«تشريح الرغبة» رواية المغربية ريم نجمي: بنية الرسائل والهيمنة الثقافية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

تستند رواية «تشريح الرغبة» للكاتبة المغربية ريم نجمي على رصيد إبداعي يعتمد على تقنية الرسائل في الكتابة الروائية، فمن خلال الرسائل المتبادلة بين هذا الثالوث يوليا كلايبتروي الزوجة المفارَقة أو المتروكة، وعادل عبد الراضي الزوج المفارِق، وجوري السورية المسيحية التي تشكل بصورة من الصور الطرف الثالث، تمرّر لنا الكاتبة كونا روائيا ذا خصوصية. فقد كفل الشكل المنفتح للرواية على الفنون وآلياتها الفنية سبلا وامتدادا للذيوع والتنوّع، حيث تحوّلت إلى مداد للاستمرار، كاشفة عن أنساق كتابية لا تبلى، لأنها في كل مرة تتجلى بشكل ونمط مغايرين، وتتأسس لها بالتدريج هوية فنية فيه نوع من الاختلاف عن المؤسس والسائد. فالاستناد إلى آلية فنية تلحّ بشكل فاعل، لا يقضي تماما على شرعية الأسس والتجليات التاريخية للنوع، ولكنه بالتأكيد يغيّر في طبيعتها، وفي كيفية تجليها وتحققها.
تتخذ الرواية من خلال الرسائل المتبادلة من التذكر والتداعي الموجّه بالحالة الآنية طرائق وأساليب، لتصوغ الحكاية بارتباطها بالذات داخل بؤرة السرد، وفق نسق تبادلي قائم على تأسيس المشروعية في الحركة والتوجه من جانب، ومن جانب آخر تمارس نقضا أقرب للحجاج لخطاب الآخر الذي يمثله الزوج المختلف في الثقافة وفي العرق. ففي هذه الرواية يجد القارئ نفسه أمام حركات متوازية بين متكلم يتحكم في ناصية السرد، ومخاطب يتمّ تغييب خطابه أو نقض وجهة نظره، ليأخذ كل واحد منهما شكلا مغايرا في الرسالة التالية فيتحول المخاطب إلى متكلم، والمتكلم إلى مخاطب. فكل صوت من هذه الأصوات يقدّم بأشكال وصور عديدة، فمرة يكون متكلما يسيطر على السرد والكشف التدريجي، ومرة أخرى يصبح مخاطبا منفعلا موضوعا في بؤرة التمثيل والمقاربة والتأويل، ومن هنا يتكشف للقارئ الطبيعة الحجاجية للرواية، والتباين الصوتي للسرد من رسالة إلى أخرى.

الرسائل وتفتت الكون الروائي

الرسائل تفتيت للتماسك السردي، تفتيت للتوجه المباشر في الكتابة، من أجل الانتباه والإصغاء إلى الداخلي المخبوء، والكشف عنه دون توار لصناعة نسق الاستقواء والانتصار لقيم الذات التي تؤسس من خلالها وجودها المختلف، في مقابل الآخر الذي يقدم تأويلا مغايرا للذات وسلوكها وللحوادث نفسها. فالرواية –لاتكائها على تقنية الرسائل- ليست معنية بتقديم صورة كاملة لشخصية المرسل أو المستقبل، وإنما هي مشدودة للحظة الكتابة الخاصة برسالة واحدة أو مجموعة من الرسائل تتداخل فيما بينها لتشكيل أو معاينة حالة طارئة.
كل عناصر الكون الروائي في ظل حضور وهيمنة فاعلية نسق التراسل بين الزوجين المقبلين على الانفصال وشعورهما بدبيب الضلع الثالث تأتي مسيجة بفعل هذا النسق الفني فلا الشخصيات أو المكان أو الزمان أو الحدث تقدم بشكل كامل أو نهائي، ولكنها تقدم بشكل مبتسر ومبتور، وكأن لحظة الفقد أو الانفصال مارست تغييبا أو استخدمت ممحاة، فلا تبقي من هذه العناصر من شخصيات أو حدث إلا على ما له علاقة بفعل الفقد وأسبابه. فلا يطالع القارئ بناء كاملا، ففي الرسائل يتجلى البناء من مثيرات الندوب والتذكر وفعل القراءة لحدث أو لإشارة، ربما كانت مهملة لم يتم التنبه إليها، والقارئ وحده يقوم بشيئين الوعي بهذه المثيرات أو الندوب أو المداخل، ومن خلالها ومن خلال الارتداد إلى الماضي يستطيع أن يلمّ بأطراف الحكاية.
لا توجد رواية يمكن أن تخلو من حدث أو مجموعة أحداث، ولكن الجديد يتمثل في طبيعة تقديم هذا الحدث في ظل سياق يحتّم أن يكون عدد الشخصيات قليلا. ماذا تفعل تقنية الرسائل في الحدث؟ أو بشكل آخر كيف يتشكل الحدث في إطار هذا الشكل الكتابي؟ الحدث هنا ينأى عن مباشرته أو توجهه الطبيعي، ولكنه يأتي بشكل متوار يرتبط بنمو الحالة أو التوجه أو الفكرة المهيمنة، سواء في بناء إطار خاص يقوم على تقويض الإطار المقابل، ويصبح في ذلك الإطار نتفا أو جزئيات يتمّ توجيهها بخضوعها لتأويل لحظي أو آني وقت الكتابة في انشدادها لهدف ما.
الحدث في رواية الرسائل يتحول إلى حدث يعاد سرده وحكيه، وهو في هذه الحالة لا يخضع لوعي واحد، يتمثل في وعي المعايشة أو المرور بالتجربة، وإنما يضاف إليه وعي اللحظة الراهنة، بما تضيفه من مسافة أو مساحة زمنية يتشكل فيها بالضرورة وعي مغاير، فالذاكرة بوصفها فعلا استعاديا لا تفصل الوعي الآني عن وعي لحظة المرور بالحدث ومعايشته، بل على العكس يمارس الوعي الآني سطوة ما في فاعلية التذكر وترسيم دروبه، في اختيار المتشابه من الأحداث والتركيز عليها، ويمارس- فوق ذلك- تحويرا في الحدث القديم، ويعيد الانتباه إلى جزئيات لم تكن حاضرة أو مفهومة على نحو خاص لحظة المعايشة، لأن الانطلاق من الآني يمارس دوره في تشكيل وتنميط الماضي، وقد يزيده حدة عما كان عليها، تقول الرواية: «إن تفكيرنا في بعض الأحداث واستعادتها يحدث ريحا قوية تحرّك تلك السلاسل، يكفي أن نتذكر رحلة سيئة، لتأخذك الذاكرة بطريقة أوتوماتيكية إلى رحلة سيئة أخرى. هنا تكمن خطورة الذاكرة كرشّاش أوتوماتيكي، لا يمكن إيقافه إلا حين نتأكد من موت العدو».
ما تضيفه الرسائل على بنية الشكل يتجلى بشكل متكامل لكل عناصر الشكل الروائي، لأن الكاتب – أو الكاتبة – مطالب في ظل هذا النمط الرسائلي أن يشعرنا بمجمل الأحداث دون تفصيل، ومجمل المشاعر دون توجه مباشر تخلقه طبيعة البنية، فإذا كان هناك تحوير للحدث أو للأحداث فإن هناك تحويرا عاما يمسّ البنية، فلن يجد القارئ الكون الروائي مرتّبا كما هو الحال في الروايات التي لا تنتهج هذه الآلية الفنية، فالحدث لا يطل بشكل مباشر، وإنما هو حدث ممسوس متخيل، وعلى القارئ أن يجمعه اختزانا، لا لتأطيره أو الانطلاق منه، فالحدث بحد ذاته لم يعد مهما في ذلك السياق، إلا من خلال ما يشكله بفعل القراءة والتأويل من عوالم متشظية لدى كل قسيم، خاصة في ظلّ جدل ثقافي لا يكفّ عن الحضور والظهور، ويترك أثرا أو ندوبا، يتكفل الصمت في حدود الثقافة الأدنى بخلق هالات من التأثير حول الحدث، ولكنه يظل- طالما تزيّا بالصمت- تأثيرا داخليا ينمو ويتراكم حتى الوصول إلى لحظة الامتلاء، ومن ثم نحو الحركة والفعل.
الأمكنة في هذه الرسائل – وإن تمّ تحديدها بدقة – متشظية ومبعثرة، لتوزع الحالات التي تعاينها، ولتغير طبيعة المرسل وطبيعة المستقبل، فالمكان لحظة الشغف يختلف عن المكان ذاته لحظة الانكسار والانحناء أو لحظة التعافي في النهاية، فالأمكنة مجرد إشارات دالة لأحابيل الرغبة وتمددها. وتلحّ الشخصيات مقتطعة من سياقها ذات وجود هلامي جزئي، لأنه- نظرا لهذه الآلية- تمّ الدخول إليها من لحظة اكتمال ترتبط بمعاينتها في ظل هيمنة حدث آني مشدود للتعبير الذاتي، دون وجود تأسيس كاف وكامل عن الشخصيات التي تتداول الهيمنة فوق منصة الإرسال أو الاستقبال، فيتمّ تشكيل ملامحها الغائمة أثناء عملية القراءة، والوعي بتباين الثقافات بالتدريج، ولكنها تظل متلبسة بالغموض أو النقصان الناتج من الانطلاق من لحظة اكتمال دون وعي صريح ومباشر بالماضي، فيلحّ تأويله بدلا من المرور به ومعاينته.

هيمنة التوجيه والتمثيل

في هذه الرواية هناك انفتاح على ثقافات عديدة رفيعة، يكشف عن ذلك مجموعة الملاحق النصية الموزعة بدقة وحرفية ووعي لافت في بداية كل رسالة، فكأن هذه الملاحق النصية المأخوذة من كتّاب وشعراء وروائيين أفق خاص يوجّه القارئ نحو المنحى المعرفي في إطار فكرة الحجاج بين المغادِر والمغادَر أو بين التارك والمتروك، وربما يوجّهه قبل كل رسالة إلى تحديد السارد في سياق هذا التوزع الثلاثي. وتكشف في الإطار نفسه عناوين الفصول الستة (الذي انصرف- وظلال المرأة السورية- التي بقيت- وأنا بخير لا تقلق- وأذى كالحب- ومستقبلنا الذي مضى) عن وعي بطبيعة العلاقات الإنسانية وطبيعة تولدها وبداياتها، وفترة ارتفاعها وسموقها، وفترة ذوبانها وتلاشيها.
لا تنجو الرواية – بالرغم من كونها تحاول الانكفاء على ذاتية التجربة والرغبة – من المقارنة بين ثقافتين في رصد العالم ومقاربته، وطبيعة نظرة كل ثقافة إلى أخرى، ولكن كل ذلك لا يتمّ التوجه إليه بشكل مباشر، ولكنه يظهر في بعض الجزئيات الخافتة، ويطلّ بشكل مهيمن في جزئيات أخرى. فهذا الخفوت جعل البعض يقارب الرواية بوصفها مشدودة لعالم النسوية بأرديتها العديدة، ولكنها عند التأمل الدقيق تدور في فلك الصراع الثقافي، ومنطق القوة والقدرة على تمثيل الآخر وتحديده وتنميطه في إطار جاهز.
التوجيه المستمر يعتبر مرحلة أولى لتبرير الفوقية والتعالي، حتى في مغايرة السائد المعروف، ففكرة الفوقية أو العلو التي تفضلها الزوجة في اللقاء الجنسي، وما يرتبط بها من مغايرة نوعية جندرية، تؤسس للتراتب العرقي والثقافي، وتشير إلى مشروعية ذلك الفهم، خاصة إذا ارتبط ذلك الفعل باختيار اللغة التي تشكل الخطاب الكاشف عن القوة والسلطة بتعبير وتحديد فوكو. فعلى السرير تتشكل حلبة الصراع بين ثقافتين (وقد يعيدنا ذلك إلى مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال»)، وتتشكل أسس الصراع من استناد الزوجة الألمانية إلى لغتها، تقول الرواية على لسان الزوج: «كنت دائما تحبين ممارسة الجنس بلغتك الأم، تتحدثين معي طوال اليوم باللغة العربية، وفي السرير تنثرين كلامك الجرماني الفاحش في الهواء، مع أني طلبت منك مرات كثيرة أن تتحدثي معي بالعربية».
الرواية في إطار ذلك التوجه من خلال الصفات المسدلة على الزوج الذي بدأ بالخروج من الصمت إلى الفعل، وعلى جوري (الطرف الثالث)، وعلى والد ووالدة الزوج حين قدما لزيارة ألمانيا، حيث وصفتهما الزوجة بأنهما لا يستطيعان حتى شد سيفون الحمّام، وعلى إخوته حيث يتولد انطباع أنه غير مرحب بهم وبوجودهم، فهم يحدثون الفوضى، وينشرون الوساخة، ويتمّ وصفهم بالخنازير، تشير إلى إطار ثابت عام في رؤية الآخر من جانب، ومن جانب آخر فهي تعري الدعوات الشكلية لتقبل الآخر والارتباط بحدوده والإنصات إليه، فاختيار الزوج المفارِق لامرأة سورية بعد الالتحام بالآخر المباين في العرق، ليس اختيارا عاريا من الدلالة، وكأن الرواية تشير بعد المعاينة والمعاشرة إلى سيطرة المؤسس، فالليبرالية حين ترتبط بالقوة والسلطة تستمرّ حقيقة في إطارها الشكلي دون اقتراب حقيقي نحو المساواة الإنسانية، ونحو الإيمان بالتنوع الخلاق، ونحو الوحدة الكاشفة عن تنوع هارموني لافت.

ريم نجمي: «تشريح الرغبة»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2021
334 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية