تريزا ماي في برزخ بريكست: ترامب على الخط باقتراحه اتفاقية للتجارة الحرة مفتوحة وبدون سقف

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: شهدت المملكة المتحدة البريطانية أسبوعاً عاصفا أدخل البلاد في نفق مظلم ووضع تريزا ماي، رئيسة الوزراء، وحكومتها في برزخ بريكست. وتعثرت جميع محاولات ماي لإقناع مجلس العموم البريطاني وحتى العديد من أعضاء حزبها باتفاقها مع بروكسل للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وتعالت الأصوات المطالبة بإسقاط حكومتها وإجراء استفتاء مبكر للخروج من مأزق بريكست. وفضلاً عن ذلك، يعلم الاتحاد الأوروبي جيداً بأنه إذا طلّق بريطانيا بدون كلفة باهظة للأخيرة، سيؤدي ذلك إلى زيادة رغبة باقي أعضاء الاتحاد غير الراضين بالانسحاب من التكتل الأوروبي، ولهذا السبب كثفت بروكسل جهودها لزيادة كلفة بريكست من خلال التأثير على بيت بريطانيا الداخلي، فضلاً عن تصلب الموقف الأوروبي بشأن القضايا الخلافية خاصة فيما يتعلق بالحدود بين شطري جزيرة إيرلندا وتفاصيل التوافق الجمركي.

ودخل على خط الأزمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منتقداً تريزا ماي لأنها لم تستمع لنصيحته حول كيفية التفاوض مع الأوروبيين، معلقاً سبب عدم إحراز أي تقدم بهذا الشأن على تعنت الاتحاد الأوروبي، مقترحاً عقد اتفاقية للتجارة الحرة مفتوحة وبدون سقف محدد بين لندن وواشنطن. واستبعد خلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكار، إجراء استفتاء عام ثان بشأن بريكست، قائلاً “لا أعتقد في إمكانية إجراء استفتاء ثان من جانب الناخبين في بريطانيا بهذا الشأن، لإن تلك الخطوة ستكون غير عادلة بالنسبة لمن أيدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي”. وأضاف “لقد نصحت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي بشأن كيفية التفاوض لخروج بلادها من الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تصغ لنصيحتي” وأكد أن الاتحاد الأوروبي منذ سنوات طويلة أصبح أحادي الجانب وأنه يريد الآخرين لخدمته فقط.

وعن أزمة الحدود الإيرلندية، قال ترامب “مسألة الحدود بين بريطانيا وجمهورية إيرلندا من أكثر القضايا المعقدة في موضوع بريكست والتي أدت إلى حدوث انقسام في مواقف دول كثيرة” معرباً عن أمله أن تخرج مفاوضات بريكست بنتائج طيبة، مشيراً إلى أن واشنطن على استعداد لإبرام اتفاق تجاري كبير للغاية مع المملكة المتحدة في أعقاب خروجها من الاتحاد الأوروبي، مضيفاً أن هذه الاتفاقية ستكون مفتوحة وبدون سقف محدد. وفي تصريح آخر له يعزز الموقف البريطاني لمواجهة أوروبا، حذر ترامب بروكسل من عواقب انهيار المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أنه في حالة رفض بروكسل التفاوض مع واشنطن، فإن أمريكا سوف تقدم على اتخاذ إجراء سيكون قاسياً من الناحية الاقتصادية.

بينما عبر رئيس الوزراء الإيرلندي عن أسفه لخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، قائلاً “المملكة المتحدة تمثل جزءا مهما للغاية من الاتحاد الأوروبي” موضحاً أن أكثر ما يهم جمهورية إيرلندا هو ألا يؤدي انسحاب بريطانيا من الاتحاد إلى حدوث مشاكل بالنسبة لإيرلندا الشمالية التي صوتت لصالح البقاء، قائلاً “يتعين عدم وجود حدود صعبة مع إيرلندا الشمالية أو أي شيء يمكن أن يعكر صفو عملية السلام”.

ومن زاوية أخرى، تظهر معارضة مجلس العموم البريطاني بفارق ضئيل للانسحاب غير المنتظم وبدون توافق، بأن عدد النواب الذين يؤيدون ما يوصف بـ”بريكست الحاد” غير قليل، وأن مؤيدي هذه الفكرة يحتاجون إلى تأييد 3 أصوات إضافية فقط لتمرير مشروعهم في الانسحاب دون توافق من الاتحاد الأوروبي. وصوت 312 من أعضاء البرلمان ما يعرف باسم بـ”التعديل A” الذي يلزم الحكومة باستبعاد انسحاب البلاد من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، لكن 308 من نواب البرلمان صوتوا ضد هذا التعديل. وفي أعقاب التصويت أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية أن الخيارات لا تزال كما هي، وشددت على أن بريطانيا ستخرج من الاتحاد دون اتفاق في حال لم يتم الاتفاق على أي شيء آخر، مشيرةً إلى أن من مسؤولية البرلمان إيجاد حل للوضع، ولفتت النظر إلى أن موقف الاتحاد كان واضحاً في أن الصفقة الموجودة على الطاولة حالياً هي الوحيدة الممكنة.

ورغم أن ماي أشارت إلى أن إجراء استفتاء ثان حول بريكست هو أحد الخيارات لإنهاء المأزق الحالي، فضلاً عن أنها تهدف إخراج حكومتها من البرزخ! لكن مجلس العموم صوت بأغلبية كبيرة ضد إجراء أي استفتاء آخر، وفي واقع الأمر دفع البرلمان البريطاني حكومة ماي للحافة من خلال اتخاذه القرارات الأخيرة وسحب ملف بريكست من يد الحكومة بشكل تدريجي، ومنح نفسه صلاحيات واسعة بهذا الشأن. ورفض النواب البريطانيون بغالبية كبيرة تعديلاً ينص على إرجاء بريكست تمهيداً لإجراء استفتاء ثان حول خروج لندن من الاتحاد الأوروبي. ورفض 334 نائباً هذا التعديل في حين أيده 85 نائباً فقط.

وأرجأ مجلس العموم البريطاني موعد الانسحاب لفترة 3 أشهر، وسيضع ذلك أوروبا تحت الضغط بسبب الاقتراب من موعد انتخابات البرلمان الأوروبي من 4 إلى 7 حزيران/يونيو المقبل وسيعطي لندن الأريحية خلال أي مفاوضات مقبلة بشأن بريكست. وأيد البرلمان البريطاني طلب الحكومة إرجاء موعد بريكست وكذلك إجراء تصويت جديد على اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء مع بروكسل. وصوت 412 نائبا لإرجاء موعد بريكست في حين رفضه 202. وبذلك تأجل موعد الخروج من 29 آذار/ مارس الجاري حتى 30 حزيران/يونيو المقبل.

فيما أعربت كبرى الصحف الأوروبية عن قلقها البالغ إزاء الفوضى التي سيخلفها الانسحاب من دون التوافق لبريطانيا من التكتل الأوروبي، ومنها صحيفة “زوددويتشه تسايتونغ” الصادرة في ميونيخ التي أكدت أن الموافقة على اتفاقية الانسحاب وحصول بريكست بدون عراقيل لم يعد هدفا أوليا للعديد من السياسيين البريطانيين لأنهم يناورون ويتبعون أهدافاً أخرى، فالبعض يريد في الأمتار الأخيرة انسحابا بدون اتفاقية وآخرون يريدون وقف بريكست. وانتقدت صحيفة “أيريش تايمز” الإيرلندية دعم الحزب الديمقراطي الوحدوي (إيرلندا الشمالية) للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، قائلة بانه لا يمكن تفسير سبب دعم الحزب لبريكست، وأضافت أن الحزب لم يكن حتى الآن قادرا على تقديم حل ذي مصداقية لقضية الحدود الإيرلندية، وأن الشطر الشمالي لإيرلندا سيعاني بشكل هائل في حالة الخروج بدون اتفاق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية