خطوات عربية متسارعة تحاول إعادة النظام السوري إلى المنظومة الرسمية

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: تتكشف ملامح وإرهاصات لمقاربة عربية جديدة تشي بتوجه إلى التطبيع مع النظام السوري وإعادة تأهيله، حيث تبدي أطراف عربية، خطوات متسارعة، لإعادة النظام السوري إلى المنظومة الرسمية العربية.
وينشغل مراقبون بالإجابة عن إمكانية تحول الشق الإنساني بعد هذه الكارثة، وتطور الأمر إلى مبادرة دبلوماسية؟ وما هو مدى تحول هذه الكارثة الإنسانية لتصبح مدخلاً لعودة سوريا إلى الجامعة العربية في القمة المقبلة التي ستعقد في السعودية؟ وسط الحديث عن مبادرة للحل وترقب العاصمة السورية لاحتمال زيارة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان.
وزير الخارجية المصري سامح شكري، زار الإثنين، العاصمة السورية دمشق، بعد أكثر من 11 عاماً من القطيعة، وذلك على خلفية الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وامتدت آثاره المنطقة الشمالية الغربية من سوريا، حيث وجدت مساعي الانفتاح على النظام السوري طريقها من ثغرة التداعيات الإنسانية.
وقالت وكالة أنباء النظام الرسمية «سانا» إن شكري أبلغ الأسد «حرص القاهرة على تعزيز العلاقات وتطوير التعاون المشترك بين البلدين» معتبراً أنّ «العلاقة السورية – المصرية هي ركن أساسي في حماية الأقطار العربية، مؤكداً أن مصر ستكون دائماً مع كلّ ما يمكن أن يساعد سوريا».
وكان الرئيس المصري قد اتصل ببشار الأسد للمرة الأولى منذ تولي الرئاسة، بعد الزلزال المدمر، كما التقى هذا الأخير بسلطان عُمان، وزاره وزير الخارجية الأردني، بينما شهد يوم الأحد وصول وفود برلمانية من عدة دول عربية إلى دمشق ضمّت رئيس الاتحاد، رئيس مجلس النواب العراقي، ورؤساء مجلس النواب في الإمارات العربية المتحدة والأردن وفلسطين وليبيا ومصر إضافة إلى رئيسي وفدي سلطنة عُمان ولبنان والأمين العام للاتحاد البرلماني العربي.
ويطرح مراقبون جملة من الأسئلة وعلى رأسها، هل سوريا اليوم أمام مقاربة عربية جديدة حيال الملف السوري؟ وماذا يحمل وزير الخارجية المصري في جعبته؟
وما هي الغايات المرجوّة من الخطوات العربية المتسارعة نحو إعادة العلاقات مع النظام السوري؟ وهل ستلقى محاولات العودة إلى «الحضن العربي» نجاحاً هذه المرة وخاصة أن موضوع الانفتاح العربي على النظام السوري كان مطروحاً في قمة الجزائر وفي مناسبات أخرى وقد أجل، بسبب اعتراض بعض الدول العربية، ووجود تخوف لدى الدول المؤيدة للانفتاح على نظام بشار الأسد من الضغط الأمريكي والموقف الذي يهدد بالعقوبات التي قد تشمل كل من يخالفها؟
وهل يمكن للنظام السوري الاستدارة إلى محيطه العربي والتخلي عن إيران؟ وهل المطالب بإعادة نظام الأسد للجامعة العربية ومؤسساتها، مجانية غير مشروطة؟ وأخيراً ما هو الموقف الأمريكي؟
وحول فحوى الزيارة المصرية الرسمية، يقول الباحث المصري محمد عبادي لـ»القدس العربي» إن زيارة وزير الخارجية المصري إلى سوريا، ولقاءه الرئيس السوري بشار الأسد، وإن جاءت تحت عنوان عريض وهو التضامن الأخوي بين الأشقاء، على وقع الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، إلا أن هدفها هو فتح الطريق العربي أمام عودة العلاقات مع دمشق.
وقال الباحث في العلاقات الدوليّة: تكشف هذه الزيارة عن طبيعة الموقف المصري، من النظام السوري، فقد اتخذت القاهرة موقفًا يمكن وصفه بالمحايد في وقت كان القرار لدى حلفائها من دول الخليج حادًا بدعم المعارضة السوريّة والمطالبة بإقصاء الأسد عن سدة الرئاسة، وما إن حانت الفرصة للتعبير عن هذا الموقف حتى سارعت القاهرة إلى زيارة سوريا، لفتح الطريق العربي أمام عودة العلاقات مع دمشق، وقد جاءت الزيارة بعد يوم من وصول وفد نيابي عربي لدمشق، من بينهم رئيس البرلمان المصري.
كما أن زيارة شكري إلى أنقرة بعد دمشق، تكشف وفق المتحدث عن «موقف مصري متجاوز للأزمات السياسية والأوضاع الشائكة، إلى ممارسة دور دبلوماسي، تؤكد فيه القاهرة على عودتها كفاعل ثقيل في المنطقة».
وأضاف: تحاول دمشق الاستفادة من الأزمة الحالية، وفتح الأبواب لعودة العلاقات العربية، فالمحاولة الأخيرة في القمة العربية الأخيرة في الجزائر مُنيت بانتكاسة بسبب خلافات حول عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية، انتصر فيها الطرف المطالب بالتمهل، إلى حين حصول تسوية سياسية في البلاد، خشية التعرض للإحراج الأمريكي الذي يفرض عقوبات على النظام السوري، بالإضافة إلى فيتو، يقطع الطريق على التطبيع العربي مع نظام الأسد حليف طهران.
وحول الغاية المرجوّة من إعادة العلاقات مع النظام السوري، يقول المتحدث: إنها محاولة خجولة لتحييد النفوذ الإيراني في سوريا، الآخذ في التجذر في البلاد، على نحو يشبه ما جرى في العراق عقب الاحتلال الأمريكي.
أما بالنسبة للأسد: فهو حتى الآن نظام معزول، يعاني تدخلات خارجية تمسّ في أحد أوجهها سيادة البلاد، وهنا نقصد الدور الروسي والإيراني كداعمين، والدور الإسرائيلي كخصم يستهدف الوجود العسكري الإيراني في المحافظات السورية، بالإضافة إلى ما تعيشه سوريا من وضع اقتصادي صعب، يدفع الشعب مجددا إلى النقمة على نظام بشار وحلفائه، فعودة العلاقات العربية قد تساعده في رفع العقوبات الأمريكية والغربية، مع إمكانية الاستفادة من المساعدات، وأموال إعادة الإعمار.
وأضاف: حتى الآن تبقى محاولة، تتوقف على مدى الجديّة العربية في إقامة علاقات حقيقية مع الأسد، كما لا يمكن إغفال رد الفعل الأمريكي، على المحاولات العربية، وهو ما قد يكون محدداً مهماً في المسارعة إلى تمتين العلاقات مع الأسد، أو العودة إلى مربع الانتظار. كما أنه لا حل سياسياً في سوريا، فلقد انتصر النظام، والقرار ليس سوريًا خالصًا، إنما لديه شريكان هما روسيا وإيران، ولن يقبل أي طرف منهما بإشراك المعارضة في الحكم، خاصة أن هذه الأطراف تنظر للمعارضة السورية السلمية أو الفصائل المسلحة منها، إما كإرهابيين أو عملاء للغرب.
وحول عملية التطبيع «المجانية»؟ يرى الباحث المصري أنه: ليس هناك شروط عربية، المعادلة في سوريا، إما القبول بالنظام على وضعه الحالي، أو الاستمرار على المواقف السابقة.

الحضن الإيراني

وتروّج بعض الدول، بأن هدفها من إعادة العلاقات مع النظام السوري هو تعزيز الحضور العربي في سوريا في مواجهة نفوذ إيران، فيما يبدو عسيرًا على الفهم إمكانية تحقق ذلك وفق محللين وخبراء تحدثوا لـ «القدس العربي».
الباحث لدى مركز «الحوار السوري» محمد نذير سالم تحدث معلومات لديه، حول مقاربة عربية للحل في سوريا.
وقال سالم لـ «القدس العربي»: هناك ملامح لمقاربة عربية جديدة، ويبدو أنها مقاربة سعودية – مصرية – أردنية. مشيرًا إلى أنه «لا يمكن أن يتخلى النظام السوري عن إيران، ولا تفترض المقاربة ذلك وهي لا تسعى لإخراج النظام من الحضن الإيراني تماما، بل تسعى إلى إعادة نوع من الاستقلالية لدور سوريا».
وبحسب ما رشح من معلومات فإن: ثمة شروطاً تريدها بعض الدول العربية، والمملكة السعودية مقابل التطبيع مع النظام في دمشق، منها المضي قدماً في الحل السياسي وفق القرار 2254 بما في ذلك تشكيل حكم انتقالي وإطلاق سراح المعتقلين، وما شابه وبالتالي ابتعاد النظام عن إيران بدرجة ما. ويجب ألا ننسى أنه في قمة الجزائر الماضية كانت السعودية والأردن من بين الدول المعارضة لعودة النظام إلى الجامعة، ولكن في الآونة الأخيرة تحدث وزير الخارجية الأردني عن المقاربة الجديدة.
وعبّر المتحدث عن اعتقاده أن هذه المقاربة «ممكن أن تنجح، ولكن نحن كشعب سوري ومعارضة نحذر من أن يكون هذا التطبيع مجانياً مع النظام السوري وهذا ما نراه حتى الآن فنظام الأسد لا يقوم بأي خطوات حقيقية».

الموقف الأمريكي

أما عن الموقف الأمريكي وفقا لرؤيته فهو: موقف غير معارض رسمياً، إنما هو موقف حذر، يسمح بحدود معينة للدول بالمناورة في هذا الاتجاه. كما أنه لا يوجد غاية واحدة في التطبيع مع النظام، فكل دولة لها أهدافها وغاياتها، فالأردن يريد تخفيف تهريب المخدرات، وعودة ما يسمى الدولة السورية، أما السعودية فتريد الحل السياسي.
وحول النتائج المتوقعة، قال الباحث محمد نذير سالم: ربما يفضي هذا الحراك إلى صفقة ما، وربما لا وقد شهدنا سابقاً مثل هذه التحركات التي لم تفض إلى نتيجة بسبب تعنت نظام الأسد.
ومن المعلوم للجميع، أنه لا توجد معارضة فعلية عربية للتطبيع مع النظام السوري، سوى لدى دولة قطر، كما أن كل أسباب عزل النظام السوري عن محيطه العربي لا تزال قائمة، كما أن شروط عودته إلى جامعة الدول العربية غير محققة.
وكانت الجامعة قد اتخذت، في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، قرارًا بتعليق عضوية النظام السوري فيها، وطالبت بسحب السفراء العرب من دمشق مع إبقاء الطلب «قرارًا سياديًا لكل دولة». وصدر هذا القرار بموافقة 18 دولة، واعتراض 3 دول هي سوريا ولبنان واليمن، وامتناع العراق عن التصويت.

لا جديد

الخبير في العلاقات السياسية الدولية والأستاذ في جامعة باريس، خطار أبو دياب، يقول في هذا الصدد: هناك دول لم تقطع يوماً علاقاتها مع سوريا من الجزائر إلى مصر ودول أيضاً لها صلات طيبة مع النظام السوري مثل دولة الإمارات والأردن أخيرا.
فسلطنة عمان حافظت على أفضل العلاقات مع النظام، فلا جديد اليوم تحت ضوء الشمس وفق المتحدث الذي أضاف «وحتى الحراك المصري أو الأردني استفاد منه بشار الأسد كما يستفيد من كل الظروف، فقد استفاد اليوم من الزلزال كي يحاول تسجيل نقاط دبلوماسية».
وأضاف: منذ زيارة الملك الأردني إلى واشنطن العام الماضي، كانت هناك مبادرة أردنية طرحت على واشنطن وطرحت على الدول العربية، وأتى وزير الخارجية الأردني وكررها وتتكلم عن خطوة مقابل خطوة، وطرح نظرياً ابتعاد النظام السوري عن إيران أو على الأقل إعطاء الفرصة لتواجد عربي.
لكن رد النظام السوري وجوابه على وزير الخارجية الأردني وفق رأي المتحدث كان من خلال «إرسال النظام مسيرة معدة للانفجار لكن الجيش الأردني كشفها وفككها، هكذا يكافئ النظام، ليس فقط بالمخدرات بل أيضاً بالسلاح».
وحول الموقف السعودي يقول: المملكة العربية السعودية أرسلت طائراتها إلى حلب، لأنه لم يكن بالإمكان إرسال هذه الطائرات إلى المطارات التركية ولن ترسلها إلى دمشق، وتصريح وزير الخارجية السعودي أتى بعد كلام سربته وكالة سبوتنيك له عن زيارة قريبة إلى دمشق.
وكما قال وزير الخارجية المصري سامح شكري، الشق الإنساني هو أولوية، ولكن هل يتطور الأمر ويتحول الشق الإنساني إلى مبادرة دبلوماسية؟
يقول الخبير اللبناني: تحدث وزير الخارجية السعودي عن ضرورة التكلم مع دمشق، وهذا شيء محسوم، لكنه عبّر عن اعتقاده بأنه: ليست هناك قناعة وإمكانية فعلية لاسترجاع سوريا إلى الدائرة العربية، لأن سوريا بلد ممزق ومقسم إلى مناطق نفوذ، والنظام السوري موجود بفعل الحماية الروسية والنفوذ الإيراني وهناك نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وهيئة تحرير الشام والفصائل، لذلك فإن عاد بشار الأسد إلى الجامعة العربية أو لم يعد، وإن كان هناك تطبيع مع النظام أم لا، فإن المسألة رمزية لأن التأثير محدود.
ودلل أبو دياب على ذلك بالقول: بعد 6 أشهر فقط، سوف تعود العقوبات الأمريكية كاملة، والآن الإعفاء الأمريكي والأوروبي تناول فقط المساعدات الإنسانية لا غير، وأعتقد إذا تواصل العمل في الولايات المتحدة على قانون الكبتاغون حتى لو فك العرب عزلة النظام، فلن تفك العزلة الدولية، ويمكننا القول بأن دولاً بحجم الصين وروسيا تخشى العقوبات الأمريكية فكيف الحال بدولة مثل سوريا؟

حراك رباعي

وبالنتيجة، فإن الموضوع وفق رأي المتحدث يتخطى العرب، لأن النظام الإقليمي العربي بالأساس هو نظام غير موجود وليس له فعالية.
لكن الأهم من ذلك الحراك، بحسب خطار أبو دياب وما يهم النظام السوري هو «حراك آخر فهو بانتظار لقاء رباعي، تركي – إيراني – سوري – روسي، في موسكو».
ولإنجاح هذا الحراك أو غيره، يجب معرفة ما إذا كان النظام السوري قابل للحل السياسي وهل هو قادر على الابتعاد عن إيران ولو بشكل بسيط؟ الجواب برأي المتحدث «لا، لأن هذا النظام هو نظام كل شيء أو لا شيء، فهو حتى مع قسد لم يتمكن من إجراء حوار رغم كل الضغوطات الروسية عليه» ولذلك خلص الخبير في العلاقات الدولية أن كل ما يجري هو نوع من استمرار الدوران في الحلقة المفرغة ومضيعة للوقت.

نشاطات سياسية ودعائية

وبعد الزلزال المدمر أظهرت عدد من الدول العربية مواقف تشير إلى رغبتها في التطبيع مع النظام، واستغلت هذه الدول الكارثة الإنسانية لتستعجل خطواتها في هذا الاتجاه، وهو ما وصفه الخبير السياسي السوري من موسكو، محمود الحمزة بأنه «معيب يريدون أن ينقلوا دمشق إلى الحضن العربي وعملياً بغداد في الحضن الإيراني».
ولم يستغرب الباحث والأكاديمي السوري هذه الخطوات، ولكنه أبدى إحباطه من التعامل مع تضحيات الشعب السوري والجرائم التي ارتكبها النظام بحقه.
وحول موقف المعارضة قال المتحدث: هذا الموقف الأخير من قبل بعض البرلمانات العربية تحصيل حاصل، ولكن نحن كمعارضة للنظام نتعبر هذه المواقف مخزية وعاراً على الأنظمة والبرلمانات العربية التي من المفترض أن تكون ممثلة للشعوب العربية ولكنني أعتقد أن الشعوب العربية ضد هذا التطبيع القائم على أنقاض وجماجم وضحايا النظام السوري.
وعبر الحمزة عن اعتقاده أن التطبيع مع النظام السوري «سيتم والقطار يسير بهذا الاتجاه ولكن العودة إلى الجامعة العربية غير ممكنة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية