرعية الدولية، ضمن ما يعرف سياسيا بـ”حل الدولتين”.

وقد حملت خطة “صفقة القرن” عنوانا فرعيا باسم “حل واقعي لخيار الدولتين” عرضت من خلاله على الفلسطينيين دولة منقوصة السيادة، مقيدة بحدود الأمن الإسرائيلي، منزوعة السلاح، مقطعة الأوصال، يصل بينها جسور وأنفاق تحت إشراف أمني إسرائيلي، بعد أن اشترطت على هذه الدولة اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كـ”دولة يهودية” كما تعطي إسرائيل الحق بالقيام بعمليات أمنية داخل حدود الدولة الفلسطينية، وتمكنها من السيطرة على المجال الجوي الفلسطيني، ومناطق الحدود بالكامل.

كذلك تعطي الخطة إسرائيل الحق في السيطرة على 87 في المئة من الأراضي التي تحتلها في الضفة الغربية، لتقوم بضمها على أن يعيش 97 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية داخل الدولة الفلسطينية المقترحة، و3 في المئة المتبقين من المواطنين الفلسطينيين سيعيشون ضمن “جيوب فلسطينية” داخل الأراضي الإسرائيلية، تخضع للسيادة الإسرائيلية.

وتنص الخطة على أن القدس ستبقى عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، ضمن حدودها البلدية القائمة، أما عاصمة دولة فلسطين فتكون في الجزء الشرقي من المدينة في المناطق الواقعة شرق الجدار الفاصل القائم، حيث قال وقتها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إن العاصمة المقترحة للفلسطينيين ستكون في بلدة ابو ديس، فيما لم تعط الخطة أي سيطرة فلسطينية أو رعاية على المقدسات الإسلامية في المدينة، وتشطب حق اللاجئين في العودة لديارهم التي هجروا منها.

لكن ما كان غريبا، هو اصطفاف دول عربية معروفة إلى جانب ترامب، عندما بادر لطرح تلك الخطة، كما حاولت تلك الدول دعمه سياسيا من خلال إبرام اتفاقيات تطبيع متوالية مع إسرائيل، بالرعاية التي ظللها البيت الأبيض، بدءا من الإمارات مرورا بالبحرين، ومن ثم السودان، وكانت هناك تقارير تشير إلى أن دولا أخرى كانت تستعد للسير في الطريق، غير أنها ربطت مواقفها بمعرفة نتيجة الانتخابات الأمريكية، حيث كانت ستقبل بالتطبيع لو فاز ترامب بالولاية الثانية، وهو ما لم يتم.

وبالرغم من خطورة الأيام المتبقية من فترة حكم ترامب، والتي أشار إليها الفلسطينيون قيادة وفصائل، خشية من اتخاذه قرارات خاصة بتعزيز ودعم الاستيطان، وهو أمر لم ينكره نتنياهو وقادة المستوطنات، الذين أعلنوا أنهم سيكثفون من نشاطاتهم في الفترة القليلة المقبلة، خشية من ضغط تمارسه إدارة الرئيس القادم جو بايدن، عليهم لوقف الاستيطان، إلا أن خروج ترامب من المشهد السياسي، أزاح ثقلا كبيرا عن صدر الفلسطينيين، خاصة وأنهم وقفوا خلال الفترة الماضية وحدهم في مواجهة قراراته الخطيرة، واتخذوا على إثرها قرارا لم تتخذه أي من الدول العربية، وقاموا بمفردهم بمقاطعة تلك الإدارة، رغم أن ذلك كان واجبا على جميع الدول العربية، التي أقرت في أحد القمم قرارا بالقطيعة الدبلوماسية لأي دول تنقل سفارتها إلى القدس.

خوف من الأيام الأخيرة

وقد لوحظ مؤخرا أن حكومة الاحتلال طرحت عطاءات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في القدس المحتلة، لتطبيع مخطط معد مسبقا، يمنع أي تواصل بين المدينة المحتلة وباقي مناطق الضفة، وهو أمر أشار إليه ممثلو الدول الأوروبية المعتمدين في فلسطين، كما عملت على هدم مئات المنازل خاصة في مناطق الأغوار، التي تنص خطة ترامب على ضمها هي والمناطق المقامة  عليها المستوطنات، ومنطقة شمال البحر الميت، ما يعني أن إسرائيل تريد تنفيذ ما تقدر عليه من تلك الخطة، ضمن سياسة “الضم الصامت” وهي سياسة تقود في نهايتها إلى تدمير أحلام الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة، وفق مبدأ “حل الدولتين” الذي يستند لقرارات الشرعية الدولية، التي تنص على أن دولة الفلسطينيين تقام على الأراضي التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وحذرت وزارة الخارجية الفلسطينية، المجتمع الدولي من خطورة المرحلة الحالية على “حل الدولتين” في ظل مواصلة اليمين الحاكم في إسرائيل مسابقة الزمن، لتنفيذ المشاريع والمخططات الاستعمارية التوسعية، التي تحقق خريطة مصالحه في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقالت الوزارة في بيان لها “إن اليمين الإسرائيلي وحلفاءه من المستوطنين يبذلون كل جهد مستطاع لاستغلال الفترة المتبقية على وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض لتحقيق هذا الغرض، واستثمار بقاء الحكومة الإسرائيلية الحالية في سدة الحكم، لتقديم المزيد من الهدايا للمستوطنين على حساب الأرض الفلسطينية، لكسب أصواتهم في أية انتخابات إسرائيلية مقبلة”.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عند طرح  خطة “صفقة القرن” قال “رفضنا خطة ترامب منذ البداية ولن نقبل بدولة دون القدس” وأضاف “لن تمر وستذهب إلى مزبلة التاريخ” بعد أن وصف الخطة بـ “المؤامرة” ووجه وقتها كلمة لكل من ترامب ونتنياهو جاء فيها “القدس ليست للبيع، وحقوقنا ليست للبيع والمساومة”.

وحاليا ينتظر الفلسطينيون، معرفة خطة عمل الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، لكن بحذر شديد، رغم أنه أعلن خلال حملته الانتخابية، أنه لن يمضي في تنفيذ مخطط “صفقة القرن” وسيدعم “حل الدولتين” وسيعيد تقديم المساعدات للفلسطينيين و”الأونروا”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية