أسمع فيروز كثيرا.. علاقتي بهذه السيدة يعود إلى ما يقرب من خمسة عقود.. سمعتها صبيّا في الفراش أتكاسل، ولا أحب الذهاب إلى المدرسة، وأمي تعدّ كسكسيا مطبوخا كان عوننا على الجوع والبرد، وتعدّ لأبي قهوة سوداء كنا ممنوعين منها لأنّها من ترف الشراب عندنا… سمعت فيروز شابا وأنا برفقة خالي، رحمة الله عليه، المتيّم بها يضع صورتها العملاقة على باب غرفته، ويسمع من آلة التسجيل بصوت خافت ويقرأ من كتاب فرنسيي وأجلس حذوه صامتا أتأمّله ولا أشبع من وجهه، كان يشرب القهوة ويدخن وأسمع فيروز بأنسه.. حين صرت كهلا لم أتوقف عن سماع السيدة، لكنّي بتّ أعيش بتفاصيل الترانيم ودقائق الكلمات..
أسمع أغنية (رجعت في المساء) وهي جزء من طالع القصيد ينسب إلى الأخوين رحباني نسبة هي مشكلة في الشعر، لأنّ الاشتراك في القول مشكل لسانيّ لسانيّ. من الناحية اللسانية الأصل في الكلام أن يكون فرديّا، فكلّ شخص يختار لبناء الوضعيّات الكلامَ الذي يراه صالحا التوليف بين الكلمات والمركبات في الكلام توجّهه قواعد اللغة، لكنّ اختيار العبارات والمعجم وطرق التوليف، فرديّ.
التأليف الجماعي في الأدب من جنس الاشتراك في قصيدة، أو في أقصوصة نادر ومشكل، هو نادر لأنّه يتطلب أن نتبنى وجهة نظر واحدة واستراتيجيات كتابة واحدة ونتفاوض في أسلوب الكتابة، وغير ذلك من الأمور التي تحدث بالمغالبة. وهو مشكل لأنّنا لن نعرف ما نصيب كلّ فرد من بناء النصّ، وكيف تنازل أحد الطرفين عن رؤيته للكون وتبنى رؤية الثاني؟
الكتابة على سمت القواعد اللغوية شيء مشترك وجبر لغوي وصراط لا بد أن يعبر عليه المتكلمون، لكن الكتابة على سمت القواعد الإبداعية فذلك جبر أقل، لكنّه يظل اضطرارا أن تكتب الشعر على وزن وقافية، وأن تكتب في الغرض هذا أو ذاك، فذلك قدر الجنس الأدبي على من يريد أن يتبعه حين توضع القوانين لمن يكتب يدخل بيت الطاعة، وحدهم الذين لا يحبون بيوت الطاعة يهجرون البيوت العامة وينامون في العراء بلا لحاف، ويبحثون لهم عن مقرات إبداع جديدة؛ وحدها اللغة تبني بقواعدها بيوتا للطاعة الدائمة. في هذه القصيدة التي تغنيها فيروز، والتي كتبت للاستهلاك الموسيقي، شاعران وملحنان. يُرى الشعر بمنظار موسيقي وترى الموسيقى بمنظار الشعر. لن تقف القصيدة عارضة فتنتها على الملحنين كي يقتنوها لنوتاتهم.
أن تكون كاتبا مسرحيا ومخرجا، وأن تكون ملحّنا وشاعرا فهذا لا يفهم إلاّ في سياق نظرية إدراكية تعرف بنظرية المزيج. ربما يكتب الشاعر وفيه بعض نوتات الموسيقى تختلط بنوتات الموسيقى، هذا ضرب مما يسميه فوكونياي وترنار Fauconnier &Turner المزيج التصوري Conceptual Blending. بات من المسلم به عرفانيّا أن أذهاننا تشتغل بشكل استعاريّ، وهذا ملحوظ حين نستعير لتجربة معقدة أو مجرّدة عناصر تجربة أخرى بسيطة في متناول معرفتنا لكي نفهمها. فالحديث عن غلاء الأسعار في ذاته سيكون شيئا صعبا يخفّ إن نحن استعرنا له تجربتنا مع النار، لنبني أمثلة كثيرة من داخل [لأسعار – نار] مثلا بالتونسية (الأسوام تكوي: الأسعار تكوي). يعني المزيج أن الجمع بين ميدانين استعاريين وفضاءين هما الأسعار والنار يجعلنا إزاء متصورّ جديد يمتزج فيه الاثنان، فلا الأسعار ستبقى أسعارا، ولا النار ستظل نارا، سوف تكون لنا أسعار فيها سمات النار، ونار فيها سمات الأسعار. المزيج يعني ههنا أن كل تعامل بين ميدانين يؤدّي إلى ضرب من تفاعل وتقاطع لا يعطيك صورة، بل صورة فيها قياس شيء بشيء، بل فيها مزج بين متصورين. هذا المزيج يعتقد العلماء أنّه من شأن الدماغ، وما يوجد على سطح اللغة هو بناء لهذا المزيج الحادث أصلا في الذهن وهو يعالج المتصور المذكور. الملحن الشاعر الذي كتب (رجعت في المساء) يصدق عليه هذا التصور للمزيج.
لا يوجد اعتباط في صورة هذا الرجل المسافر العائد بعد المزج؛ تجربتنا العاطفية مع العائد المشتاق إليه تشبه تجربتنا مع الأشياء التي استعرناها لنعبر بها عن عاطفتنا معه ونحن نتحدث عنه.
لكنّ القصيدة فيها مزج تصوري كثير، ففي قول الشاعر الملحن (رجعت في المساء كالقمر المهاجر//حقولك السماء حصانك البيادر) حدث ضرب من المزيج بين أزواج من الفضاءات الذهنية وهو (القمر والمهاجر؛ والحقول والسماء؛ والحصان والبيادر) ومن هذا المزج بنيت صورة لمن عاد في المساء: فهو رجل قمر؛ يملك حقلا من النجوم ويمتطي حصانا من البيادر. التصور التقليدي للتشبيه يجمع المشترك في بوابة المشبه به، لكن الاستعارة في نظرية المزيج تخلط بين المشبه والمشبه به (أو فضاء الدخل الأول والثاني) لتخلق منهما متصورا جديدا لا هو رجل ولا هو قمر، بل رجل قمر: رجل كهذا يمزج بين إنسانية البشر ونورانية الكوكب، هو رجل يشبه في ملامحه المزجية أبا الهول sphinx فهو بوجه بشر وببريق قمر؛ بساق إنسان يسافر سفر القمر في السماء.. له حصان من قش البيادر لا يعلف فيها الحصان قشه، وإن فعل علف نفسه. لا يوجد اعتباط في صورة هذا الرجل المسافر العائد بعد المزج؛ تجربتنا العاطفية مع العائد المشتاق إليه تشبه تجربتنا مع الأشياء التي استعرناها لنعبر بها عن عاطفتنا معه ونحن نتحدث عنه. ماذا يحب الفلاح أكثر من الحقول والبيادر، لكن لا قيمة لحقول بلا سماء تمطر لتسقي وتصحو لتنبت وتجف وتحصد. السماء تحتاج قمرها في صحوها بعد مطرها؛ يعود القمر في الصيف وقد صارت غلة الأرض بيدرا. بين الحصان والبيدر ما بين السماء والحقول من تفاعل عاطفي، وما بين الرجل والبدر من تعامل. لا توجد أسطورة تجعل القمر وجها كوكبيا مشرقا في الليل يوجد مزج ثقافي تجريبي بين القمر والبشر لا في الجمال، بل في الحضور وكسر ذاك الحضور بالغياب. حين تطلب وجه الله فأنت تلوذ به. والكواكب لها أيضا وجوه؛ فللقمر وجه لأنه من خلق الله والله خلق الخلق على هيئته يعيش فينا الكوكب القمري على أن له وجها فحين يغيب، لا لأنّ للغياب أسبابا مناخية غيبته، بل لأنه غاب كي يؤوب من جديد تماما كشخص مهاجر أو مسافر يأخذ القمر وجهه ويسافر مثلما يأخذ المسافر وجهه ويسافر.. في هذه الحالة من المزج بين غياب البشر وغياب القمر، وفي انتظار حالة تسمح للوجه أن يسافر وحده معزولا عن جسد حامله، يتوق الجسد إلى أن يترك وجهه ويسافر.. يُنسى وجهك حين تختصر كل جسدك فيه وتتركه كالقمر يسافر.. في سفر جديد يدرك على أنه تجربة فريدة تسافر فيها أشياء، وتترك من يسافر بها يبقى بدنيا الله في روحنا فهو يسافر بالقمر.. سيسافر القمر ويظل الله.. وفي بحر تسافر فيه الأمواج بالسفن يمكن للبحار أن تسافر وتترك السفينة، وفي الكون البشري يمكن لك أن تترك وجهك يسافر.. أن تترك لك جسدك.. ستسافر البحار ويسافر القمر ويسافر معها وجهك.. أول مراحل النجاة أن تنسى وجهك وبعدها القمر وبعدها البحر، وتظل مع ما يبقى: السفينة وجسدك وروحك ووجه الله هو الأبقى.
أسمع فيروز وقد قاربت الستين وهي تغني (أعرف يا حبيبي أنك ظل مائل) فألعن استقامة الأشياء في عوالمي؛ استقامة تقول (لا يستقيم الظل والعود أعوج) كم من ظلّ مائل لقامة ممدودة مستقيمة.. حين يتمرد ظلك ستتمرد على نفسك.. لن تكون نفسك لا شطرها ولا ربعها ولا كلها.. وستسأل متى كان المرء نفسه؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية