ترحیب أوروبي روسي وخلاف أمريكي إسرائیلي بشأن إحیاء الاتفاق النووي الإیراني

محمد نُون
حجم الخط
0

أیقنت واشنطن بلسان وزارة خارجیتها أن طهران تقف على مسافة أسابیع من إنتاج السلاح النووي، فأبدت مرونة في المفاوضات غیر المباشرة مع إیران في فیینا وتحدثت عن الانتهاء من القضایا الأساسیة بعد الرد الإیراني على مسودة الاتحاد الأوروبي لإحیاء الاتفاق النووي والتي تقدم بها جوزیب بوریل مسؤول السیاسة الخارجیة للاتحاد، بالتوازي مع المساعي التي قامت بها الدوحة بین واشنطن وطهران. وأیقنت إیران – وإن لم تعترف بذلك – أن سیف العقوبات «الأمريكیة القصوى» یغرز أظافره بعمق في اقتصادها، فقبلت بمسودة الحل الأوروبیة بعدما قالت إن الجانب الأمريكي تراجع «شفهیا» بشأن نقطتین أساسیتین (لم تحددهما) وأن النقطة الثالثة المهمة تتعلق بالضمانات لاستمراریه تنفیذ الاتفاق وعدم تكرار ما حصل مع الرئیس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي أخرج بلاده من الاتفاق عام 2018 بعد ثلاث سنوات فقط من توقیعه عام 2015.
وما بین الیقین الأمريكي والیقین الإیراني، برز یقین أوروبي بأن الوقت قد حان لإحیاء الاتفاق وعودة النفط والغاز الإیراني إلى الأسواق من دون عوائق للمساهمة في إبعاد صقیع الشتاء القادم إلى أوروبا في ظل العقوبات المفروضة على روسیا بسبب حربها في أوكرانیا.

الرفض والتوجس في إسرائیل

لكن إسرائیل رفضت قبول تلك الأجواء الإیجابیة، فحذر رئیس الوزراء الإسرائیلي یائیر لابید المسؤولین الأوروبیین والأمریكیین قائلا: «إن عدم الابتعاد عن مفاوضات إحیاء الاتفاق النووي مع إیران یبعث برسالة ضعف، وأن ما هو مطروح الیوم یتجاوز الخطوط الحمراء لإدارة بایدن بشأن ما كان علیه الوضع في الاتفاق عام 2015». وبرز موقف أمريكي یعترف بما أسماه «الإختلاف التقني» مع الموقف الإسرائیلي لكنهما یتفقان على منع إیران من امتلاك السلاح النووي».

الترحیب الروسي

وعلى النقیض كانت موسكو الرازحة تحت العقوبات الأمريكیة والأوروبیة تراقب بارتیاح كل ما یجري، وتدفع بالمضي قُدما نحو إحیاء الاتفاق، إذ أنه یعطي لروسیا دورا محوریا، تتمثل أبرز وجوهه في «استلام ما لدى إیران من یورانیوم مخصب بنسبة عشرین في المئة» كما أن رفع العقوبات الأمريكیة عن استثمار الشركات الأجنبیة في إیران سیشمل حكما الاستثمارات الروسیة هناك والتي تضاعفت لتبلغ 40 ملیار دولار في قطاع النفط والغاز الإیراني. لذلك قالت موسكو إنها بذلت جهودا للدفع نحو إحیاء الاتفاق في الجولة الأخیرة في فیینا بین إیران والدول المعنیة ومنها الولایات المتحدة الأمريكیة بوساطة أوروبیة.

طول انتظار
الشركات الأوروبیة

ومثیل تلك الاستثمارات أیضا هو هدف الشركات الأوروبیة العملاقة وخاصة شركة توتال الفرنسیة التي فقدت فرصا هائلة بسبب العقوبات الأمريكية على إیران، لكن الباب أمامها سیعاد فتحه نظرا لأن حجم الاستثمار الواعد في قطاع النفط والغاز الإیراني یبلغ 160 ملیار دولار، ولیس في صالح تلك الشركات أن تترك هذه الساحة الاستثماریة لروسیا والصین.

بین التكنولوجیا النوویة
والقوة الصاروخیة

یمكن تقسیم تلك النقاط الخلافیة إلى قسمین، أولهما یدخُل في ُصلب امتلاك إیران التكنولوجیا النوویة ودور الوكالة الدولیة للطاقة الذریة في منع انحراف النشاط النووي نحو التسلیح، وثانیهما یتمحور حول القدرات العسكریة التقلیدیة وتحدیدا الصاروخیة الإیرانیة نظرا للخشیة من حمل الصواریخ بعیدة المدى لرؤوس نوویة.
وعندما كان الجانب الأمريكي یثیر مسألة الصواریخ، كان الرد الإیراني بأن هذا الموضوع لا علاقة له بالملف النووي، وأنه خارج النقاش، لكن المفاجأة كانت في الإعلان عن إطلاق القمر الصناعي «خیّام» – تیمنا باسم الشاعر الشهیر عمر الخیام – بتعاون مشترك إیراني – روسي یوم الثلاثاء التاسع من آب/أغسطس الجاري، بواسطة الصاروخ الروسي الحامل للأقمار الصناعیة «سویوز» من قاعدة «بایكونور» الفضائیة في كازاخستان وأن هذا التعاون مع وكالة الفضاء الروسیة انتقل من مرحلة التصنیع إلى مرحلة نقل التكنولوجیا. هذا التطور أعلنه وزیر الاتصالات الإیراني عیسى زارع بور، لیضیف القول: «إنه ستتم صناعة ثلاثة أقمار صناعیة أخرى بالتعاون مع روسیا، هي أقمار خیّام 2، خیام 3، وخیام 4».
وتقول وكالة الفضاء الإیرانیة إنها قادرة الآن على صناعة وإطلاق أقمار صناعیة بوزن 50 كیلوغراما، وأن خطتها تهدف للوصول إلى قدرة إطلاق لأقمار أخرى بعشرة أضعاف أي بوزن 500 كیلوغرام.
هذا الهدف صار قابلا للتحقق بدخول روسیا على خط نقل تكنولوجیا الفضاء إلى إیران، وهو ما تخشاه الإدارة الأمريكية التي تنظر بارتیاب إلى تطور التعاون العسكري والأمني بین إیران وروسیا ومعهما الصین أیضا.

البیت الأبیض
وإنقاذ ما یمكن إنقاذه

هذه المعطیات دفعت بواشنطن للتركیز على استنقاذ ما یرتبط بنقطة الاشتباك الأولى في الملف النووي والمتعلقة بوقف «الهرولة الإیرانیة» في زیادة نسبة تخصیب الیورانیوم حتى تجاوزت عتبة التخصیب بنسبة 60 في المئة (كما هو معلن) مع تلویح بإمكانیة الذهاب إلى نسبة 90 في المئة بفعل الأجیال الجدیدة المتطورة من أجهزة الطرد المركزي، وأیضا في ظل إعلان إیران رسمیا «أنها تملك التقنیات اللازمة لصناعة قنبلة نوویة لكنها لا ترید ذلك» ثم جاء إعلان الناطق باسم الخارجیة الأمريكية نید برایس قبل أیام «أن إیران تقف على مسافة أسابیع من إمتلاك السلاح النووي، وأن الولایات المتحدة الأمریكیة لن تسمح بذلك».

المطالب الأمريكية

ویركز الجانب الأمريكي من خلال إحیاء الاتفاق النووي على نقطتین محوریتین هما: النقطة الأولى: تتمثل في قبول إیران وقف عملیات التخصیب المتطورة وإعادتها إلى نسبة التخصیب المنخفضة أي قرابة 3.67 في المئة والتخلي عن 120 كیلوغراما من الیورانیوم المخصب بنسبة 20 في المئة ومن المفترض أن یتم تصدیر هذا النوع من الیورانیوم من إیران إلى روسیا حسب اتفاق العام 2015.
النقطة الثانیة: إطلاق ید الوكالة الدولیة للطاقة الذریة لمراقبة المنشآت النوویة بما في ذلك إعادة تشغیل كامیرات المراقبة الدائمة التابعة للوكالة وخاصة في منشآت تخصیب الیورانیوم.

المطالب الإیرانیة

یأتي على رأسها الضمانات باستمراریة الالتزام الأمريكي بالاتفاق والاستفادة الكاملة من الفوائد الاقتصادیة التي ینص علیها اتفاق العام 2015 المعروف بخطة العمل الشاملة ومن ضمنها التالي: أولا: رفع الحظر بكافة أشكاله بما فیه الحظر على المصارف بحیث تتمكن إیران من العودة إلى أسواق التجارة الدولیة بما فیها استلام ثمن عائدات بیع النفط، ورفع الحجز عن ملیارات الدولارات الموجودة لإیران في البنوك الأجنبیة. ثانیا: ضمانات بعدم الانسحاب مجددا من الاتفاق وعدم التهدید مستقبلا لجمیع الشركات الأجنبیة الراغبة بالاستثمار في إیران، ووضع آلیات عملیة تحول دون ذلك بما فیها فرض تعویضات تدفعها الخزانة الأمريكية في حال انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق، وخاصة في ظل وجود احتمال عودة الرئیس السابق دونالد ترامب إلى البیت الأبیض في الانتخابات الرئاسیة المقبلة. وبشأن مطلب إزالة الحرس الثوري عن لائحة «الإرهاب الأمريكية» فقد تم تجاوز هذا الأمر نحو تسویة تتیح للشركات الاقتصادیة التابعة للحرس بالعمل عبر شركات إیرانیة وسیطة غیر مشمولة بالقائمة الأمريكية للحظر. ثالثا: إبعاد عمل الوكالة الدولیة عن ما تصفه إیران التدخل والتسییس، وخاصة بعد العلاقة التي أقامها رئیس الوكالة رفائیل غروسي مع إسرائیل عندما زارها في حزیران/یونیو الماضي لبحث الملف النووي الإیراني وقبیل إصدار الوكالة تقریرا یتعلق بهذا الملف.
وتقول إیران إنها وحدّت كلمتها الداخلیة ما بین المجلس الأعلى للأمن القومي والبرلمان عبر تفویض وزارة الخارجیة والفریق الإیراني المفاوض بالمضي قُدما في إتمام التوقیع على إحیاء الاتفاق إذا جاءت الردود الأمريكية مناسبة لما تطلبه طهران عبر الوسیط الأوروبي.

التطبیق ما بین الریبة
والغموض وإدارة الخلاف

تبدو عملیة إحیاء الاتفاق النووي أشبه بزواج المصلحة بین أطرافه، في ظل الخشیة المعلنة من عدم الالتزام بتنفیذ بنوده كاملة بعد أن تتم العودة إلیه، حتى یبدو أنه زواج مصلحة مؤقت، یلزمه الكثیر من العمل لتحویله إلى زواج مصلحة دائم اذا ما تم إعادة جزء من الثقة المفقودة بین إیران والولایات المتحدة الأمريكية وشركائها الغربیین. كل ذلك یحدث في ظل تأكید إسرائیل أنها ستواصل العمل ضد إیران، وما یوازیها من حرب استخباراتیة وعملیات اغتیال إسرائیلیة لعلماء نوویین وشخصیات عسكریة إیرانیة. وإذا أضفنا التأكید الإیراني المستمر على مواجهة إسرائیل في فلسطین وخارجها، وتصنیف إیران للقيادة المركزية للقوات العسكریة الأمريكية المتواجدة في المنطقة على أنها قوات إرهابیة، بالتوازي مع تصنیف واشنطن للحرس الثوري على قائمة الأرهاب، فإن الاتفاق النووي سیبقى في عین العاصفة إذا تم إحیاؤه من جدید، وقد یحرز تقدما معینا في إطار تنفیذ خطوات متبادلة ومتزامنة في ذات الوقت على قاعدة «خطوة مقابل خطوة، وتراجع مقابل تراجع، وحتى انسحاب مقابل انسحاب».

طاولة حوار محتملة

وفي حال تم تجاوز حاجز الریبة في ظل مناخ عالمي متوتر بسبب الحرب الروسیة في أوكرانیا، فإن إحیاء الاتفاق قد یتحول إلى طاولة حوار أمريكیة-إیرانیة من جهة، وأمريكیة أوروبیة-روسیة من جهة ثانیة. وقد تكون هذه الطاولة قادرة على تخفیف حدة التوتر، وإدارة النزاع، منعا لحصول مواجهة شاملة لا یرغب بها الجمیع، فهم یتقاتلون في أوكرانیا ویتحاورون على مائدة النووي الإیراني في فیینا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية