تشريح التحولات والتأويلات في المشهد الجمالي المعاصر

حجم الخط
0

أن تقود قطيعا من الماشية في البريّة وحيدا، أو صحبة أحد رفاقك، فهذا من المشاهد البديهية التي اعتدنا رؤيتها. وهو نشاط التعاقد الاجتماعي بامتياز، كما تبين في مُؤَلَّف «الهدية» الذي نشره الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس منذ سنة 1925. وهو ما لا يحتمل سياقا مختلفا عدا الطبيعة الوظيفية المباشرة لعدد من العناصر الحاملة لخصوصية استخدام وتبادل المعارف والثقافات، وتوفير الخدمات، حسب مقدار الحاجة البشريّة للتعامل والتفاعل، لكن أن يصبح الأمر متعلقا باستبدال المعاني الفنية المتجذرة والمس بالمبادئ الجماليّة، التي تم تأسيسها منذ التاريخ العتيق، وعلى مدى قرون في العالم اليوناني والحضارة العربية بحوض النيل وقرطاجة إضافة إلى منطقة الهلال الخصيب، وصولا إلى الثقافة الغربية الحداثية. في مسعى لإزالة الثابت وتثبيت الزائل، والذهاب إلى حدود الانحراف عن المحاور والمحتويات الفنيّة التشكيلية المعتادة، بتضمين أشكال أخرى تحتمل الصيغة الطائفية المتعصبة، هذا ما يضع الأعمال المعاصرة تعيد طرح صلتها بالمفاهيم الجمالية. وهي معطيات تشكل مصدر اهتمام الباحث والمختص، لكونها تُمَكّنه من الاستقصاء والدرس. وفي الوقت نفسه، محل نظر المشاهد لكونها تُوفّر له فرص المتابعة والملاحظة بالاستماع والنظر ولربما الاستمتاع بإشباع الفضول بمواد «جمالية» ثائرة مهتزّة ومتنكّرة للمبادئ التشكيلية المعهودة، وإلا كيف نعتبر مجرد كذبة داخل رواق، عرضا فنيّا (الفن المفاهيمي)، أو سكيرا ينام داخل قصادير المدينة عملا فنيا (الفلكسيس)، أو امرأة تصيب قرينها بطلقات نارية على مستوى الذّراع عملا فنيا (الجسدية)، أو زوجا يفتح رفاة قرينته بعد سنوات من دفنها عملا فنيّا (فن ما قبل الرافائيلية)، أو عملية تفجير لآلة مباشرة أمام الجمهور عملا فنيّا (الفلكسيس)، أو إعادة ترتيب محتويات كيس قمامة عملا فنيّا (الفن الفقير)؟ وتبعا ذلك ظلت هذه الظواهر تتجاوز المعطى الجمالي الحسي المدهش، بقطع النظر إذا ما كانت محتوياتها دائمة أو زائلة. فما موقع الجماليّات من الفنّ الحالي؟ وهل الجمال يحدده الفن، أم تحدده فكرة الفن؟ وما هي المآلات المحتملة للفن والجمال في العصر الحالي بداية من نهاية الحرب الكونية الكبرى وإلى أيامنا الحالية؟

الخائن «ليس هذا بغليون» (ماغريت، 1929)

لعل غرائبية المسار الفني لا تتوقّف عن إبهارنا، هذا ما رسمه المشهد منذ منتصف القرن الماضي وبدأت تتسارع ملاحظته في عصرنا، من خلال الممارسات التي اتخذت منحى شموليا، باعتماد عدد من الإضافات اللافتة التي تحدث انحرافا عن المسار الذي حدده المفهوم الجمالي التقليدي، لتتحول بذلك أغلب الممارسات من نشاط تشكيلي كلاسيكي يدوي إبداعي فردي مختص إلى نشاط بصري تكنولوجي مفتوح حر وشمولي، شبيه بنظام الطلبيات والخدمات، لاسيما أمام تعاظم شأن الأروقة الرقمية وتنامي فرص تنظيم المعارض والبينالات الافتراضيّة والصورية العابرة للحدود. وهي معضلة العصر الحديث تذكرنا لا محالة بمعضلة سابقة تلاشت مع الفن البلاطي البورجوازي الذي غيّر الحقائق ونشر دعاية ملفقة للنفوذ والمعتقد في العصور الدينية الوسطى وما تبع ذلك من تأويلات، قبل أن تحطم الصورة الفوتوغرافية قدسيته. قد يبدو واضحا أن عمق التغيير قلب المعطيات رأسا على عقب، فمن فن بورجوازي ذهبنا إلى فن جماهيري عبر الحركة الفنيّة الواقعيّة الاجتماعية والبنائيّة على نحو عمل «برج تاتلين» الطوباوي (1920) للروسي فلاديمير تاتلين. ومن الفن مررنا إلى اللافن عبر تحركات جماعة اللعبة اليابانية التي تفتخر بقيادة قطيع من الأغنام عكس اتجاه الريح، وتعتبره أداء فنيا شعبيا لا يحتمل التسويق. ومن فن دائم مررنا إلى فن زائل عبر الفن الفقير وفن الأرض، يتضح ذلك في عمل «فينيسيا والخرق» (1967) للرسام والنحات الإيطالي ميخائيل أنجلو بيستوليتو. ومن فن معلق إلى فن مطلق عبر البرفرمنس مثل عمل «الصلوات الكبرى» (1998) للحركي النمساوي هرمان نيتشه وما اتصل بذلك من مواد كالعرض والموسيقى والفيديو والسينما والمسرح والكوريغرافيا.

على هذا النّحو يتضح أن الفعل الجمالي متغير ودائم الحركة، ولم يلتزم بالكامل بما تم تأسيسه وتدوينه من نظريات وتجارب جمالية ورشية وذهنية رائدة. انطلاقا من مجمل المعطيات المرجعية الأدبية الإنسانية المواكبة للفترة الحداثية كالحركة الليرية والرومانسية والرّمزية.

ومن فن حسي إلى فن وظيفي عبر إدماج عدد من العلوم الإنسانية والصحيحة على غرار الأركيولوجيا والإيكولوجي والأيديولوجيا والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا، على غرار أعمال المادية الجدلية للروسي ألكسندر داينيكا، مثل عمل حوض العطاء» (1967)، الذي يثمن العمل البروليتاري. ومن فن جمالي مبهر يسجن الأحاسيس مررنا إلى فن معتدٍ، متعدي تمظهر خاصة في التيّار الفلكسيسي والمفرط ظهر ذلك في عمل الآلة الميكانيكية المصنوعة من بقايا الخردة «حنبعل 2» (1967) للحركي السويسري المعارض المعاصر جون تنجيلي. ومن فن وفيٍّ إلى فن خائن كما ظهر في التيار السريالي والمفاهيمي، كالعمل المعروف «هذا ليس بغليون»(1929)، للفنان ريني ماغريت ومن فن داخلي إلى فن خارجي مع فن الشارع والغرافيت، والفن المتحفي مثل عمل «قاذف الزهور» (2005) الذي أنجزه ببيت لحم الفلسطينية الغرافيتي البريطاني بانكسي. ومن فن نخبوي إلى فن جماهيري، كما يتضح في الفن الساذج وفن الواقعية المفرطة والفن الشعبي، على غرار لوحة الواقعية الجديدة «الملتقطات» (1857) للفرنسي جان فرانسوا ميلي.

ومن فن مادي إلى فن فكري (المفاهيمي) (ومن فن إبداعي إلى فن صناعي (الأدنى). ومن فن ثابت إلى فن متحرك (الحركي، الميكانيكي) ومن فن مثير إلى فن إباحي (الجسدي) ومن فن صُوري إلى فن كتابي (اللغوي) ومن فن الرواق إلى فن الشارع (الغرافيتي). يتجاوز الأمر في الكثير من الأحيان الأبعاد والتقنيات المعروفة في الممارسة الفنية، خاصة عبر اعتماد وسائل وأدوات تعتمد آليات إنجاز مختلفة، سواء في ما يخص المواد والخامات، أو في ما يخص التنفيذ والإنجاز، مثل الإعداد بالوساطة عبر تكليف أعوان لتنفيذ المشروع الفني المقترح، أو تقديم التصميم لإنجازه في المصنع، وذلك سواء بنسخة واحدة أو بعدد من النماذج المنسوخة حسب طبيعة العمل أو الاهتمام بجمع الخامات المهملة وبقايا الخردة (حديد، خشب، قماش، كرتون). وهو حال عدد من كبار الفنانين المعاصرين، نجد على سبيل الذكر لا الحصر عمل «أعمدة بيرن» المنتصب منذ 1986 في ساحة القصر الملكي في باريس، على مقربة من مقر وزارة الثقافة الفرنسيّة للمعاصر فرانسوا بيرن، ناهيك عن تغير تركيبة بعض الخصوصيات الصباغية من مستخلصات طبيعية إلى مواد صناعية ونصف صناعية والاحتفاظ ببعض الأعمال الأصلية، مقابل الاكتفاء بعرض نسخها نظرا لدواع أمنية، جغرافية ولوجستية.
على هذا النّحو يتضح أن الفعل الجمالي متغير ودائم الحركة، ولم يلتزم بالكامل بما تم تأسيسه وتدوينه من نظريات وتجارب جمالية ورشية وذهنية رائدة. انطلاقا من مجمل المعطيات المرجعية الأدبية الإنسانية المواكبة للفترة الحداثية كالحركة الليرية والرومانسية والرّمزية. ومع تسارع نسق التحولات بتغير البنية الاجتماعية تغيرت القراءات الأدبية والفنية من وضعيّة إلى أخرى للإجابة عن سؤال اللحظة، دون الاهتمام بالمعنى المثالي الشكلي الذي يظل يتبلور في سياق واحد (asymétrique) لا يراعي تطور الإشكالية الجوهرية للإنسان والوجود والجمال نفسه. وهي عملية موضوعية وذاتية، حسب سياقات الطرح، ترتبط بأفكار عصرها، ولا يعد البعد الجمالي فيها إلا مجرد قناع شكلي تلبسه الفكرة، وهو ما جعل مصطلح الفن التشكيلي يتحول إلى مصطلح الفن البصري، بعد استيعابه للمسرح والموسيقى والفيديو والسينما والرقص والشبكة العنكبوتية. لعل المآلات التي وصل إليها العمل التشكيلي المعاصر تبدو غريبة وغير مقنعة، وهي نتائج تأتي بعدما كان منغلقا على نفسه لفترات بسبب تواصل التحديات العالمية في الجانب الإيكولوجي البيئي والاقتصادي التنموي والصحي بعد تعاقب الأزمات الفيروسية، والرغبة في التغلب على العوائق الجغرافية والإدارية للعرض والتدخل والمشاركة، وهي عناصر جانبية جعلت من الطبيعة الوظيفية لهذه الإنتاجات مشوشة، تنمو بوتيرة غير متكافئة (asymétrique) وتتطور بنظام لا يراعي المشاعر والأحاسيس البشرية في هذا الوجود.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية