فوجئنا صباح الاثنين إذ اكتشفنا أن رئيس الوزراء ورئيس الموساد قضيا الليلة في قبو ولي العهد السعودي. وخروج التسريب من القدس أو من تل أبيب أو من كلتيهما معاً ولد انتقاداً في إسرائيل. فعلى مدى عشرات السنين، تربينا على حساسية هذه المعلومة، وأن مشاكل كبيرة قد تأتي إذا ما رأت النور. وها هي تأتي مسربة إلى نور النهار بتشجيع من ذوي الشأن. ضج وزير الدفاع غانتس وقال في تسريب الزيارة خطوة عديمة المسؤولية، وعلى مواطني إسرائيل أن يكونوا قلقين. “لا أتصرف هكذا”، قال غانتس، “ويمكنكم أن تخمنوا كم من الأمور فعلتها في أيام حياتي، بما في ذلك بتكليف من نتنياهو”.
نفت السعودية ما نشر، ولكنه لم يكن نفياً عادياً، لا بالمستوى ولا بالمضمون. فقد أرسل وزير خارجيتها ليقول لا أساس للنبأ من الصحة. فهل قال الحقيقة؟ مشكوك جداً. ولكن الحقائق أقل أهمية في نقاشنا. أهم من ذلك هو النية. وفي هذه الحالة، فقد أراد السعوديون أن ينظفوا أنفسهم من هذا اللقاء، حتى ولو بثمن مصداقية الإسرائيليين.
ثمة سنين كان يمكن فيها لمثل هذا التسريب أن يتسبب بضرر للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية. غضب عربي مكظوم، جلبة كبرى بتشجيع الفلسطينيين، وكان أصدقاؤنا السريون سيتراجعون خجلاً، ولكن منذئذ حرروا الحزام؛ لأن الموضوع الفلسطيني يضغط عليهم أقل بكثير من حاجتهم للاقتراب من واشنطن والقدس، ولأن الشارع العربي تعلم كيف يحتوي. تعرف هذه الأنظمة مع من تتعامل، وتعرف الحاجة الإسرائيلية للعلاقات العامة. كما أن المسربين الإسرائيليين يعرفون نظراءهم في هذه الأنظمة، ويعرفون ما الذي سيعرض العلاقات معهم للخطر أو يثير غضبهم عليهم. لهذا السبب، فإن هذه التسريبات في الغالب جزئية جداً، تشبه الثرثرة وتبقى في الظل.
لا للتطبيع
قبل ثلاثة أشهر ونصف نشرت أنباء عن أن رئيس الموساد يوسي كوهن يبحث مع القطريين في تجديد اتفاقات الدولارات إلى غزة. وهذه ظاهرة جديدة بحد ذاتها: خطوات رئيس الموساد تسرب للجمهور بمواظبة جديرة بالتقدير. وقد منح ذاك التسريب كوهن النقاط في الرأي العام، ولكنه لم يلحق ضرراً.
ماذا حصل في الحالة السعودية؟ إن نتنياهو وكوهن ورفاقهما قضيا الليلة مع ولي العهد السعودي وضيفه الخاص مايك بومبيو، وأرادا أن يرويا القصة للرفاق. غضب السعوديون أو ضغطوا، وقرروا نفي القصة ومصداقية أصحابها. وثمة إمكانية ثانية، وهي أنه كان بالون اختبار. بالتنسيق مع ولي العهد ورجاله، تقرر أمام العالم كله كشف أن رئيس وزراء إسرائيل حل ضيفاً على أرض المملكة لأول مرة. والهدف هو فحص كيف ينزل الأمر على آذان معارضي إسرائيل والسعودية أو لتمهيد القلوب لقبول الخطوة.
ومهما كانت، أحياناً يعدّ كشف شيء ما للجمهور الإسرائيلي مسموحاً، طالما يتم الأمر بتوازن ودون المس بثقة الأصدقاء. بعد كل شيء، فإن تسريب الزيارة في السعودية كشف القليل جداً، وإن كان منح النقاط في الرأي العام لرئيس الوزراء ورئيس الموساد. فالاتصالات السرية مع السعوديين مغروسة منذ قبل أكثر من عشرين سنة، وكل ذي عقل يفترض بأنها كانت تتضمن تبادلاً للزيارات أيضاً.
إذا كانت ثمة معلومة متماسكة في هذه القصة فقد جاءت من السعودية، حيث قالت محافل في الرياض لـ “وول ستريت جورنال” بعد النشر بأنه لم يتم الاتفاق في اللقاء الثلاثي على أي شيء جدي بين القيادة السعودية ورئيس وزراء إسرائيل ووزير الخارجية الأمريكي. وبالترجمة إلى اللغة العملية، فإن معنى هذا أننا نحن، السعوديين، لم نوافق على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ينبغي لهذه الحقيقة أن تبقي الإسرائيليين خائبي الأمل.
ومع ذلك، متى يمكن لمثل هذا العمل أن يلحق الضرر؟ عندما يعرض النظام الصديق للخطر أو يحرجه أمام طرف ثالث؟ يحصل هذا مرات كثيرة في الفترة الأخيرة. فالمسؤولون الإسرائيليون يكثرون من القول أو التلميح بأن لإسرائيل والإمارات عدواً مشتركاً، الإيرانيين، وعليه فخير أنهم تحالفوا ضده. مثل هذا التعبير، الذي يقال بالمناسبة ودون التفكير الزائد بمعناه، يغضب الإماراتيين ويرفع مستوى خوفهم من طهران. فكروا كيف يلوح هذا من هناك. فالإسرائيليون بعيدون في بلادهم الآمنة والمحمية، ويمجدون الحلف العسكري الذي عقدوه مع أبو ظبي كي يقاتلوا جارتها القريبة.
إن الوجود الإيراني في إمارات الخليج ملموس، بخلاف ما هو هنا. رجال أعمال إيرانيون يعملون في الإمارات، ومال كثير يملكونه في بنوكها، وقد ترى حدود إيران بالعين المجردة من شواطئ الإمارات، ولهم نزاع معها على ثلاث جزر موضع خلاف، وهناك توتر دائم. والإماراتيون ليسوا معتادين على الثرثرة والتحليل أو على إشراك الجمهور بتفكيرهم في حصانتهم الأمنية. أما إسرائيل فالعكس تماماً. فالخطاب الذي يجري هنا عن عدو مشترك، بقيادة شخصيات في القيادة الإسرائيلية، غريب عليهم ويضيف خوفاً من هجمات إيرانية. على أي حال، فإن اتفاق السلام هذا ليس سهلاً عليهم، ولم يستقبله الكل الإماراتي بحماسة.
خط طيران مباشر
واحد من أولئك الذين تحفظوا على التقرب من القدس هو أمير دبي محمد بن راشد. وعلى الرغم من ذلك، سجلت أمس محطة أخرى في إقامة العلاقات بيننا وبين مدينته اللامعة. فشركة الطيران “فلاي دبي” التي يملكها الأمير أجرت الرحلة الجوية المنتظمة الأولى من مطار بن غوريون مباشرة إلى دبي. وقبل دقيقة من الساعة الواحدة ظهراً، أقلعت الطائرة وهي تقل زواراً إسرائيليين. وبعد نحو ثلاث ساعات هبطت في مطار دبي الدولي.
هذا لا يعني أن الأمير أصبح صديقاً لإسرائيل؛ فقد فكر وتوصل إلى استنتاج محتم. ليس بوسعه رفض التطبيع مع إسرائيل دون إغضاب ولي العهد، وفي حالة أزمة اقتصادية حادة مست بفرع الفنادق وفروع التجارة في دبي، فمن الأفضل مع الإسرائيليين مما هو بدونهم.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 27/11/2020