تركيا ترسم خطط معركتها المقبلة في سوريا وتنتظر موافقة الكبار في قمة العشرين

منهل باريش
حجم الخط
0

لدى أنقرة بنك أهداف في مسار تحركها وعملياتها العسكرية في سوريا، تعتبرها تشكل تهديدا لأمنها القومي، هي تل تمر وعين عيسى ومنبج وعين العرب إضافة لتل رفعت.

انتقل التصعيد ضد أنقرة إلى داخل حدودها بعد القصف على منطقة قرقميش الحدودية مع سوريا، أقصى جنوب شرق ولاية غازي عينتاب، الاثنين، حيث سقطت خمس قذائف هاون، من الواضح أن مصدرها قرية زور مغار غرب مدينة القامشلي عين العرب/كوباني والتابعة إداريا بدورها إلى محافظة حلب. وتسيطر على المنطقة قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
ورغم تعدد استهداف القوات التركية في إدلب وشمال حلب وريف الرقة والحسكة، إلا أنها المرّة الثانية في أقل من عام تستهدف الأراضي التركية بقذائف الهاون، حيث جرى الاستهداف الأول شهر آذار (مارس) الفائت بقذيفتين مصدرهما محيط تل رفعت، لم يسفرا عن وقوع أي ضحية في ولاية كلس، وتعرضت دورية من القوات الخاصة التركية إلى هجوم بصاروخ مضاد للدروع م/د، الأحد، في محيط بلدة مارع في ريف حلب الشمالي، أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخر بجروح بليغة، وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الثلاثاء، مقتل عنصرين من شرطة المهام الخاصة التركية بصاروخ موجه أطلق من مدينة تل رفعت واتهمت «وحدات حماية الشعب» الكردية بالهجوم.
في السياق، قُتل جندي تركي، الخميس الماضي، وجُرح آخرون في قصف مدفعي استهدف قاعدة عسكرية للجيش التركي في ريف حلب الشمالي أيضا.
وحمل وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو حزب «العمال الكردستاني» ووحدات «الحماية» مسؤولية الهجوم الذي استهدف المدرعة التركية، في حين نفت «قسد» مسؤولية الهجوم ووصفته انه «لعبة استخباراتية تركية نفذها المرتزقة» في إشارة إلى «الجيش الوطني السوري» المعارض والموالي لأنقرة، حسب ما نُقل عن مدير المكتب الإعلامي في «قسد» فرهاد شامي.
ووسعت القوات التركية محاور قصفها على الوحدات الكردية في منطقة عملية «درع الفرات» بريف حلب الشمالي، وانتقل القصف إلى منطقة عملية «نبع السلام» في المنطقة الواقعة شمال شمال محافظة الرقة وغرب محافظة الحسكة. ورصدت «القدس العربي» قصف المدفعية التركية لمحيط منطقة زور مغار غرب عين العرب/كوباني وركزت المدفعية التركية قصفها على المنطقة التي يشتبه ان «الوحدات» الكردية أطلقت منها الصاروخ المضاد للدروع على عربتها.
وتعرضت محاور الجبهات التي تسيطر عليها «قسد» في المشيرفة وجهبل وصوامع عين عيسى وطريق حلب – الحسكة الدولي/M4 إلى قصف عنيف من المدفعية التركية، كما حلق طيران الاستطلاع التركي والطيران الموجه بيرقدار فوق مدينة منبج وعين العرب والطريق الدولي وصولا إلى قريتي تل جمعة وتل كيفجي قرب مدينة تل تمر في ريف الحسكة الغربي، وهي المناطق التي تسيطر عليها «قسد». وقصفت المدفعية التركية ومدفعية «الجيش الوطني» المناطق التي تسيطر عليها «قسد» جنوب شرق عفرين ومنطقة الشهباء وشمال تل رفعت بريف حلب الشمالي.
وخلال توتر الأوضاع، يومي الأحد والاثنين الماضيين، قصفت طائرات روسية محيط مدينة مارع التي يسيطر عليها «الجيش الوطني» السوري المعارض، وأتى القصف بمثابة تحذير لأنقرة و»الوحدات» من أجل تهدئة الوضع وعدم جر المنطقة إلى تصعيد خطير.
وبعد يومي التوتر، عاد الهدوء الحذر للجبهات بين مناطق النفوذ التركي والمناطق التي تسيطر عليها «قسد» وقوات النظام السوري.
سياسا، ارتفعت حدت التصريحات التركية بشكل مطرد، ابتدأها الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، وأعرب في مؤتمر صحافي بعد اجتماع حكومي في المجمع الرئاسي في العاصمة أنقرة عن «نفاد صبر بلاده حيال الهجمات التي تستهدف القوات التركية في منطقة درع الفرات شمالي سوريا» ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن اردوغان أن «الهجوم الأخير على قواتنا، والتحرشات التي تستهدف أراضينا بلغت حداً لا يحتمل» مهددا «سنقضي على التهديدات من مصدرها هناك (شمالي سوريا) إما عبر القوى الفاعلة هناك أو بإمكاناتنا الخاصة».
وأشار وزير الخارجية التركية، مولود جاووش أوغلو إلى إن «مدى الصواريخ التي تستهدف الجنود الأتراك يبلغ حوالي 30 كيلومتراً» وانتقد دور أمريكا وروسيا في شمال سوريا، معتبرا انهما «لم تلتزمان بتعهداتهما بضمان انسحاب الوحدات الكردية من منطقة الحدود السورية» وحمل روسيا وأمريكا المسؤولية عن «الهجمات الأخيرة على المدنيين في هذه المنطقة». ووصف الإدانات الأمريكية للهجمات على تركيا أنها «غير صادقة» لأن واشنطن ما زالت تسلّح المقاتلين الأكراد، وختم الوزير التركي «بما أن روسيا وأمريكا لم تلتزما بتعهداتهما فيجب علينا الاعتماد على أنفسنا والقيام بما يجب فعله».
وأدانت الخارجية الأمريكية القصف الذي تعرضت له منطقة قرقميش معتبرة أن تركيا «حليفة الناتو» مقدمة تعازيها لأسر الشرطيين التركيين الذي قتلا الأحد الماضي في الشمال السوري.
وفي تأكيدات أخرى، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين تركيين، استعداد أنقرة «لاحتمالية شن عمل عسكري جديد ضد جماعة» المقاتلين الأكراد إذا فشلت المحادثات المتعلقة بالأمر مع أمريكا وروسيا، المقررة على هامش قمة مجموعة العشرين، نهاية تشرين الأول (اكتوبر) المقررة في إيطاليا.
ولفت المسؤولان إلى أن الرئيس اردوغان سيجتمع مع الرئيسين، الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين. وأشار مسؤول تركي إلى أنه «من الضروري تطهير المناطق وخصوصاً منطقة تل رفعت التي تنطلق منها هجمات ضدنا باستمرار». وانتهى أحد المسؤولين «جرى أخذ القرار، والتنسيق اللازم سيتم مع دول محددة».
أهداف تركيا
رغم تركز التصريحات التركية على أن أهم أهدافها هي بلدة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، إلا أن لدى أنقرة بنك أهداف صار واضحا للغاية في مسار تحركها وعملياتها العسكرية في سوريا، والتي تعتبر انها تشكل تهديدا لأمنها القومي، هي تل تمر وعين عيسى ومنبج وعين العرب إضافة لتل رفعت.
تشكل تل رفعت حساسية بالغة لدى تركيا ولدى مقاتلي الجيش الوطني وخصوصا «الجبهة الشامية» حيث ينضوي أغلبهم في الجبهة الشامية، وتعرضوا لخذلان كبير بعد توقف عمليات عفرين، ولم يسمح لهم باكمال المعركة كما وعدوا من قبل قيادة الجبهة الشامية وأنقرة، حيث تحولت إلى مركز رئيسي للمدنيين الأكراد الذين هجروا من عفرين.
وتعتبر عين العرب/ كوباني صلة الوصل بين مناطق النفوذ التركي بين شرق الفرات وغربه وهي المدينة المهدمة بسبب الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وتلاصق الحدود التركية تماما، وهي ما تعتبره أنقرة التهديد الأقرب لها.
كذلك، تشكل عين عيسى إحدى الخواصر الرخوة للانتشار التركي كونها أهم المدن على طريق M4 في الرقة. وشهدت المدينة تصعيدا خطيرا العام الماضي، بين القوات التركية والجيش الوطني السوري المعارض من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» من جهة أخرى، في حين تعتبر تل تمر امتدادا طبيعيا لمنطقة عملية «نبع السلام» التركية.
إلى ذلك، كانت مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، أهم المدن التي رغبت تركيا بالسيطرة عليها، وساهمت سيطرة «الوحدات» الكردية عليها بدفع تركيا إلى البدء بعملية «درع الفرات» ضد تنيظم «الدولة» مع خطر توسع المقاتلين الأكراد إلى ريف حلب الشمالي.
في نقاش الاحتماليات، تعتبر تل رفعت هي الأبعد عن واقعية عملية عسكرية ـ بسبب الانتشار الروسي في مطار منغ العسكري المجاور لمدينة اعزاز، وهو ما سيقطع الطريق أمام الشرطة العسكرية الروسية هناك، للوصول إلى حلب.
أما احتمال الهجوم على منبج أو عين عيسى فقد أصبح مستبعدا للغاية بعد الاختبارات التركية السابقة وتفاهمات سوتشي عام 2019 والتي أعقبت العملية التركية في تل ابيض وراس العين، إثر الانسحاب الأمريكي.
وتدرك أنقرة ان أي عملية عسكرية جديدة في سوريا تحتاج إلى الموافقة الروسية، وان ما يعيقها تحديدا هو قرار الأخيرة، أكثر منه اعتراض أمريكي، خصوصا في عين العرب/كوباني فقد تراجع النفوذ الأمريكي في منطقة شرق الفرات إلى منطقة الحسكة ودير الزور، وتخلت واشنطن في وقت سابقا عن قاعدة صرين، أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، وغير البعيدة عن عين العرب وهو ما يرجح انها المنطقة الأضعف في شرق الفرات لـ «قسد».
اما الرضا الروسي عن عملية تركية، فهو محتوم بإزعاج قوات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، المتراجع إلى شرق القامشلي. ما يعني انه في حال انتزاع الموافقة من روسيا ان تتركز المناطق ذات الأهمية لـ «وحدات الحماية» الكردية، وهي مدن عامودا والدرباسية غرب القامشلي، أو باتجاه المالكية ومثلث الحدود الثلاثي بين تركيا وسوريا والعراق، وهو ما سيقطع الطريق بين الذراع المتمثل بـ»الوحدات» الكردية في سوريا، والأم في جبال قنديل، حيث يتمركز حزب «العمالي الكردستاني».
بالطبع، فإن التصعيد من قبل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» يرد إلى رغبتها في اختبار الإدارة الأمريكية الجديدة والتصريحات الأخيرة بمساندتها، مستغلة الحاجة الأمريكية لها، سابقا وحاليا، وسط تصاعد أنشطة تنظيم «الدولة الإسلامية» شرق الفرات، وهو ما يجعل الرئيس المشترك لـ»مجلس سورية الديمقراطية» رياض درار يستبعد وقوع عملية عسكرية تركية جديدة ضد قواته في الأراضي السورية مؤكدا «عدم وجود اتفاقيات أو ضوء أخضر» بهذا الخصوص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية