التسريب قد يودي بمستقبل ظريف السياسي، تزامنا مع بعض التسريبات التي تحدثت عن نية التيار الإصلاحي ترشيحه خلفا لروحاني في الانتخابات المقبلة.
طالما أشار الباحثون في الشأن الإيراني إلى مراكز القوى وتجاذباتها في هرم السلطة الإيرانية، والصراع بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ بات واضحا ولا يحتاج إلى المزيد من الضوء لكشفه، لكن تبقى سلطات المرشد الأعلى بلا حدود ضمن نظام دكتاتوري ثيوقراطي، وهو الذي يمسك خيوط اللعبة السياسية ويوازن القوى ويقرب طرفا ويبعد آخر حسب رؤيته لمصلحة استقرار النظام الحاكم في طهران منذ أكثر من أربعة عقود.
أزمة التسريب الصوتي
أثار تسريب صوتي للقاء مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تمت إذاعته يوم 26 نيسان/ابريل الماضي جدلا واسعا، وأحدث أزمة سياسية على أعلى مستويات أروقة السياسية الإيرانية نتيجة ما جاء فيه من تصريحات ومعلومات وانتقادات لشخصيات إيرانية تحول بعضها إلى رموز مقدسة لا يمكن المساس بها مثل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني الذي اغتيل في ضربة جوية أمريكية في العراق في كانون الثاني/يناير 2020.
أصل الأزمة، بحسب المتابعات الصحافية، هو تسريب أذاعته محطة «إيران إنترناشيونال» المعارضة ومقرها العاصمة البريطانية لندن. التسريب لحديث تم في اذار/مارس 2020 ولم يكن لمقابلة صحافية مع وزير الخارجية الإيراني بل كان جزءا من حوار طوله ست ساعات أجري لصالح مركز الأبحاث والدراسات التابع للرئاسة الإيرانية الذي يرأسه سعيد ليلاز، وهو من الشخصيات الإصلاحية المعروفة في إيران وقد عمل مستشارا للرئيس محمد خاتمي. وأن مركز الدراسات الذي تشرف عليه الحكومة الإيرانية كان قد نفذ مجموعة لقاءات مع سياسيين إيرانيين ضمن متطلبات عمل بحثي خطط له أن ينشر بعد انتهاء أعمال حكومة الرئيس حسن روحاني الحالية، لكن تسريبا، أو خرقا حصل وأوصل حوار ظريف وما فيه من انتقادات لاذعة إلى محطة «إيران إنترناشيونال» المعارضة التي بثته على تطبيق كلوب هاوس ثم تسرب لوسائل الإعلام.
تلقفت الصحافة الغربية التسريب باهتمام كبير، وسلطت الضوء على محمد جواد ظريف الذي وصفته بـ «الوزير ذو الابتسامة المميزة» الذي لعب دورا هاما في إنجاح الاتفاق النووي عام 2015 والذي يبذل اليوم جهدا استثنائيا في مفاوضات فيينا للعودة للاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة ترامب. وقد تناولت الصحف الغربية البارزة مثل «نيويورك تايمز» الأمريكية و»الغارديان» البريطانية الموضوع عبر الكثير من إشارات التعاطف مع ظريف والمأزق الذي يعانيه نتيجة مواجهته تعنت صقور المحافظين داخل مؤسسة الحكم الإيرانية، وتوقعت التقارير الصحافية أن ضربة التسريب الأخير قد تودي بمستقبل ظريف السياسي، ويأتي ذلك متزامنا مع بعض التسريبات التي تحدثت عن نية التيار الإصلاحي ترشيح ظريف خلفا للرئيس روحاني في انتخابات الرئاسة الإيرانية في 18 حزيران/يونيو المقبل.
الخارجية الإيرانية من جانبها أعلنت رسميا أن التسجيل الصوتي «حقيقي» وإن المتكلم هو الوزير محمد جواد ظريف، إلا إن الحديث الوارد في التسريب مقتطع وتمت عليه عمليات مونتاج أخرجته من سياقه، وإنه حديث داخل أروقة الحكومة. وقال المتحدث باسم الخارجية سعيد خطيب زاده في مؤتمر صحافي «ما تم نشره لم يكن مقابلة مع وسائل الإعلام، بل حوار ضمن اللقاءات الروتينية في إطار الحكومة». وأكد أن نقاشات كهذه دائما ما تكون «جدية، شفافة، ومباشرة».
أما رئاسة الحكومة الإيرانية فقد أعلنت عن استيائها وانزاعاجها من الموضوع، إذ أمر رئيس الجمهورية حسن روحاني بفتح تحقيق في الموضوع للوصول إلى كشف كيفية حدوث الخرق المعلوماتي. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فأن الرئيس روحاني أمر بالتحقيق في تسريب التسجيل، وقال يوم الأربعاء 28 نيسان/ابريل إن التسريب استهدف عرقلة المحادثات الجارية بين طهران ومجموعة دول (5+1) في فيينا بهدف إحياء الاتفاق النووي، كما أمر الرئيس يوم 29 نيسان/ابريل باستبدال سعيد ليلاز رئيس مركز الأبحاث التابع لرئاسة الجمهورية والمسؤول عن إجراء المقابلة. كما أعلنت «وكالة أنباء الطلبة» الإيرانية شبه الرسمية خبرا مفاده «طبقا لمصدر قضائي تم منع 15 شخصا شاركوا في إجراء المقابلة مع الوزير ظريف من مغادرة إيران».
جبل الجليد: صراعات مراكز القوى
من المعلومات التي أوردها وزير الخارجية الإيراني، بدا أن هناك صراعا عنيفا بين الجيش والخارجية، وإن النفوذ والسطوة المفرطة التي منحت للحرس الثوري الإيراني جعلت جنرالاته يتدخلون بشكل سافر في كل صغيرة وكبيرة في السياسة الخارجية الإيرانية.
ومما ورد في تسريبات ظريف قوله «كان الحاج قاسم (سليماني) يفرض شروطه عند ذهابي لأي تفاوض مع الآخرين بشأن سوريا، وأنا لم أتمكن من إقناعه بطلباتي. مثلا طلبت منه مرة عدم استخدام الطيران المدني في سوريا ورفض ذلك» وعندما أورد الوزير هذه النقطة شدد على محاوره سعيد ليلاز أن لا ينشر هذا الجزء من المقابلة أبدا. كما أشار ظريف في مكان آخر إلى مدى التوتر بين الجيش والدبلوماسية، وإلى مدى سيطرة ونفوذ الجنرال سليماني على القرار الاستراتيجي الإيراني، إذ قال «لقد كانت ساحة المعركة هي الأولوية بالنسبة للنظام». وأضاف «لقد أنفقنا الكثير من المال، بعد الاتفاق النووي، حتى نتمكن من المضي قدماً في عملياتنا الحربية الميدانية».
كما تضمن التسريب الصوتي الكشف عن بعض الأسرار الخطيرة التي أحاطت بالأزمات الأخيرة التي تعرضت لها إيران مثل الرد على اغتيال سليماني وأزمة الطائرة الأوكرانية التي أسقطها صاروخ أطلقه الحرس الثوري الإيراني، إذ تكلم الوزير عن هذه الأزمات بقوله «هل تعلمون أن أمريكا علمت بالهجوم على قاعدة عين الأسد قبل أن أسمع به أنا؟» وأضاف أنه سمع بالهجوم على هذه القاعدة الأمريكية بعد ساعتين من إبلاغ رئيس الوزراء العراقي آنذاك بالهجوم.
كما قال الوزير الإيراني في التسريب حول أزمة الطائرة الأوكرانية إنه سأل جنرالات الحرس الثوري في اجتماع عقد بعد ثلاثة أيام من الحادثة «قلت في اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي إن العالم يقول إن صواريخ أسقطت الطائرة. إذا كان هذا ما حدث أبلغونا كي نرى كيف نستطيع تسوية الأمر». ومضى موضحا «قالوا لي: لا، اذهب، غرد على تويتر وانكر ذلك». وأضاف أنه قال أثناء الاجتماع المذكور «انظروا، أنا وزير الخارجية، ومن المفترض أن أبرر ذلك، لكن لم يلتفت لي أحد».
وربما كان الاتهام الأخطر الذي وجهه ظريف لقائد فيلق القدس قاسم سليماني هو مسعى الأخير لإفشال الاتفاق النووي عام 2015 بالتنسيق مع الروس، وقد ذكر ظريف في التسريب الأخير «بعد الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النووي، في 2015 وحتى يوم تنفيذه، وقعت أحداث ضد الصفقة بدأت بسفر سليماني إلى موسكو بدون التنسيق مع الخارجية، وانتهت باحتجاز سفينة أمريكية، والهجوم على السفارة السعودية في طهران».
وقد ذّكرت التصريحات التي وردت في التسريب الصوتي بأزمات سابقة أعلن فيها وزير الخارجية رفضه وغضبه مما يجري في كواليس اتخاذ القرار الإيراني، ومنها أزمة استقالته عام 2019 احتجاجا على عدم إبلاغه بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد لطهران، إذ يشير ظريف في التسريب الأخير إلى تلك الحادثة بقوله «نسقنا للزيارة أنا وسليماني، ولكن عندما أحضروه لم أكن على علم بذلك، فقد شاهدت الخبر على شاشة التلفزيون».
النتائج والتوقعات
لقد قرأ حادث تسريب التسجيل الصوتي لوزير الخارجية عدة قراءات ومن زوايا مختلفة، ففي النتائج يجب القول أن موقف ظريف كان محرجا وقد نشر اعتذارا رسميا جاء فيه «أسفت جدا لأن الحديث النظري السري بشأن الحاجة إلى التآزر بين الدبلوماسية والمجال (العسكري) تحول إلى صراع داخلي». كما أشار إلى إن النقاش «العاطفي الصادق» الذي قيل في جلسة خاصة أسيء تفسيره على أنه «نقد شخصي». وأضاف أن «النقطة الرئيسية» في تصريحاته في ذلك التسجيل الصوتي، التي يقول فيها إن للجيش تأثيرا كبيرا للغاية في الدبلوماسية، كان هدفها التأكيد على «الحاجة إلى تعديل ذكي للعلاقة بين الدبلوماسية والجيش».
المعارضة الإيرانية في الخارج تلقفت الموضوع وأشبعته بحثا وتحليلا، وقد أشار بعض المعارضين إلى إن أهمية التسريب الأخير تأتي من زاوية كشفه عدم وجود مركز قوة واحد في مؤسسة الحكم في طهران، وإن المرشد الأعلى علي خامنئي ليس الحاكم المطلق، وبالامكان الحديث عن «ملوك طوائف» داخل النظام، إذ إن هناك العديد من مراكز القوى يديرها قادة في الأمن والمخابرات والحرس الثوري، لكن في النهاية يبقى العسكريون هم من يمسكون بزمام الحكم في إيران.
وكلما اقترب موعد انتخابات الرئاسة الإيرانية، نكتشف أن فوز المحافظين في انتخابات حزيران/يونيو المقبل بات وشيكا، وهنا يمكننا القول إن التسريب الصوتي لمحمد جواد ظريف ربما مثل آخر ضربة وجهها المحافظون للإصلاحيين، والنتيجة فوزهم بإبعاد أحد رموز التيار الإصلاحي عن الساحة السياسية على الاقل في المدى المنظور.