ترحيب سوداني واسع بعد دخول قرار رفع البلاد من قائمة الإرهاب الأمريكية حيز التنفيذ

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي» ووكالات: دخل القرار الأمريكي برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حيز التنفيذ، أمس الإثنين، بعد أن كان التصنيف القائم منذ قرابة ثلاثة عقود، قد أعاق الروابط الاقتصادية للخرطوم وحرمها من مساعدات مالية تحتاج إليها بشدة. وحظيت الخطوة بترحيب حار من قبل قادة السودان، وسط توقعات بأن تنعكس بشكل إيجابي على الوضع الاقتصادي الصعب.
وقالت سفارة واشنطن لدى الخرطوم، إن قرار إلغاء تصنيف السودان «دولة راعية للإرهاب» بات ساري المفعول اعتبارا من أمس الإثنين.
جاء ذلك في بيان نشرته السفارة الأمريكية في السودان عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك».
وكتبت السفارة: «انقضت فترة إخطار الكونغرس البالغة 45 يوما، ووقع وزير الخارجية إشعارا يفيد بأن إلغاء تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب ساري المفعول اعتبارا من اليوم 14 ديسمبر / كانون ثاني».
وأضافت في البيان أن هذا الإشعار تم نشره في السجل الفيدرالي.
سفير الخرطوم في واشنطن نور الدين ساتي، قال في تغريدة على «توتير»: «مبروك، تأكد رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب».
وأضاف: «سيعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رسميا خلال ساعات رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب».
وفعلاً بعدها بساعات أصدر بومبيو بياناً أشاد فيه بما وصفه بـ«تحوّل جذري» في العلاقات مع السودان. وقال «تم رسميا إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب. يمثّل ذلك تحوّلا جذريا في علاقاتنا الثنائية باتّجاه مزيد من التعاون والدعم لانتقال السودان التاريخي إلى الديمقراطية».
وجاء في نص البيان الأمريكي : «تم اليوم إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب رسميا. وهذا يمثل تغييراً جوهرياً في علاقتنا الثنائية نحو تعاون ودعم أكبر لعملية التحول الديمقراطي التاريخي في السودان. تحقق هذا الإنجاز بفضل جهود الحكومة الانتقالية المدنية في السودان لرسم مسار جديد ومغاير بعيدا عن إرث نظام البشير، لتلبية المعايير القانونية والسياسية لرفع السودان من قائمة الإرهاب على وجه الخصوص».
وأضاف: «نشيد بتمسك الشعب السوداني بمبادي حرية سلام وعدالة، ونهنئ أعضاء الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون على شجاعتهم في الوفاء لتطلعات المواطنين الذين يخدمونهم».
وسارع الاتحاد الأوروبي إلى التأكيد أن هذا التطور «يمثل علامة بارزة في عملية الانتقال السياسي والاقتصادي الجارية في السودان» حسب صفحة بعثة الاتحاد في السودان على «فيسبوك».
وأضاف في بيان أن هذا «سيوفر زخما إيجابيا للانتعاش الاقتصادي للبلاد، ويقربه من تخفيف عبء الديون (60 مليار دولار) والذي بدوره ينبغي أن يشجع السودان على مواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية اللازمة».
وشدد على التزامه بدعم جهود الإصلاح في السودان، فضلا عن تطلعات لتخفيف الديون.

«قرار تاريخي»

ووصف رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان حذف السودان من قائمة الإرهاب بـ«القرار التاريخي وجاء نتاج جهد بذله ابناء السودان بذات الروح التكاملية لجماهير ثورة ديسمبر».
واعتبر أن «القرار سيسهم في دعم الانتقال الديمقراطي ويعزز فرص نجاح الفترة الانتقالية ورفاه الشعب السوداني». وأضاف «الشكر للأخوة والأصدقاء والشركاء الإقليميين والدوليين الذين دعموا السودان، الشكر للإدارة الأمريكية على اتخاذ القرار التاريخي القاضي بشطب بلادي من قائمة الدول الراعية للإرهاب».
أما عضو مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو «حميدتي» فقال إن «الطريق بدا واضحاً أكثر من أي وقت مضى بعد رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب».
وبارك في تغريدة على توتير للسودانيين مغادرة القائمة السوداء التي «أضرت كثيراً بالاقتصاد والعلاقات الخارجية».
وزاد: «اليوم بدا طريق بلادنا واضحاً أكثر من أي وقت مضى، سنعمل لتعزيز هذه الخطوة برفع مستوى التعاون مع أمريكا وجميع دول العالم لصالح شعبنا».

«بداية حقبة»

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، علق أيضا على الخطوة، معتبراً الإعلان الأمريكي «بداية حقبة جديدة في تاريخ السودان».
وقال في تصريحات صحافية «اليوم وبعد أكثر من عقدين، أعلن لشعبنا خروج اسم بلادنا الحبيبة من قائمة الدول الراعية للإرهاب وانعتاقنا من الحصار الدولي والعالمي الذي أقحمنا فيه سلوك النظام المخلوع».
وتابع «يساهم هذا الإنجاز، الذي عملت من أجله الحكومة الانتقالية منذ يومها الأول، في إصلاح الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتحويلات مواطنينا بالخارج عبر القنوات الرسمية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب، والكثير من الإيجابيات الأخرى».
وأضاف: «يدعم هذا الإنجاز إصلاحاتنا الاقتصادية، ويفتح الأبواب للاستثمار الأجنبي، ويسمح للمغتربين في جميع أنحاء العالم بالقيام بمعاملاتهم المالية من خلال قنوات مصرفية رسمية وشفافة في الوطن، ويخلق فرص عمل للشباب، من بين فوائد عديدة لبلادنا».
وأوضح أنه «برغم كل الصعاب التي واجهتنا ولا تزال على مدى الفترة الماضية من عمر الفترة الانتقالية، سأظل أعمل من موقع مسؤوليتي، رئيساً لوزراء كل السودانيين، لتحقيق وعد ثورة ديسمبر المجيدة، حرية سلام وعدالة في وطن حر ولشعب سعيد. طريقنا ممدود ومحفوف بالمخاطر التي سنتجاوزها وبالآمال التي سنحققها».
وزاد «نحن ماضون في استكمال تحقيق أهداف ثورتنا، وترجمة أحلامها المشروعة بشكل بناء راسخ وصلب على أرض الواقع، حتى يستعيد السودان خلال السنوات الثلاث المقبلة، مكانته الطبيعية والمستحقة، والتي تليق بحضارات شعوبه وتاريخها المجيد، إننا نخاطب الجميع بقلبٍ مفتوح وعقلٍ متقد ومتوثب، نحو المشاركة في صناعة عالم جديد يسوده الرخاء والسلام والمحبة بين جميع الشعوب، ونرفده بشعار ثورتنا المجيدة: حرية، سلام، وعدالة».
ورأى رئيس الجبهة الثورية، الهادي إدريس، في الإعلان الأمريكي «أولى ثمرات اتفاقية جوبا لسلام السودان».
وقال لـ«القدس العربي»: «تحقيق السلام ومحاسبة مجرمي الحرب واحدة من مطلوبات رفع السودان من قائمة الإرهاب وفقا لقانون سلام دارفور، الذي حجز بموجبه الكونغرس ممتلكات وأوقف تعاملات مع أفراد في حكومة السودان متهمين بالإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية».
وتابع «الإزالة من قائمة الإرهاب ستفتح الباب واسعاً أمام تدفق رؤوس الأموال العالمية والقروض الميسرة وتحقيق التطبيق الاقتصادي الذي سيؤدي إلى فك الضائقة المعيشية وتحسن معاش الناس».

أبو الغيط يهنئ

عربياً، هنأ أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، البرهان وحمدوك، وجميع أهل السودان، على رفع اسم جمهورية السودان بشكل رسمي ونهائي من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وأعرب في بيان عن «ثقته في أن هذه الخطوة ستفضي إلى فتح فصل جديد في وضعية السودان وتمكينه من تعظيم علاقاته مع مؤسسات التمويل الدولية وجذب مزيد من الاستثمارات ورؤوس الأموال الخارجية وتطبيع مجمل علاقاته الاقتصادية على الصعيد الدولي».

البرهان اعتبر الخطوة «تاريخية»… وحمدوك متفائل بجذب الاستثمارات

وصرح مصدر مسؤول في الأمانة العامة للجامعة العربية بأن أبو الغيط شدد بهذه المناسبة على «أهمية استمرار الجهود الدولية المتناسقة لمساندة السودان ودعمه في سبيل تجاوز مختلف التحديات الاقتصادية التي يواجهها لعبور صعاب هذه المرحلة الانتقالية الهامة».
واستذكر المصدر «الموقف الثابت الذي كانت الجامعة العربية قد تبنته منذ البداية بخصوص رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب والجهود التي قامت بها لمطالبة الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالقيام بهذه الخطوة».
وصنفت الولايات المتحدة السودان بوصفه دولة راعية للإرهاب عام 1993 قائلة إن نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير يدعم جماعات متشددة من بينها تنظيم «القاعدة» وحركة «المقاومة الإسلامية» (حماس) وجماعة «حزب الله» اللبنانية.
وفي تسعينيات القرن العشرين أصبح النظام السوداني منبوذا لاستضافته أسامة بن لادن وكارلوس الثعلب ليصبح نقطة ارتكاز للحركات الإسلامية تحت مظلة فكر حسن الترابي. وبدأ موقف السودان يتغير مع تهميش الترابي وتعاون البشير مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.
وفي السنوات القليلة الماضية، رأى كثير من السودانيين أن وضع اسم بلادهم على القائمة الأمريكية إلى جانب سوريا وإيران وكوريا الشمالية، أصبح غير مستحق وعفا عليه الزمن.
وأطيح بالبشير في أبريل/ نيسان 2019 والسودان الآن في مرحلة انتقالية تحت قيادة مجلس حاكم يديره المدنيون والعسكريون وحكومة تكنوقراط.

التأثير على السودان

وكان التصنيف يعني أنه لا يمكن للولايات المتحدة تقديم مساعدات اقتصادية للسودان، وأدى فعليا إلى منع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي من التمويل أو تخفيف الديون عن كاهل الخرطوم. كما أعاق التصنيف المعاملات بالدور للشركات السودانية، وزاد من تعقيد استيراد العديد من البضائع اللازمة للبنية الأساسية والرعاية الصحية والنقل. وحتى مع رفع العقوبات التجارية الأمريكية عام 2017 ظلت الاستثمارات الأجنبية هزيلة وعزفت البنوك الأجنبية عن التعامل مع السودان مع سعيها لضمان الامتثال للعقوبات.
ومن ضمن المتطلبات لرفع التصنيف كان التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وزيادة الحريات الدينية وتعزيز القدرة على إدخال المساعدات الإنسانية ودفع تعويضات عن هجمات تقول الولايات المتحدة إن الخرطوم لها صلة بها.
وأشارت واشنطن العام الماضي إلى أنها تستعد لرفع اسم السودان من القائمة. وفي فبراير/ شباط تم التوصل لاتفاق على تعويض ضحايا الهجوم على المدمرة الأمريكية يو.أس.أس كول عام 2000. لكن دفع تعويضات عن هجمات القاعدة على سفارتي واشنطن في كينيا وتنزانيا عام 1998 أصبح نقطة شائكة. ووافق السودان على دفع 335 مليون دولار على سبيل التسوية كتعويض عن تفجير السفارتين وحوّل المبلغ إلى حساب ضمان.

العلاقات مع إسرائيل

وتقول مصادر إن الولايات المتحدة حاولت استخدام رفع السودان من قائمة الإرهاب من أجل الضغط عليه ليحذو حذو الإمارات والبحرين وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأُعلنت الخطوتان في تعاقب سريع. لكن مسؤولي الحكومة السودانية، الأقل إقداما من الجيش على إقامة علاقات مع إسرائيل، أصروا على أن يجري التعامل مع كل قضية على حدة.
وأبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونغرس يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأول، بنيته رفع السودان من قائمة الإرهاب، وهو ما يعني سريانه بعد فترة مراجعة بالكونغرس مدتها 45 يوما.
لكن مبلغ 335 مليون دولار المتعلق بتفجير السفارتين لن يصرف إلا عندما تمنح الولايات المتحدة السودان حصانة سيادية، أي حمايته من رفع دعاوى قضائية ضده في المحاكم الأمريكية.

الحصانة السيادية

وعرقل عضوان في مجلس الشيوخ، هما روبرت مينينديز من نيوجيرزي وتشاك شومر من نيويورك، تشريعا لإعادة الحصانة السيادية، قائلين إنهما قلقان بشأن تقييد الدعاوى التي يمكن أن ترفعها أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على السودان في المستقبل. ويقول خبراء إن مسؤولية السودان عن هجمات 11 سبتمبر مشكوك فيها. ومع تعليق مسألة الحصانة السيادية، لم تجر زيارات رسمية أو مراسم توقيع للاتفاق مع إسرائيل.
وحيال مسألة منح السودان الحصانة السيادية، قال مصدر حكومي قيادي لصيق بالملف لـ«القدس العربي» في رسالة عبر الوسائط «هناك ضغوط كبيرة تقوم بها الإدارة الأمريكية لتمرير الشق الثاني من الصفقة المتعلق بحصانة السودان السيادية، ولا نستبعد أن نحصل عليها في الأربعة أيام المقبلة من عمر الكونغرس».
وأضاف «في حال عدم حصولنا عليها في الأيام المقبلة، سيتم ترحيل القضية إلى الكونغرس الجديد الذي تشكل عقب الانتخابات الأخيرة، وسيعاود عمله في شهر فبراير/ شباط المقبل، وهو الاحتمال الراجح بنسبة كبيرة، ولكن إلى ذلك الوقت، لن يستطيع الضحايا الأمريكان صرف الأموال المودعة في البنوك الأمريكية من قبل السودان الذي اشترط عدم صرفها إلى حين اكتمال كافة بنود الصفقة من رفع من لائحة الإرهاب والحصول على الحصانة».

طلبات الاستثمار

كذلك رحبت هبة محمد علي وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي بالخطوة، وأشارت في تصريح لوكالة الأنباء السودانية (سونا ) على هامش الاجتماع الأول لمجلس إدارة سلطة تنظيم أسواق المال إلى أن ذلك «يعد خطوة كبيرة في مجال دفع عملية الاستثمار في البلاد». وتوقعت أن «تشهد الساحة الكثير من طلبات المستثمرين الأجانب» موضحة أن «الجهات المختصة جاهزة للرقابة على الاستثمار وحماية المستثمرين».
ويقول مسؤولون سودانيون إن إزالة الاسم من قائمة الإرهاب خطوة كبيرة يمكن أن تساعد في تحقيق استقرار الاقتصاد وإنعاشه. وأضافوا أنها ستسمح للسودان بالعودة للانضمام لشبكات التمويل العالمية وتزيد من تحويلات العاملين بالخارج ومن تدفقات التجارة والاستثمارات.
وبين مسؤول في وزارة المالية السودانية إن الولايات المتحدة يمكنها تسوية متأخرات ديون السودان ودعم خطط للإعفاء من الدين ومساعدة السودان على الحصول على أكثر من مليار دولار سنويا من مقرضين دوليين. لكن المسؤولين حذروا كذلك من أن الاقتصاد لن يتغير بين عشية وضحاها.
وأوضح مصرفيون ومحللون أن خطوات استئناف العلاقات مع البنوك الأجنبية ستكون بطيئة على الأرجح. وبدون الحصانة السيادية قد يرى المستثمرون أن أموالهم معرضة للخطر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية