في روايته «ترف الانكفاء» يرصد الكاتب السعودي وائل هادي الحفظي حالة الإنسان في سنواته أو في عقوده الأخيرة، في دخوله حيز التضاؤل أمام عالمه لأسباب عديدة، تجعله منعزلا، دون أدنى محاولة لعقد اتصال بالعالم. رواية أشبه بمديح الوحدة أو السأم. وهناك أسباب عديدة لوصول الإنسان إلى تلك الحال، لعلّ أهمها يتمثل في غياب الإجابات عن الأسئلة العديدة التي تحيط به، منها ما هو وجودي ميتافيزيقي، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو ذاتي يتعلّق بالبشر وطبائعهم. ويأخذ الإنسان وقتا طويلا حتى يدرك أن هناك أسئلة وأحوالا عليه أن يتقبّلها بحالتها الصامتة المدببة دون إجابة شافية، لأن من يصرّ من البشر على تلمّس إجابة يجد نفسه- فوق تسرّب يقينه- في مواجهة المجهول أو العدم.
الرواية تمثل مقاربة مرحلية للعالم، تتحرّك حول التساؤل العميق عن الإنسان والهوية والقيم والصراعات، ومشدودة إلى المعاناة والمتاهة، وارتباط كل ذلك بالإنسان متجذّرا داخل سياقه التاريخي ولحظته الحضارية. تقترب الرواية في ظل ذلك من المناحي المعرفية، خاصة في ظلّ اكتمال الأدوات الكتابية الروائية، فاكتمال الأدوات ربما يكون بوّابة أولى للتوجه نحو المعرفي ومقاربة جزئيات تتعلق بالوجود، برصد محاولات الانسلاخ منه، والهروب من دورة الحياة المعهودة ورتابتها وصراعها من خلال هرم (ماسلو) للاحتياجات الإنسانية، وعجلة (هامستر). وكل ذلك لا يتأسس إلا على أدوات شبه مكتملة، وعلى وعي فائض يتمّ بناؤه.
تبحث الرواية عن طريق آخر للحياة، أو طريقة للارتباط بها بشكل مغاير للتعوّد والتكرار والتنميط واللهاث، فعجلة هامستر تشير إلى أداة للعب الحيوانات داخل الأقفاص، وما تفعله الرواية فكريا ومعرفيا، يتمثل في التوجيه نحو الانعتاق من فكرة الصراع، والدعوة إلى الانعزال عن صخب الحياة، فالإنسان الأعلى في منطق النص ـ في تضاد مع تصوّر نيتشة- يتمثل في التعافي بالاستغناء عن العالم، أو الانخراط في حدوده وإشكالياته. والبطل في كل ذلك يصنع عالمه من الهواجس والمخاوف والتخيلات التي لا يعرف أحد مداها سواه، وكلها أشياء تشكّل عالمه غير المتأثر أو المرتبط بأعراف، فالذات في النص الروائي تؤسس ارتباطها بالوجود منعتقة ومتخلية عن هذا الصراع ومتطلباته بقصدية عالية.
السرد المونولوجي وآليات مواجهته
الرواية من خلال انعطافاتها إلى الخلف في مقابل السرد التصاعدي النامي، تكشف من خلال إشارات موزّعة بدقة عن بروز هذه الحالة للبطل، وميلاد الأسئلة القلقة التي تتعلق بالحياة والوجود. فموت الأم يأتي بوصفه حدثا غيّر وزلزل انسجام البطل في مرحلة الطفولة، فقد كشف عن عبثية الحياة، وأصبح الباب الأساس للأسئلة التي تنسرب بسيطة، ثم تكبر لتشكّل حضورا مؤرقا، فموت الأم بالنسبة لطفل في الثامنة، يفتح الباب لمواجهة مبكرة مع العالم دون جاهزية، يقول النص «وإن كان قد حدث مكروه، فكيف لصغير مثلي أن يعيش؟».
يأتي موت الأب فاعلا في توليد تلك الحالة، فتبدّل حاله من القوة إلى الضعف، وفقدانه الذاكرة أدى إلى تحوّل في مفاهيم الأبوة والبنوة من النقيض إلى النقيض، ففقدان الذاكرة اختيار مبكر للوصول إلى النهاية، وكأن خيار المغادرة جزء من لعبة الحياة، بتكرارها الدوري والأبدي، فقد جعله هذا الفقد، ضد النشوة بالزواج والإنجاب، فنراه يصوّر مشابهيه في قوله «ولكن إذا قرّر أحدهم أن ينجب عليه أن يتوقع ممن أنجب أن يقرّر تركه وحيدا في الحلبة مدخرا قوته لصراعه الآتي، أو صراعاته الآتية التي يواجهها مرغما». هذا الفقد الذي تجلّى في فقد الأم والأب يؤسس اكتمال حلقاته بفقد الأخ الأكبر، ويؤسس تشابها في هذه الجزئية مع سيرة نيتشة، وكأن التشابه في الظروف، يؤدي إلى نتائج متناقضة في تصوّر الإنسان الأعلى لدى كل واحد منهما.
ولا يمكن في ظلّ تلمّس أسباب لحالة القلق الوجودي في النص الروائي أن نهمل السياقات العالمية التي لم تعد الدول العربية تملك ترف الابتعاد أو الانفكاك عنها، وكلها سياقات محلية وعالمية كاشفة عن التفاهة والآلية، مثل وجود يوم في أجندة الأمم المتحدة خاص بسمك التونة، أو يوم للمساواة في الأجر غير الموجودة، بالإضافة إلى نمط الحياة اللاهث والسريع، فقد أوصل البشر إلى مساحة من البرود، وإلى حركة منطلقة من القصور، فقد ذابت الحدود بين دلالة المفاهيم، وهناك أيضا إشارة إلى الاستعباد الناعم للبشر، وبشكل خاص للأطفال ومحاولة تسويغ ذلك. وقد أدى كل ذلك بالنسبة للبطل- لم يذكر اسمه أو اسم أية شخصية أخرى في النص، للإشارة إلى كونهم إشارة لنماذج عديدة- إلى مشروعية الانعزال وقطع كل أسس التواصل مع الخارج الواقعي.
السرد المونولوجي يؤثر في آلية تقديم الشخصيات، فهي لا تتجلى بشكل واضح أو كامل، حيث تتشكّل في إطار لحظي ممسوسة برؤية البطل، وتعقيداته النفسية، وثقافته الفلسفية والعلمية المتنوّعة. الشخصيات في النص ليست كثيرة في أفقها وفضائها المحدود، فليس هناك سوى البطل السارد بضمير المتكلم، وجاره العجوز وزوجته، والطبيبة النفسية، وصاحب البناية التي يقطن بها البطل، وكلها يمكن أن تكون رموزا لأفكار تجريدية مثل الرغبة التي تتساوق مع زوجة العجوز، أو الضمير الذي يتجاوب مع الطبيبة النفسية، حتى البطل السارد نفسه يمكن أن يكون نموذجا للإنسان في لحظة حضارية آنية، تتفكك فيها أواصر الارتباط بالحياة، وتتلاشى أطر الانتماء، وتصبح لصيقة بالذات في خياراتها وتوجهاتها.
الرواية في تجليها العميق أقرب إلى كونها تمثل تلقيا لا يخلو من خصوصية لمجموعة فلسفات ونظريات علمية، لا يزال بريقها موجودا، فالإنسان لا يواجه العالم بذات فارغة ملساء، لكنه يواجهه بأخاديد معرفية بارزة وحاضرة، يمكن أن تؤثر على طريقة ارتباطنا بالحياة، وعلى رؤيتنا لها، وعلى طريقة مقاربتها من بين خيارات عديدة متاحة، منها النزال أو الانكفاء أو الانعزال، أو الفاعلية أو الانفعال. في السرد المونولوجي دائما ما يكون في النقلة السردية النامية باب للحركة أو التمدد، تتولّد منه المونولوجات الارتدادية للماضي، أو المناحي المعرفية في معاينة مقولات عامة قد تكون علمية أو نظرية.
ويمكن في كثير من الأحيان يخايل القارئ أن الطبيبة النفسية- وهي يمكن أن تكون الضمير أو الوجه المراجع للذات أو الأنا المضادة- تقوم بوظيفة الحوار في النص الروائي من خلال اللقاء الافتراضي، للحدّ من هيمنة هذا السرد المونولوجي المنفتح على المعرفة، وإن لم تفلح هذه الآلية في القضاء على هيمنته وحضوره، فقد ظل المونولوج- في حضور الحوار المتبادل- طويلا، ولا يخلو من استناد إلى عكاكيز معرفية، لتسويغ فكرة، أو للحجاج للوصول إلى مشروعيتها. فوجودها يرتبط بهذه الوظيفة البنائية، بالإضافة إلى وظيفة أخرى في نهاية النص، ترتبط ببحث الذات عن وجود مهيمن فاعل، خروجا من الانزواء والهامش، وذلك من خلال عملية قتل المرأة العجوز القاطنة أمامه بعد وفاة زوجها.
القارئ للرواية يدرك أنه أمام بطل ينفر من العالم، ومن البشر، يسدّ مسارب اللقاء بهم، لديه نوع من الإيمان بقيمة هذا التوجه في مقاربة العالم، فهو اختيار ناجم عن قناعة بأن الإنسان الفائق لا يتشكل بالقوة أو الصراع، وإنما بالكسل والتسليم بالنهاية القادمة، وناجم أيضا عن مشابهة عملت الرواية على إسدالها طوال النص الروائي وبأشكال مختلفة. فالبطل- خاصة في الجزء الأخير من الرواية- شبيه (بحيوان الكسلان) الذي أطلق عليه هذا الاسم بسبب كسله وحركته البطيئة، ويأكل وينام في وضعية واحدة، ويترك مولوده الصغير حين يسقط على الأرض بسبب الكسل. فالقتل هنا مبرر، لأن المرأة حاولت أن تنزله من تصوره الفائق لنفسه حسب مفهومه، فقد حاولت العجوز انتهاك خصوصيته، والاعتداء الجنسي عليه مرة ثانية، وقد أصبح البطل في إطار ذلك، في مجال الازدراء الذي يؤثر على صورة الإنسان الفائق المغاير لمفهوم نيتشة.
من المعلوماتي إلى المعرفي
يدرك القارئ للرواية أن هناك حضورا لافتا لفلاسفة وعلماء ومنظرين وفنّانين، ولكن هذا الحضور لا يتجلى على شكل واحد، فهناك حضور أشبه بالحضور الجزئي المرتبط بالوجود اللحظي للبنية المتكوّنة، خاصة إذا أدركنا أن الرواية في منطلقها الأساس قائمة على النفي، ورفض ومساءلة كل القيم والأعراف مساءلة جذرية، في تحديداتها الثلاث المتعارف عليها في الإرث الفلسفي، وهي على الترتيب الميتافيزيقية والدينية والأخلاقية.
ويظهر هذا التوجه الجزئي في الإشارة إلى اكتشافات علمية ونظرية، مثل الإشارة إلى هرم (ماسلو) للتوجيه نحو الاحتياجات الإنسانية وتنوّعها ونسب حضورها، أو فأر (هامستر) للإشارة إلى الأفق الواسع والمغلق للحياة، أو إلى نظرية (الحداثة السائلة) لصاحبها الفيلسوف باومان أو إلى وسام سميث، حيث تذوب الفواصل بين الأنواع والأجناس. والسيولة- كما تجلت في النص الروائي- تأخذ مناحي عديدة، منها انتفاء التحديد الصارم للأشياء، وتفكك المفاهيم التجريدية، إلى مفاهيم قد تكون متناقضة مع المستقر لها في الذهن، مثل مفهوم (الإنسانية)، أو مفهومي (الخير) و(الشر)، فكلها أصبحت في حالة سيولة، مما أدى إلى تداخلها، وفقدانها لنصاعتها.
تأتي نظرية الانتخاب أو الاختيار أو التطور الخاصة بداروين كاشفة عن صدى واسع في الرواية، بداية من إشارات جزئية إلى تحولات في سلوك القطة، قد تصلح أن تكون إشارة أو إيحاء له فاعلية وحضور للنظرية، فالقطة تتحوّل إلى انتقاء الطعام بعد تغيير السياقات، ولم تعد تأكل كل ما يلقى إليها. وفي أجزاء أخرى من النص الروائي نجد اعتمادا على منطق القوة، للوصول إلى مشروعية البقاء، تقول الرواية «هي ذي الحياة، لم نختر أن نحياها، وإنما ولدنا محاربين، وعلى الجميع أن يتحمل أن يكبر ويمرض ويموت، وألا ينتظر تعاطفا من غيره».
وقد تكون عملية القتل التي قام بها البطل في حق جارته المسنة (البكماء الصماء في إشارة للرغبة)، بعد أن رفض مقايضتها في الاستمرار معها بعد وفاة زوجها، انتصارا لكل الأفكار المتجاوبة بداخله عن الانكماش والانطواء، بل وربما فيها أيضا- استجابة لنزوعه في التسليم بدون مقاومة- جانب آخر يتمثل في استعجال النهاية، والقدرة على تقرير الخروج من هذه الملهاة الوجودية. فهذا القتل الفعلي- بالإضافة إلى أمنيات أخرى بقتل الطبيبة وصاحب البناية أو كتلة الشحم، والمدير التنفيذي قبل الاستقالة من عمله، وآخرين- ليس إلا انتصارا لنظريته، في مقابل نظرية داروين ومنطلقاتها.
فهذا القتل الفعلي- أو الماثل في حدود الأمنية- يمثل حركة وديمومة لفكرته الخاصة بالوجود الهشّ للإنسان والحياة، فالمرأة العجوز باستدراجها له، ومحاولة استمرار هذا الاستدراج ومقايضته، قد حركت لديه جزئيات للارتباط بالخارج، وفيه يفقد وجوده الأعلى المنعزل، فجاء القتل، وكأنه انتقام من محاولات عقد ذلك الارتباط. فكل واحدة من الشخصيات- المقتولة أو الداخلة في إطار التمنّي لفعل القتل- تمثل مساحة ما لهذا الارتباط، وكأنها- أي هذه الشخصيات- توجّه إلى زلزلة لنسق الانكفاء والابتعاد عن الصراع، ونحو منطق القوة للتشبث بالبقاء، ومن هنا يأتي السجن- في ظل هذا المنطق بالانعزال عن العالم وصراعاته- ممثلا لحالة من حالات الحرية التي تجعل اتصاله بالبشر اتصالا محدودا، يستطيع أن يكيّف وجوده في إطار خاص من التسليم دون مقاومة أو حضور للقوة.
وائل هادي الحفظي: «ترف الانكفاء»
دار الآداب، بيروت 2025
168 صفحة.